قبل أيام من زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى طرابلس، كانت وقعت سلسلة حوادث أمنية واشتباكات بي مسلّحين، داخل المدينة ومحطيها. حتى أنه سبقت الزيارة بساعات معدودة اشتباكات في بلدة علما، شرق طرابلس.
وقبل أيام من الزيارة، كانت أزمة النفايات قد انفجرت في طرابلس، بعد أن أصبح مكب النفايات في المدينة مهدّد بالإنفجار.
وقبل أيام من الزيارة، كانت شريحة من أبناء المدينة تشعر بالظلم بسبب قرار المجلس الدستوري الطعن بقانون العفو العام، علماً أن عدداً كبيراً من أبناء المدينة يقبع في السجون منذ سنوات من دون محاكمات.
وقبل أيام من الزيارة أيضاً، كانت وزارة التربية تقفل ثانوية رسمية لطالما كانت من أبرز المعالم التربوية في المدينة.
وعلى الأرجح أن موكب رئيس الجمهورية الذي سلك الأوتوستراد الساحلي إلى طرابلس، قد اكتشف أن هذا الأوتوستراد قد جرى تأهيله وتخطيطه ووضع مسامير الإضاءة وصولاً إلى البترون فقط، وجرى “ترقيع” بعض الحفر بصورة سيئة في المسافة المتبقية من وإلى طرابلس.
قبل أيام وأسابيع وأشهر وسنوات، كانت المدينة تئن من حرمان مزمن، وأزمة اجتماعية ومعيشية حادة، وانعدام فرص العمل، وتفشّي المخدرات، وانتشار السلاح… وأبنية تسقط على رؤوس ساكنيها.
هذه هي طرابلس التي استقبلت رئيس الجمهورية. مدينة لا ينقصها تعداد أزماتها، ولا تذكيرها بما تعانيه، بقدر ما تحتاج إلى دولة تضع حداً لهذا التراكم المزمن من الإهمال، وتحوّل الوعود إلى قرارات ونتائج ملموسة.
صحيح أنه لم تكن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى طرابلس حدثاً عادياً، ليس لأنها المرة الأولى التي يزور فيها رئيس للجمهورية المدينة منذ سنوات طويلة فحسب، بل لأن طرابلس التي استقبلته هي نفسها التي تنتظر منذ عقود أن تخرج من دائرة الإهمال والتهميش، وأن تتحول من مدينة تختزن إمكانات اقتصادية وبشرية كبيرة، إلى مدينة تستثمر هذه الإمكانات في التنمية وفرص العمل وتحسين مستوى معيشة أبنائها.
ومن هذا المنطلق، لا يكفي النظر إلى الزيارة من زاوية الترحيب الرسمي والشعبي، أو من خلال العناوين التي حملتها كلمات الرئيس، بل ينبغي طرح السؤال الأساسي: ماذا أراد رئيس الجمهورية من زيارته، وماذا كان يحمل معه لطرابلس، وما الذي يمكن أن يتغير في واقعها بعد مغادرته؟
من حق رئيس الجمهورية، بل من واجبه، أن يزور جميع المناطق اللبنانية، وأن يتفقد أحوال المواطنين فيها، وأن يستمع إلى مطالبهم ومشكلاتهم. فالرئيس ليس رئيس منطقة دون أخرى، ولا يجوز أن تبقى بعض المناطق خارج جدول اهتمام رئاسة الجمهورية، أو أن يرتبط حضور الدولة فيها بظروف سياسية وأمنية استثنائية.
لكن هذه القاعدة، على بداهتها، لا تعفي الزيارة الرئاسية من المساءلة عن مضمونها ونتائجها. فثمة فارق بين زيارة تؤكد حضور الدولة رمزياً، وزيارة تستثمر هذا الحضور في إطلاق مسار عملي لمعالجة الأزمات المتراكمة.
وقد جاء الرئيس عون إلى طرابلس حاملاً خطاباً واضحاً عن إنهاء زمن التهميش والحرمان، وعن استعادة الثقة بين الدولة والمواطن، وعن ضرورة توفير الأمن والخدمات وفرص العمل. وهي عناوين لا يختلف اثنان على أهميتها، لكنها ليست جديدة على مسامع الطرابلسيين. فقد سمعوا ما يشبهها من مسؤولين تعاقبوا على السلطة، فيما بقيت مشكلاتهم الأساسية تنتظر المعالجة.
