لم يتبدّد القلق اللبناني حيال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الغموض الإقليمي وغياب التطمينات الدولية بشأن تداعيات المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، التي لا تزال تتأرجح بين العودة إلى الحرب والذهاب نحو تسوية.
وفي موازاة ذلك، لم تحسم الانتخابات الإسرائيلية المشهد السياسي في تل أبيب، بل أدخلت كيان الاحتلال الإسرائيلي في مأزق حكومي قد يطيل حالة الشلل، فيما بقيت السياسة الأمنية والعسكرية تجاه لبنان والمنطقة موضع إجماع بين المعسكرات المتنافسة، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبلة.
وتزداد المخاوف اللبنانية من أن يتحوّل هذا الانسداد السياسي في “إسرائيل” إلى عامل ضغط ميداني، سواء عبر توسيع العمليات العسكرية في الجنوب أو تكريس واقع أمني جديد تحت عنوان المنطقة العازلة. ولا تستبعد أوساط سياسية أن يلجأ بنيامين نتنياهو، في ظل تعقيدات تشكيل الحكومة وحساباته الداخلية، إلى التصعيد على جبهات لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، سعياً إلى فرض وقائع جديدة وتحسين موقعه السياسي، ولا سيما إذا حصل على ضوء أخضر أميركي. وفي هذا السياق، حذّرت مجلة “ناشيونال إنترست” الأميركية من احتمال تحوّل الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب لبنان إلى احتلال طويل الأمد، مستحضرة تجربة الاحتلال بين عامي 1982 و2000، ولكن في ظروف إقليمية أكثر تعقيداً.
ولا يملك لبنان ترف انتظار اتضاح صورة الحكم في “إسرائيل” قبل تحديد خياراته، إذ إن تبدّل رئيس الحكومة، إذا حصل، لا يعني بالضرورة تغيير المقاربة الأمنية تجاهه. فالمواقف الإسرائيلية، بما فيها مواقف زعيم المعارضة غادي آيزنكوت، لا تزال تركز على منع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ”حزب الله”، فيما يرفض الحزب ربط ملف سلاحه بأي ترتيبات أمنية ما دام الاحتلال والاعتداءات مستمرين. وبين هذين الموقفين، يبقى لبنان عالقاً بين احتمالات الحرب والتسوية، فيما يدفع الجنوب وسكانه ثمن استمرار الاعتداءات وتعثر العودة والإعمار واستعادة الاستقرار.
على المستوى التفاوضي، لم تسفر اجتماعات تامبا الأخيرة، التي عُقدت يومي 20 و21 تشرين الأول، عن أي اختراق يُذكر، رغم تمسّك لبنان بالحلول الدبلوماسية واستعداده لمواصلة المفاوضات. وقد بقيت الخلافات الأساسية قائمة حول وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، وآلية التحقق من الإجراءات الأمنية، ودور الجيش اللبناني في المرحلة المقبلة.
وفي هذا الإطار، برز خلاف أكثر خطورة حول التصور الأميركي للترتيبات الأمنية بعد انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل”. فبحسب معلومات متداولة، كان رئيس لجنة الميكانيزم الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، قد وعد بتشكيل لجنة عسكرية دولية تتولى التحقق من الإجراءات التي ينفذها الجيش اللبناني، قبل أن يعود ويطرح الاستغناء عن الوجود العسكري الدولي والانتقال إلى ترتيبات ثنائية تتضمن دوريات مشتركة إسرائيلية ـ لبنانية داخل المنطقة المعروفة بـ”الخط الأصفر”.
ويثير هذا الطرح رفضاً لبنانياً واضحاً، إذ تعتبر قيادة الجيش أن إشراك جيش الاحتلال الإسرائيلي في دوريات ميدانية داخل الأراضي اللبنانية يمنحه دوراً مباشراً في مراقبتها، ويستبدل بآلية الفصل والتحقق الدولية شراكة أمنية مع قوة تحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية. كما تبرز مخاوف من أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى حدود أمنية طويلة الأمد تكرّس الاحتلال وتمنحه غطاءً عملياً. ولذلك، يستعد لبنان لتأكيد رفضه أي شراكة ميدانية من هذا النوع، والتمسك بوساطة أميركية وطرف ثالث يتولى التحقق من الالتزامات المتبادلة، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات.
