الرئيسيةSliderعون في النبطية: خطوة شعبوية.. أم إعادة تموضع؟

عون في النبطية: خطوة شعبوية.. أم إعادة تموضع؟

| خلود شحادة |

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى النبطية وزوطر الغربية مجرد جولة ميدانية على مناطق الجنوب، ولا يمكن فصلها عن المناخ السياسي الذي تأتي فيه. فالرئيس الذي دخل قصر بعبدا حاملاً عناوين كثيرة عن قدرة الدولة على استعادة زمام المبادرة، وحول دور الاتصالات الدولية والضمانات الأميركية في وقف الاعتداءات وإلزام “إسرائيل” بالانسحاب، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تماماً. العدوان مستمر، والاحتلال لم ينتهِ، بل إن رقعته اتسعت، فيما لا يزال الجنوبيون ينتظرون ترجمة الوعود إلى وقائع.

وفي ظل اتساع الهوة بين الوعود للجنوبيين وبين وما يعيشونه في الواقع، من قصف واحتلال ومجازر وقتل واستهدافات، ما زال الحديث عن الانسحاب وعودة الأهالي وإعادة الإعمار حاضراً في خطاب الرئاسة، أما على أرض الواقع.. لا شيء سوى آثار الدمار!

في النبطية، قال عون إن “صمود أبناء الجنوب عموماً والنبطية خصوصاً أكبر وسام على صدرنا، وإن بقاءهم في أرضهم رغم الحرب رسالة إلى العالم بأن هذا المجتمع قادر على النهوض مجدداً”. وتحدث عن ضرورة “ختم جرح الجنوب مرة، وعن حق الجنوبي في أن يعيش بأمان ويبني منزله مطمئناً إلى أنه لن يهدم ولن يدمر”.

لكن المشكلة أن الجنوبيين لا يحتاجون اليوم إلى من يصف صمودهم ويمجده، هم بحاجة لمن ينهي حاجتهم لهذا الصمود. هم بحاجة إلى إجابات عن مصير هذا الصمود. هل توقفت الاعتداءات؟ هل انتهى الاحتلال؟ هل بدأ مسار إعادة الإعمار؟ وهل استطاعت الدولة فعلاً أن تفرض المعادلة التي وُعد بها الجنوبيون؟

بطبيعة الحال، لا جواب واقعي، وكل ما يقال لا يغدو كونه كلاماً معسولاً لا يغير في الواقع شيئاً.

ولهذا تحديداً، يمكن قراءة نزول عون إلى الشارع الجنوبي باعتباره محاولة سياسية لاحتواء حالة متنامية من خيبة الأمل، وتخوّف من انفجار الشارع الشيعي بطريقة يعجز حتى الثنائي الشيعي على لململتها.

الرئيس ذهب إلى الناس، دخل سوق النبطية، استمع إلى مطالبهم، التقط عباراتهم المباشرة، وقال لهم إن الدولة إلى جانبهم ولن تتركهم.

وعندما يضطر رئيس الجمهورية إلى النزول شخصياً إلى الأسواق والبلدات ليؤكد أنه موجود إلى جانب الناس، فهذا يعني أن هناك حاجة إلى إعادة تثبيت هذه العلاقة، لا سيما أن الوعود السياسية التي رافقت المرحلة السابقة لم تُترجم إلى نتائج ملموسة.

والأكثر دلالة أن عون لم يذهب وحده. اصطحب معه قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية، وكأن الزيارة أرادت أن تقول إن الدولة بمؤسساتها الأمنية والعسكرية حاضرة في الجنوب. لكن حتى هذه الرسالة تصطدم بسؤال أكثر صعوبة: ما قيمة حضور الدولة إذا كانت عاجزة عن وقف الاعتداءات ومنع التوسع الإسرائيلي؟ خصوصاً، أنه ومع انتهاء زيارة عون إلى النبطية، شن العدو الإسرائيلي غارة قوية استهدفت كفررمان. وتلك أيضاً يمكن أن تفسر أنها رسالة من “إسرائيل” إلى الدولة اللبنانية برمزية أعلى هرمها.

راهن الرئيس عون على قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على “إسرائيل”، مستنداً إلى “صديقه” دونالد ترامب الذي يمكن أن يقدم ضمانات تساعد في تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام الانسحاب وإعادة الانتشار وعودة الأهالي وإعادة الإعمار، إلا أن صداقته لم تمكّنه من تحقيق أي هدف، واستمر العدوان الإسرائيلي على الجنوب، مع توسيع رقعة الاحتلال بشكل مضاعف عن الحرب السابقة، مع تحييد الضاحية وبيروت.

