لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية مجرد استحقاق لتجديد مقاعد في الكونغرس، بل تحولت إلى اختبار سياسي واسع للرئيس دونالد ترامب، انتهى بتوجيه ضربة قوية للحزب الجمهوري، وفتح الباب أمام انتقال مركز الثقل التشريعي والرقابي في واشنطن إلى الديمقراطيين. فالحزب الذي دخل الانتخابات ممسكاً بمجلسي النواب والشيوخ، بات يواجه خسارة السيطرة عليهما، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية لأنها تأتي في منتصف الولاية الرئاسية الثانية لترامب، أي في توقيت يفترض أن يكون فيه الرئيس قد استقر في إدارة مشروعه السياسي، فإذا به يدخل السنتين الأخيرتين من ولايته أمام كونغرس معارض، قادر على محاصرة أجندته التشريعية وفتح ملفات إدارته، وتحويل ما تبقى من عهده إلى مرحلة من التجاذب المؤسسي المستمر.
ولا يمكن اختزال أسباب التراجع الجمهوري في عامل واحد. فارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وأسعار الطاقة، والجدل حول الرسوم الجمركية، والاعتراضات على أداء الإدارة في الملفات الداخلية، كلها عوامل حضرت في خيارات الناخبين. لكن الحرب على إيران أضافت عبئاً سياسياً واقتصادياً إلى هذه العوامل، خصوصاً مع انعكاساتها على أسعار الوقود والأسواق، واتساع المخاوف من الانزلاق إلى مواجهة طويلة ومكلفة.
ولعل الاعتراف الأبرز جاء من ترامب نفسه، الذي أقرّ بأن الحرب على إيران ساهمت في خسارة مرشحين جمهوريين، وإن حاول في الوقت نفسه الدفاع عن قراره العسكري والتقليل من أثره على موقف الناخبين. وهذا الإقرار يكتسب دلالة خاصة، لأنه يربط للمرة الأولى بصورة مباشرة بين أحد أبرز خيارات السياسة الخارجية للإدارة وبين الثمن الانتخابي الذي دفعه الحزب الحاكم.
لكن العامل الأكثر حساسية بالنسبة إلى ترامب لا يتعلق فقط بخسارة المقاعد، بل بما تتيحه السيطرة الديمقراطية على المجلسين من أدوات دستورية. فمجلس النواب يستطيع إطلاق تحقيقات واسعة في أداء الإدارة، واستدعاء المسؤولين، وطلب الوثائق، ومساءلة كبار الموظفين، وصولاً إلى فتح مسارات اتهام بالعزل إذا توافرت مبرراتها السياسية والقانونية. أما مجلس الشيوخ، فيمتلك سلطة المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما فيها كبار المسؤولين والقضاة الفدراليون وقضاة المحكمة العليا، ما يضع خيارات ترامب في مواجهة رقابة حزبية مضادة.
وهنا يصبح احتمال عودة أجواء “ووترغيت” إلى التداول السياسي أمراً مفهوماً، وإن لم يكن تكراراً آلياً للتجربة. فالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون اضطر إلى الاستقالة عام 1974 بعدما كشفت التحقيقات تورطه في التستر على فضيحة “ووترغيت”، وفقد الغطاء السياسي داخل حزبه، قبل أن يصوّت مجلس النواب على عزله. لكن الفارق أن استقالة نيكسون لم تكن نتيجة مجرد خسارة انتخابية أو مواجهة مع أغلبية معارضة، بل نتيجة أدلة وتحقيقات وانهيار الدعم الجمهوري له. ولذلك، فإن امتلاك الديمقراطيين للأغلبية لا يعني تلقائياً اقتراب نهاية رئاسة ترامب، لكنه يفتح أمامهم مساراً رقابياً وسياسياً لم يكن متاحاً بالقدر نفسه في ظل السيطرة الجمهورية.
وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في حدود ما يستطيع الديمقراطيون فعله. فترامب سيحتفظ بصلاحياته التنفيذية وحق النقض الرئاسي، ولن يتمكن الكونغرس من تجاوز الفيتو إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين. كما أن إدارة السياسة الخارجية والقيادة العسكرية تبقيان في يد الرئيس، وإن كان الكونغرس يستطيع التأثير من خلال التشريعات والتمويل والرقابة. وبذلك، لن يصبح البيت الأبيض تابعاً للكونغرس، لكن قدرة الرئيس على تمرير أجندته من دون تفاوض ستتقلص بصورة ملموسة.
وتفتح النتيجة أيضاً باباً لمراجعة داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبعدما جعل ترامب ولاء المرشحين له جزءاً أساسياً من معادلة الحزب الانتخابية، ستظهر أسئلة حول كلفة هذا الارتباط، وحول ما إذا كان الجمهوريون سيواصلون منح الرئيس غطاءً سياسياً كاملاً، أم سيبدأ بعضهم في استعادة هامش من الاستقلال، خصوصاً إذا تحولت التحقيقات المقبلة إلى ملفات محرجة أو ظهرت خلافات حول إدارة الحرب والاقتصاد.
أما على المستوى الداخلي، فسيجد ترامب نفسه أمام صعوبة أكبر في تمرير تشريعاته المتعلقة بالهجرة والضرائب والإنفاق والميزانية، وقد تتحول المفاوضات حول تمويل الحكومة وسقف الدين إلى ساحات مواجهة متكررة. ولن يكون مستبعداً أن تشهد واشنطن مرحلة من التعطيل التشريعي، تتبادل فيها الإدارة والكونغرس الاتهامات بالمسؤولية عن الشلل السياسي.
بهذا المعنى، لا تقتصر دلالة الانتخابات على انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر، بل على تقلص هامش الحركة الرئاسية في مرحلة حساسة من الولاية الثانية. فترامب الذي اعتاد التعامل مع الكونغرس بوصفه امتداداً لمشروعه السياسي، سيجد نفسه أمام مؤسستين تشريعيتين تملكان أدوات مساءلته وتعطيل جزء من أجندته، فيما سيصبح موقف الجمهوريين أنفسهم عاملاً أساسياً في تحديد مدى قدرته على مواصلة الحكم بالشروط التي اعتادها.
لقد “ركل” الحمار الأزرق الفيل الأحمر في صناديق الاقتراع، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن في واشنطن، حيث ستتحدد حدود المواجهة بين رئيس لا يزال يحتفظ بكامل صلاحيات منصبه، وكونغرس انتقلت مفاتيح الرقابة والتشريع فيه إلى خصومه.