وعندما يقول رئيس الجمهورية إن زمن التهميش قد انتهى، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما المؤشرات العملية التي تسمح للطرابلسيين بالقول إن هذا الزمن انتهى فعلاً، وليس أنه انتهى في الخطاب السياسي فقط؟
طرابلس هي العاصمة الثانية للبنان، ولو بقيت هذه الصفة أقرب إلى التعبير الرمزي منها إلى واقع إداري واقتصادي متكامل. فالمدينة التي كانت مركزاً تجارياً وصناعياً وثقافياً بارزاً، والتي تمتلك مرفأً ومنطقة اقتصادية خاصة ومعرضاً دولياً ومؤسسات تعليمية وجامعية، لا تزال عاجزة عن تحويل هذه المقومات إلى نهضة تتناسب مع حجمها وموقعها.
ومن هنا، كان يفترض أن تتجاوز الزيارة الرئاسية حدود الاعتراف بأهمية طرابلس، إلى البحث في كيفية تفعيل موقعها الوطني والاقتصادي، وإعطائها دوراً يتناسب مع إمكاناتها.
فالعاصمة الثانية لا تُصنع بالألقاب، ولا تصبح كذلك بمجرد وصفها بأنها درّة لبنان أو قلب الشمال. إنها تحتاج إلى قرار سياسي وإنمائي يضعها على خريطة الاقتصاد الوطني، ويربط مرافقها الحيوية بخطة متكاملة للنقل والاستثمار والإنتاج والتصدير، ويعيد الاعتبار إلى دورها في الحياة الاقتصادية اللبنانية.
وكان يمكن لرئيس الجمهورية أن يجعل من زيارته مناسبة للإعلان عن خطوات محددة في هذا الاتجاه، أو عن تكليف مؤسسات الدولة وضع برنامج زمني واضح لتفعيل مرافق المدينة، بالتعاون مع الحكومة والهيئات المعنية.
في كلماته، أكد الرئيس عون أن طرابلس عانت طويلاً من إهمال الدولة، وأن الإنماء ليس منّة تمنحها السلطة للمواطنين، بل حق لهم وواجب على المؤسسات. كما تحدث عن مشاريع يُفترض أن تتيح فرص عمل لأبناء المدينة، وعن أهمية تطوير المرفأ والمنطقة الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي الدولي ضمن رؤية واحدة.
لكن المشكلة ليست في صحة هذه العناوين، بل في المسافة التي تفصلها عن التنفيذ.
فطرابلس لا تحتاج إلى من يكتشف أهمية مرفئها، أو يذكّر بقيمة معرضها الدولي، أو يعدد المقومات التي تمتلكها. هذه حقائق معروفة منذ سنوات طويلة، وقد حضرت في برامج انتخابية وخطط إنمائية ومواقف رسمية متعاقبة.
ما تحتاج إليه المدينة هو أن تعرف أي مشاريع ستنفذ، ومن سيموّلها، ومتى يبدأ التنفيذ، وما الجهات المسؤولة عن متابعته، وكيف ستنعكس نتائجه على حياة المواطنين.
كان يمكن، مثلاً، أن تترافق الزيارة مع الإعلان عن قرار محدد لتفعيل أحد المرافق الاقتصادية، أو عن جدول زمني لمعالجة عقبة تعترض الاستثمار فيه، أو عن برنامج لإطلاق مشاريع إنتاجية توفر فرص عمل للشباب. وليس ضرورياً أن يحمل رئيس الجمهورية معه حزمة إنجازات جاهزة، لكن كان يمكن أن يحمل قراراً واضحاً يضع إنجازات محددة على سكة التنفيذ.
أما تكرار الوعود من دون تحديد آليات تنفيذها، فيبقي المواطن أمام المعادلة نفسها: خطاب يبعث الأمل اليوم، وانتظار مفتوح إلى الغد.
