لا يبدو أن فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأميركية سيؤدي إلى إسقاط “اتفاق الإطار” بين لبنان و”إسرائيل”، أو إلى تراجع واشنطن عن أهدافها المعلنة في الملف اللبناني. لكن النتائج تفتح الباب أمام تبدّل في طبيعة الضغوط الأميركية، وفي الطريقة التي ستتعامل بها الإدارة مع الحكومة اللبنانية، كما تطرح علامات استفهام حول قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة إدارة هذا الملف بالاندفاعة السياسية نفسها التي سبقت الانتخابات.
الاتفاق الذي رعته واشنطن في حزيران الماضي لم يكن مجرد تفاهم لوقف إطلاق النار، بل وضع مساراً سياسياً وأمنياً يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح “حزب الله”، وتفكيك بنيته العسكرية، وتوسيع انتشار الجيش اللبناني، وصولاً إلى استعادة الدولة سلطتها على كامل أراضيها. وفي المقابل، تحدث عن إعادة الإعمار، وعودة السكان، وفتح الطريق أمام ترتيبات أوسع بين البلدين.
غير أن هذا المسار اصطدم منذ بدايته بعقدة أساسية: “إسرائيل” تريد الاحتفاظ بمواقعها العسكرية في الجنوب إلى حين التأكد من نزع سلاح “حزب الله”، فيما يرفض الحزب الاتفاق بصيغته الحالية، ويرى في ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاحه تكريساً للاحتلال ومنحاً لـ”إسرائيل” تفويضاً لتحديد مستقبل لبنان الأمني. وبين الموقفين، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ لا تستطيع القبول باستمرار الاحتلال، ولا تملك في الوقت نفسه القدرة السياسية على فرض تنفيذ الاتفاق وفق الشروط الإسرائيلية.
وقد أظهرت المفاوضات الأخيرة في تامبا أن الخلاف لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد إلى آليات التنفيذ والتحقق من خلو المناطق المحددة من البنية العسكرية لـ”حزب الله”. ولم تتوصل المحادثات إلى اتفاق على آلية التحقق، فيما لا تزال المناطق التجريبية التي يفترض أن يبدأ منها الانسحاب الإسرائيلي غير مستكملة الشروط المطلوبة. وفي المقابل، أكد الرئيس جوزاف عون أن الملفات الأساسية، من وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود إلى إطلاق الأسرى، لا تزال من دون حلول ملموسة.
هنا تكتسب نتائج الانتخابات الأميركية أهميتها. فانتقال الكونغرس إلى السيطرة الديمقراطية لا يغيّر تلقائياً موقف البيت الأبيض، ولا يسحب من ترامب صلاحياته في إدارة السياسة الخارجية والتفاوض مع الأطراف المعنية. كما أن الاتفاق نفسه نتاج تفاهمات بين حكومات، وليس قانوناً أميركياً يمكن للكونغرس الجديد إلغاؤه بمجرد تبدّل الأكثرية. لكن ذلك لا يعني أن واشنطن ستواصل إدارة الملف من دون قيود سياسية متزايدة.
يستطيع الديمقراطيون استخدام أدوات الرقابة والتشريع والتمويل لمراجعة جوانب من السياسة الأميركية في لبنان، وخصوصاً المساعدات العسكرية والأمنية، والعقوبات، وطريقة التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية. وقد يصبح دعم الجيش اللبناني موضع نقاش أوسع، ليس بالضرورة من زاوية تقليصه، بل من زاوية تحديد مهمته وشروط تمويله والنتائج المطلوبة منه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مشروع القانون الذي طرحه السيناتوران الديمقراطي جين شاهين والجمهوري جيمس لانكفورد، والذي يقترح تخصيص ما يصل إلى 1.2 مليار دولار على خمس سنوات لدعم الجيش وقوى الأمن والمؤسسات المدنية اللبنانية، مع ربط جزء من التمويل بإجراءات تتعلق بحصرية السلاح وتنفيذ قرارات الدولة. والمشروع، الذي يحظى برعاية من الحزبين، يكشف أن دعم الدولة اللبنانية وتعزيز قدرات جيشها ليسا بالضرورة موضع خلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين، لكن الخلاف قد يدور حول الشروط والآليات والجهة التي تتحمل مسؤولية التعثر.
ومن هنا، لا يمكن افتراض أن فوز الديمقراطيين سيؤدي إلى تخفيف الضغط على “حزب الله”، أو إلى تراجع الاهتمام الأميركي بملف السلاح. فثمة تقاطع واسع داخل الحزبين حول ضرورة تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وإن اختلفت المقاربات بشأن كيفية الوصول إلى ذلك. بل قد يجد بعض الديمقراطيين في تعثر الاتفاق مناسبة لمساءلة إدارة ترامب عن مدى توازن سياستها، وعن استمرار الدعم الأميركي لإجراءات إسرائيلية لا تقود إلى الانسحاب، ولا تتيح للدولة اللبنانية تحقيق تقدم فعلي.
أما بالنسبة إلى “إسرائيل”، فقد يصبح هامش الاعتراض داخل الكونغرس أوسع، ولا سيما إذا استمرت الضربات الإسرائيلية والاحتفاظ بمواقع داخل الأراضي اللبنانية، من دون جدول واضح للانسحاب أو تقدم في ترتيبات وقف النار. وقد يزداد الضغط على الإدارة لتوضيح ما إذا كانت واشنطن تتعامل مع الانسحاب باعتباره التزاماً أساسياً في الاتفاق، أم أنها تقبل عملياً بتحويل الوجود العسكري الإسرائيلي إلى ورقة ضغط مفتوحة على الدولة اللبنانية.