هل ثمة رسالة اميركية وصلت إلى بعبدا نقلها السفير ميشال عيسى تقول إن واشنطن تملّصت من دورها؟

لا توجد معطيات علنية تسمح بالجزم بذلك، لكن التحرك المباغت اليوم لعون، بعد تصريح رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أعرب فيه عن تشاؤمه معتبراً أن “اتفاق الإطار طار”، مساران لا يمكن فصلهما عن بعضهما، فبري الذي كان يقول “خلينا نشوف شو رح يعملو”، يقول اليوم إن الاتفاق طار، معنى ذلك أن ثمة ذبذبات صريحة وصلته مغذاها أن على لبنان أن “يقبّع شوكه بايديه”.

فهل بدأت السلطة السياسية تتعامل مع احتمال أن الرهانات التي بُنيت عليها المرحلة السابقة لم تعد مضمونة؟ هل هناك تغيير في موقف رئيس الجمهورية، خصوصاً إذا ربطنا هذه الزيارة بالموقف من مفاوضات روما؟

إذا كان الجواب نعم، فإن زيارة عون تصبح محاولة لامتصاص نتائج هذا التحول قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة مفتوحة مع أبناء الجنوب. فالرئيس لا يستطيع أن يقدم للجنوبيين اليوم إنجازاً ميدانياً. الاحتلال مستمر، والاعتداءات مستمرة، والقرى المدمرة لا تزال تنتظر إعادة إعمارها. لذلك، يبقى المتاح أمامه هو الحضور السياسي والشعبي، والتأكيد على أن الدولة ترى الجنوب وتتابع أوضاعه، وأنها لن تتخلى عن أهله.

لكن المشكلة أن الصور والزيارات لا تستطيع وحدها معالجة الفجوة بين الخطاب والواقع، فحين يتفقد عون موقع استشهاد 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة، ويرى مباني الدولة المدمرة، ويمر في سوق النبطية، ويزور المستشفى الحكومي الذي استمر بالعمل رغم القصف، ثم يصل إلى زوطر الغربية ويرى بنفسه مواقع جيش الاحتلال الإسرائيلي في زوطر الشرقية، فإن المشهد الذي يخرج به لا يحتاج إلى كثير من الشرح،  الجنوب لا يزال في قلب الحرب، حتى لو كانت هناك تفاهمات واتفاقات ومسارات تفاوضية يفترض أنها أنهت مرحلة من التصعيد.

وهذا تحديداً ما يجعل زيارة عون قابلة لأن تُقرأ كنوع من “الترقيع السياسي” أمام أهل الجنوب. ليس بمعنى أن الزيارة بلا قيمة، أو أن حضور رئيس الجمهورية إلى المنطقة لا أهمية له، بل بمعنى أن الحضور وحده لا يعوّض غياب النتائج. فمن وُعد بالانسحاب يريد أن يرى الانسحاب، ومن وُعد بالأمان يريد أن يعيش بأمان، ومن انتظر إعادة الإعمار يريد أن يرى ورش الإعمار، ومن بقي في أرضه يريد أن يعرف إلى متى سيبقى مهدداً فيها.

أما القول إن الدولة “لن تتركهم”، فيحتاج هو الآخر إلى ترجمة عملية.

فالجنوبيون، الذين خبروا الحرب لعقود، ليسوا بحاجة إلى خطاب عن الصمود بقدر حاجتهم إلى نهاية فعلية للحرب. وعندما يقول عون إن أبناء الجنوب عانوا منذ عام 1969 ويسأل ما إذا كان يجب أن يرث أبناؤهم الحرب، فهو يطرح السؤال الصحيح، لكن الإجابة لا تكون بالخطاب وحده. إذا كان المطلوب فعلاً ألا يرث الجنوبيون الحرب، فعلى الدولة أن تكون قادرة على إنهاء الظروف التي تعيد إنتاجها، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.

لذلك، قد تكون زيارة عون محاولة لشراء بعض الوقت سياسياً، وامتصاص بعض الغضب، وإعادة فتح قنوات مباشرة مع بيئة جنوبية تشعر بأن الدولة مطالبة بأن تفعل أكثر بكثير مما فعلته حتى الآن. وقد تكون في الوقت نفسه رسالة إلى الأميركيين وغيرهم بأن استمرار الوضع الحالي لا يمكن أن يصبح أمراً طبيعياً بالنسبة إلى لبنان.

شريط الأحداث