شملت الجولة الرئاسية مؤسسات إدارية وأمنية وقضائية، إلى جانب المرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومعرض رشيد كرامي الدولي. لكن المحطات الاقتصادية التي يفترض أن تشكل مدخلاً إلى نهضة المدينة بقيت في إطار الاطلاع على واقع المرافق والتأكيد على أهميتها وضرورة تطويرها.
وهنا تكمن المسألة: هل كانت الزيارة جولة تفقدية هدفها إظهار اهتمام رئاسة الجمهورية بالمدينة، أم مناسبة لإطلاق مسار تنفيذي يعالج مشكلاتها، أو أنها زيارة شعبوية؟
فالاطلاع على أوضاع المرفأ لا يطوّر قدرته التشغيلية بحد ذاته، وزيارة المنطقة الاقتصادية لا تستقطب الاستثمارات تلقائياً، والوصول إلى معرض رشيد كرامي الدولي لا يعيد إليه دوره بمجرد التأكيد على أهميته.
تحتاج هذه المرافق إلى قرارات وإدارات فاعلة واستثمارات وبنية تحتية وتشريعات وإزالة للعقبات التي تحول دون استثمار طاقاتها. والأهم أن تعمل ضمن سياسة اقتصادية متكاملة، لا أن تبقى مشاريع منفصلة يتكرر الحديث عنها كلما زار مسؤول المدينة.
وقد أشار الرئيس عون إلى فرصة تطوير مرفأ طرابلس في ضوء إدراجه، مع مرفأ بيروت، ضمن إطار الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وهي فرصة تستحق المتابعة، لكن قيمتها بالنسبة إلى طرابلس ستتوقف على ما سيُنفذ من خطوات عملية، لا على مجرد الاحتفاء بإمكاناتها.
حملت الزيارة مشهداً احتفالياً ورسائل عاطفية مباشرة إلى أبناء المدينة، وتحدث الرئيس عن انتهاء زمن الحرمان والتهميش، مستخدماً عبارات تستحضر الذاكرة الطرابلسية وما تراكم فيها من شعور بالغبن.
ولا مشكلة في أن يخاطب رئيس الجمهورية المواطنين بلغتهم، أو أن يسعى إلى استعادة ثقتهم بالدولة. لكن الخطاب العاطفي، مهما كان مؤثراً، لا يمكن أن يكون بديلاً من السياسة العامة والقرارات التنفيذية.
ومن هنا، يمكن قراءة الشكل الاحتفالي للزيارة بوصفه جزءاً من محاولة إعادة بناء الثقة وإظهار حضور الدولة، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً عن الحصيلة العملية التي خرجت بها المدينة. فإذا انتهت الزيارة بانطباع إيجابي وصور ومواقف ووعود، من دون أن تتبعها خطوات قابلة للقياس، فإن أثرها سيبقى محدوداً، مهما كانت أهمية الرسائل التي حملتها، بل وربما ينقلب سلباً.
ولا يتوقف الأمر عند رئيس الجمهورية وحده. فالمسؤولية التنفيذية عن معظم الملفات الإنمائية تقع أيضاً على الحكومة والوزارات والإدارات المعنية. لكن موقع الرئيس الدستوري والرمزي يتيح له الدفع نحو تحديد الأولويات، وجمع المؤسسات المعنية حول خطة واضحة، ومتابعة التزامات الدولة تجاه مدينة تقول السلطة نفسها إنها عانت طويلاً من الإهمال.
ركز الرئيس عون في محطات من زيارته على الأمن ومكافحة الفساد واستقلال القضاء، داعياً الأجهزة الأمنية والقضاة إلى القيام بواجباتهم بعيداً عن الضغوط. وهي مسائل أساسية، ولا سيما في مدينة عانت من جولات العنف ومن تداعيات ضعف مؤسسات الدولة.
لكن مقاربة واقع طرابلس لا تكتمل بالنظر إليها من زاوية أمنية أو قضائية وحدها. فالاستقرار المستدام يحتاج إلى دولة تحمي المواطنين، لكنه يحتاج أيضاً إلى دولة توفر لهم فرص العمل والتعليم والاستشفاء والسكن اللائق والخدمات الأساسية.