لكن الرهان على أن الكونغرس الديمقراطي سيجبر ترامب على انتزاع تنازلات من نتنياهو يبقى مبالغاً فيه. فالرئيس الأميركي لا يزال يملك القرار التنفيذي في إدارة العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية، كما أن الديمقراطيين أنفسهم ليسوا كتلة موحدة في مقاربة العلاقة مع “إسرائيل”. والأرجح أن يتسع هامش المساءلة والاعتراض، من دون أن يتحول ذلك بالضرورة إلى تغيير فوري في الموقف الأميركي.
على المستوى اللبناني الداخلي، قد تكون التداعيات أكثر تعقيداً. ففوز الديمقراطيين لا يغيّر موازين القوى النيابية اللبنانية، ولا يحسم الخلاف حول سلاح “حزب الله”، لكنه قد يؤثر في حسابات الأطراف اللبنانية التي تربط مواقفها بمستوى الدعم الأميركي أو بمدى تشدد واشنطن. وقد تجد السلطة نفسها أمام فرصة لإعادة طرح مقاربة تقوم على استعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي وتعزيز الجيش، بدلاً من حصر النقاش في تنفيذ الشق المتعلق بالسلاح، فيما يبقى الاحتلال قائماً والاعتداءات مستمرة.
وفي المقابل، قد يعتبر “حزب الله” أن تراجع موقع ترامب الداخلي يضعف قدرة الإدارة على فرض شروطها، ويمنحه هامشاً إضافياً للتمسك بموقفه الرافض للاتفاق. لكن هذا الرهان لا يخلو من مخاطر، لأن تراجع نفوذ الرئيس في الداخل الأميركي لا يعني بالضرورة تراجع الضغط على الحزب، ولا يضمن أن تكون الإدارة الجديدة في الكونغرس أقل تشدداً حيال النفوذ الإيراني أو شبكات تمويله في لبنان.
كما أن أي محاولة لتحويل التباين الأميركي الداخلي إلى فرصة لتجميد الاستحقاقات اللبنانية قد تعيد إنتاج الانقسام بين القوى السياسية، بدلاً من أن تساعد على بلورة موقف وطني موحد. فالمشكلة لا تكمن فقط في الشروط الأميركية والإسرائيلية، بل أيضاً في غياب توافق لبناني على كيفية استعادة سلطة الدولة، وعلى حدود مسؤوليات الجيش، وعلى العلاقة بين الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح. ومن دون هذا التوافق، سيبقى البلد عرضة للتجاذب بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل.
وثمة عامل إضافي لا يقل أهمية، يتمثل في مستقبل قوات “اليونيفيل”. فقرار مجلس الأمن يقضي بانتهاء ولايتها في 31 كانون الأول المقبل، على أن تبدأ عملية سحبها المنظم خلال عام 2027. وهذا يعني أن الجنوب مقبل على مرحلة انتقالية حساسة، في وقت لا تزال فيه الأراضي اللبنانية تشهد احتلالاً عسكرياً إسرائيلياً، وعمليات قصف وتوغلات، فيما لم تُحسم بعد ترتيبات بديلة للرقابة الدولية ومواكبة انتشار الجيش.
ويكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة في ضوء مطالبة لبنان باستمرار دور دولي في الجنوب، مقابل اعتراض “إسرائيل” على تجديد مهمة “اليونيفيل” أو إنشاء قوة بديلة بالصيغة نفسها. وإذا لم تتوافر صيغة انتقالية واضحة، فقد تجد الدولة والجيش نفسيهما أمام مسؤوليات أمنية أكبر، من دون ضمان توافر الإمكانات والغطاء الدولي اللازمين، وفي ظل استمرار الخلاف الداخلي على السلاح.
أما العامل الإقليمي، فيبقى حاضراً بقوة. فالحرب على إيران، وما أظهرته الانتخابات الأميركية من كلفة سياسية داخلية على ترامب، قد يدفعان الإدارة إلى البحث عن تسويات تخفف أعباء المواجهة، أو إلى تشديد الضغط على طهران وحلفائها لتحسين شروط التفاوض. وفي الحالتين، يصعب فصل المسار اللبناني عن التفاهمات الأوسع بين واشنطن وطهران، حتى لو كان “اتفاق الإطار” قد طُرح رسمياً باعتباره مساراً مستقلاً بين لبنان و”إسرائيل”.
لكن لبنان ليس مجرد ورقة في التفاوض الأميركي ـ الإيراني، كما أنه ليس تفصيلاً يمكن حسمه من خلال تفاهمات بين واشنطن وتل أبيب. فاستمرار الاحتلال والاعتداءات، وتعثر انتشار الجيش، والخلاف على السلاح، كلها مسائل تتصل مباشرة بالسيادة اللبنانية وبالتوازن الداخلي، ولا يمكن تجاوزها من دون معالجة متزامنة لهذه العناصر.
لذلك، لا يبدو أن “اتفاق الإطار” قد طار مع هزيمة “الفيل” وفوز “الحمار”، لكنه دخل مرحلة أكثر تعقيداً. فالنتائج الأميركية قد تضع قيوداً إضافية على إدارة ترامب، وتفتح مجالاً أوسع لمساءلة السياسة الإسرائيلية، لكنها لا تلغي جوهر الشروط التي قام عليها الاتفاق، ولا تحل العقد اللبنانية التي حالت دون تنفيذه. وبين كونغرس جديد يبدأ ولايته في كانون الثاني، وإدارة أميركية لا تزال تمسك بالقرار التنفيذي، وجنوب لبناني لم يستعد سيادته وأمنه، يبقى مصير الاتفاق مرتبطاً بما ستفعله الأطراف على الأرض، لا بما أفرزته صناديق الاقتراع وحدها.


