الرئيسيةشريط الاحداثإيران تهزم ترامب في أميركا

إيران تهزم ترامب في أميركا

لم تكن إيران حاضرة في صناديق الاقتراع الأميركية، لكنها كانت حاضرة بقوة في الحسابات التي سبقت الانتخابات النصفية، وفي تفسير نتائجها أيضاً. فالرئيس دونالد ترامب نفسه أقرّ بأن الحرب على إيران ساهمت في خسارة الجمهوريين، وإن حرص على عدم إظهار ذلك باعتباره اعترافاً بفشل قراره العسكري، مؤكداً أنه لا يندم على إطلاق الحرب.

هذا الإقرار يختصر جانباً أساسياً من المأزق الذي وجد ترامب نفسه فيه. فالحرب التي أرادها أن تكون استعراضاً للقوة الأميركية، وتأكيداً لقدرته على فرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط، تحوّلت إلى عبء سياسي واقتصادي داخلي. ولم يعد ممكناً فصل نتائجها عن أسعار الطاقة، ومخاوف التضخم، واستنزاف الموارد، والقلق من الانزلاق إلى مواجهة طويلة لا تبدو نهايتها واضحة.

لكن اختزال الهزيمة الجمهورية بالحرب على إيران سيكون تبسيطاً للنتائج. فالناخب الأميركي عاقب الإدارة أيضاً على غلاء المعيشة، والرسوم الجمركية، وتراجع الثقة بأدائها، وشعور قطاعات واسعة بأن وعود ترامب الاقتصادية لم تتحقق بالسرعة التي انتظروها. غير أن الحرب أضافت إلى هذه الأعباء عاملاً بالغ الحساسية: رئيس وعد بتجنب الحروب المكلفة، وجد نفسه يقود مواجهة امتدت أشهراً وفرضت أثماناً مباشرة على الاقتصاد الأميركي.

واللافت أن ترامب، في حديثه عن النتائج، لم ينكر أثر الحرب، لكنه لم يربط ذلك بمراجعة خياراته. وهذا يعني أن الاعتراف بالخسارة الانتخابية لا يساوي بالضرورة الاستعداد لتغيير المسار العسكري. بل قد يجد الرئيس نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً: التمسك بخطابه المتشدد لتجنب الظهور بمظهر المتراجع، في مقابل الحاجة إلى احتواء التداعيات الداخلية التي جعلت الحرب عبئاً على حزبه.

في المقابل، لا تعني سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس أن قرار الحرب بات في أيديهم. فالرئيس يظل صاحب السلطة التنفيذية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويحتفظ بهامش واسع في إدارة العمليات والسياسة الخارجية. لكن انتقال الكونغرس إلى المعارضة يغيّر البيئة السياسية المحيطة بالقرار، ويمنح الديمقراطيين أدوات لم تكن متاحة لهم بالقدر نفسه في ظل السيطرة الجمهورية.

في مقدورهم فتح تحقيقات وجلسات استماع بشأن أهداف الحرب، وتكاليفها، والمعلومات التي استندت إليها الإدارة، ومدى وضوح الاستراتيجية التي تحكمها. كما يستطيعون التدقيق في طلبات التمويل العسكري، وممارسة ضغط تشريعي وسياسي على البيت الأبيض، وإعادة طرح مسألة صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية من دون تفويض واضح من الكونغرس. وقد تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحاً إذا اتجهت الإدارة إلى توسيع العمليات أو طلب اعتمادات مالية إضافية.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في قدرة الكونغرس على وقف الحرب بقرار سريع. فالتشريعات المتعلقة بصلاحيات الحرب قد تصطدم بفيتو رئاسي، كما أن تجاوز الفيتو يحتاج إلى أغلبية الثلثين في المجلسين. والأهم أن التحول في ميزان القوى لن يدخل حيّز مفاعيله الكاملة قبل تسلّم الكونغرس الجديد مهامه في الساعة 12 ظهراً في 3 كانون الثاني 2027. لكن مجرد انتقال الرقابة والتحقيقات واللجان إلى خصوم ترامب يضع الإدارة أمام مرحلة أكثر صعوبة في تبرير قراراتها.

أما في طهران، فمن الطبيعي أن تُقرأ النتائج باعتبارها مؤشراً إلى أن المواجهة لم تقتصر على الميدان العسكري، وأن كلفتها السياسية بدأت تظهر داخل الولايات المتحدة نفسها. فإضعاف ترامب في الداخل يمنح القيادة الإيرانية هامشاً إضافياً للمناورة، ويعزز رهانها على أن استمرار الحرب قد يرفع أثمانها على الإدارة الأميركية، ويجعل البحث عن تسوية أقل كلفة من مواصلة الاستنزاف.

هزمت إيران دونالد ترامب داخل الولايات المتحدة الأميركية، لكن ذلك لا يعني أن إيران خرجت منتصرة من الحرب، أو أن واشنطن فقدت قدرتها على التصعيد. فالولايات المتحدة لا تزال تملك تفوقاً عسكرياً واسعاً، ونتائج الانتخابات لا تلغي المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، ولا تحوّل الديمقراطيين تلقائياً إلى مؤيدين للموقف الإيراني. كما أن أي تسوية ستظل مرتبطة بملفات تتجاوز وقف العمليات، من العقوبات والبرنامج النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى ترتيبات الأمن الإقليمي.

وتكشف التطورات الأخيرة عن تعقيد إضافي. فالضربات الأميركية المحدودة قرب مضيق هرمز، بالتزامن مع استمرار الاتصالات بحثاً عن إطار تفاوضي، تظهر أن واشنطن لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد تثبيت وقف المواجهة أم الاحتفاظ بخيار العودة إلى التصعيد. وفي المقابل، تربط طهران إعادة فتح المضيق بشروط تشمل رفع الحصار البحري وتخفيف العقوبات ووقفاً لإطلاق النار يمتد إلى لبنان. وبذلك لم تعد المفاوضات محصورة في الملف الإيراني بالمعنى الضيق، بل باتت تتصل بمجموعة من الملفات الإقليمية المتشابكة.

هنا تبرز المفارقة الأهم: قد لا تكون إيران قد حققت أهدافها العسكرية، لكنها نجحت، حتى الآن، في جعل كلفة الحرب جزءاً من الحساب السياسي الأميركي الداخلي. وهذا لا يضمن لها فرض شروطها على طاولة التفاوض، لكنه يضعف قدرة ترامب على التعامل مع المواجهة باعتبارها ملفاً خارجياً منفصلاً عن حسابات الداخل.

لقد دخل ترامب الحرب وهو يراهن على أن القوة العسكرية ستمنحه أوراقاً إضافية في السياسة الدولية. وخرجت الانتخابات لتظهر أن هذه القوة لا تمنح صاحبها بالضرورة حصانة سياسية في الداخل. وبينما يستعد الديمقراطيون لاستخدام أدوات الرقابة والمحاسبة، يبقى السؤال العملي متعلقاً بقدرة الإدارة على الانتقال من منطق التصعيد إلى تسوية لا تبدو، حتى الآن، شروطها متقاربة بين واشنطن وطهران.

شريط الأحداث