ولا يجوز أن يتحول الحديث عن الأمن إلى بديل من البحث في أسباب الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل قطاعات واسعة من السكان تعيش تحت ضغط الفقر والبطالة وانعدام الفرص.
كذلك، فإن الدعوة إلى مكافحة الفساد لا تكتمل إلا بإصلاح الإدارة وتعزيز الشفافية والمساءلة، ومحاسبة المسؤولين عن تعطيل المشاريع أو هدر الموارد، حيث تثبت المخالفات وفق الأصول القانونية.
أما القضاء، فاستقلاله لا يُقاس فقط بالتوجيهات التي يتلقاها من المسؤولين، بل بقدرته الفعلية على تطبيق القانون على الجميع، من دون استثناء أو تدخل أو انتقائية.
قال الرئيس عون إنه جاء ليضع في صندوق بريد طرابلس رسالة عنوانها أنها درّة لبنان، وإن المدينة ليست على هامش الوطن، بل شريك أساسي في تاريخه وحاضره ومستقبله.
لكن طرابلس لا ينقصها الاعتراف بمكانتها، بقدر ما ينقصها أن تتحول هذه المكانة إلى سياسات وقرارات وموارد وفرص.
فالمدينة التي عانت من تراجع الصناعة، وضعف الاستثمار، وتردي الخدمات، والأزمات الاجتماعية، تحتاج إلى مقاربة تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها أجزاء من مشكلة واحدة. وهي تحتاج أيضاً إلى أن تكون شريكاً في صياغة خطتها الإنمائية، لا مجرد متلقٍّ لوعود تُطلق من فوق المنابر.
وإذا كان الرئيس قد أكد أن المرفأ والمنطقة الاقتصادية والمعرض يجب أن تعمل ضمن رؤية واحدة، فإن هذه الفكرة يمكن أن تكون نقطة انطلاق جدية، شرط أن تتحول إلى خطة معلنة، ذات أولويات ومسؤوليات ومهل تنفيذ ومؤشرات لقياس النتائج.
فهل تتولى الدولة وضع هذه الخطة؟ وهل تلتزم الحكومة بمتابعتها؟ وهل تُشرك الهيئات المحلية والاقتصادية والجامعات وممثلي المجتمع في تحديد حاجات المدينة؟ أم تبقى الرؤية في حدود خطاب رئاسي ينتهي بانتهاء الزيارة؟
لا يصح اختزال زيارة رئيس الجمهورية إلى طرابلس في مشهد شعبي أو في عدد المحطات التي شملتها. كما لا يصح الحكم على نتائجها النهائية قبل معرفة ما إذا كانت ستتبعها قرارات ومشاريع فعلية. فالزيارة قد تكون بداية لمسار إيجابي، لكن ذلك يتوقف على ما سيأتي بعدها.
ومع ذلك، فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم تقييمها واضح: ليس عدد الكلمات التي قيلت عن الحرمان، بل مقدار ما ستنجح الدولة في تغييره من واقع الحرمان؛ وليس عدد المرات التي جرى فيها التأكيد على أهمية طرابلس، بل مقدار ما ستمنحه الدولة للمدينة من فرص وقدرات وموارد تتيح لها استعادة دورها.
طرابلس لا تطلب امتيازاً على حساب المناطق اللبنانية الأخرى، ولا تنتظر من الدولة منّة أو إحساناً. إنها تطالب بحقها في الإنماء المتوازن، وفي أن تستثمر الدولة مقوماتها بدل أن تتركها معطلة، وأن تتيح لأبنائها فرصاً داخل مدينتهم بدل أن تدفعهم الظروف إلى البحث عنها خارجها.
أما رئيس الجمهورية، فقد أدى بزيارته واجب التواصل مع المدينة وإظهار الاهتمام بها. ويبقى التحدي في أن يتحول هذا التواصل إلى التزام مؤسسي، وأن تنتقل الوعود من الخطاب إلى التنفيذ.
عندها فقط، يمكن القول إن طرابلس لم تستقبل رئيس الجمهورية فحسب، بل بدأت تستقبل الدولة التي انتظرتها طويلاً.