وتتضاعف حساسية هذا الملف مع اقتراب انتهاء ولاية “اليونيفيل”، التي يبدأ انسحابها التدريجي من الجنوب نهاية العام الحالي، على أن يُستكمل خلال الأشهر الأولى من العام المقبل. وفيما تسعى بيروت إلى تأمين صيغة تسمح ببقاء القوات الدولية خلال فترة الانسحاب للقيام بمهمات ميدانية، تصطدم هذه المساعي بمعارضة أميركية لأي وجود أممي مستقبلي في الجنوب، مقابل تريث أوروبي في انتظار بلورة آلية بديلة، وسط بحث أفكار وصيغ استثنائية، من بينها الاستفادة من نماذج تاريخية كـ”الحل الإيرلندي” في معالجة ملف نزع السلاح.
ولا تقتصر المخاوف اللبنانية على مستقبل الترتيبات الأمنية، بل تمتد إلى احتمال بقاء الجنوب مكشوفاً أمام الوقائع التي قد تفرضها “إسرائيل”، في ظل غياب قوة دولية قادرة على أداء دور الفصل والتحقق. وقد حذّرت مجلة “ناشيونال إنترست” من أن تعثر المفاوضات وعدم ممارسة واشنطن ضغوطاً كافية على تل أبيب قد يفتحان الباب أمام تكريس وجود عسكري إسرائيلي مفتوح، بما يجعل الانسحاب أكثر تعقيداً مع مرور الوقت.
في المقابل، يواجه لبنان ضغوطاً أميركية متزايدة في ملف سلاح “حزب الله”، إذ وصلت إلى المسؤولين رسائل تحذّر من تداعيات المماطلة في تنفيذ قرارات حصر السلاح، وتتوعّد بفرض عقوبات على الجهات السياسية والقضائية والأمنية التي تعرقل هذا المسار، فضلاً عن مواصلة استهداف شبكات تمويل الحزب. كما تلقى المسؤولون تحذيرات من مخاطر انخراط لبنان في أي مواجهة إقليمية جديدة، قد تتجاوز في حجمها وتداعياتها ما شهده في الحربين الأخيرتين.
وفي الداخل، يتصاعد الخلاف حول كيفية مقاربة هذا الملف، بين قوى تطالب بالإسراع في تنفيذ قرارات حصر السلاح والتشدد في فرضها، ورئاسة الجمهورية والحكومة اللتين تتمسكان بالحوار وتجنب نقل المواجهة إلى الداخل. ويزداد الموقف تعقيداً مع عدم حصول الدولة على ضمانات من “حزب الله” بعدم الانخراط في أي حرب محتملة، في مقابل غياب ضمانات دولية تمنع “إسرائيل” من توسيع عملياتها العسكرية. وهو ما يجعل هامش المناورة أمام السلطة الرسمية أكثر ضيقاً، ويضعها أمام معادلة شديدة الصعوبة بين الضغوط الخارجية ومخاطر الانقسام الداخلي.
وتبدو الإدارة الأميركية حتى الآن حريصة على إبقاء مسار التفاوض قائماً من دون تحقيق تقدم فعلي في مضمونه، فيما تنتظر المنطقة اتضاح نتائج الاتصالات الأميركية ـ الإيرانية، ومصير الانتخابات النصفية الأميركية، وما إذا كانت واشنطن ستتجه إلى مواجهة عسكرية جديدة مع طهران أو إلى تسوية. وفي هذا السياق، تزداد المخاوف من أن تتحول الساحة اللبنانية إلى إحدى ساحات تصفية الحسابات الإقليمية، سواء ارتبط التصعيد بالمواجهة مع إيران أو بحسابات إسرائيل الأمنية والسياسية.
هكذا يقف لبنان أمام أشهر من الانتظار المعقد، تتداخل فيها أزمة الحكم في “إسرائيل”، ومآلات المواجهة الأميركية ـ الإيرانية، ومستقبل القوات الدولية في الجنوب، ومصير المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية. لكن الرهان على تبدّل الأسماء في تل أبيب أو انتظار انقشاع الصورة الإقليمية، لا يكفي لحماية المصالح اللبنانية. فالمطلوب هو تثبيت مرجعية الدولة في أي مسار تفاوضي، وعدم القبول بترتيبات أمنية تنتقص من السيادة أو تحوّل الاحتلال إلى أمر واقع دائم، وربط أي تفاهمات بضمانات واضحة لوقف الاعتداءات والانسحاب وعودة الأهالي.


