الرئيسيةSliderالعفو العام: اختلاف التفسير.. يظلم الموقوفين ويُربك الأسير!

العفو العام: اختلاف التفسير.. يظلم الموقوفين ويُربك الأسير!

لم يكن يفترض أن يتحوّل قانون العفو العام إلى أزمة جديدة تتشابك فيها الاعتبارات القضائية والسياسية والطائفية، بعدما أُقرّ أساساً لمعالجة ملفات سجنية شائكة وإنهاء معاناة فئات من الموقوفين والمحكومين. لكن الغموض الذي يحيط ببعض أحكامه، والتباين في تفسيرها وتطبيقها، أعادا فتح باب الخلاف بين المؤسسات، وطرحا سؤالاً يتجاوز مصير السجناء إلى مدى احترام القرارات الدستورية وحدود صلاحيات الجهات المعنية بتنفيذها.

فقرار المجلس الدستوري الذي رفض إبطال قانون العفو برمّته، وأبطل بعض عباراته مع اعتماد تفسيرات ملزمة لأحكام أخرى، لم ينهِ الجدل، بل نقل المواجهة إلى مرحلة التطبيق. وبرز الخلاف خصوصاً حول نطاق المستفيدين من العفو في قضايا المخدرات، وكيفية احتساب مدد العقوبات في أحكام الإعدام التي استُبدلت بها عقوبات الأشغال الشاقة المؤبّدة.

في الملف الأول، يتمحور النزاع حول تفسير شرط عدم استفادة مرتكبي جنايات التكرار أكثر من مرتين من العفو، وما إذا كان تطبيقه يستوجب الأخذ بالأحكام المبرمة وحدها، أم يشمل أيضاً الملاحقات القضائية التي لا تزال جارية. وقد أدى اختلاف التفسير إلى تباين في تحديد الفئات المشمولة بالعفو، بما ينعكس مباشرة على قرارات إخلاء السبيل.

أما الملف الثاني، فيتصل بالتداخل بين الأحكام المتعلقة باستبدال عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبّدة، وأحكام قانون العفو التي حدّدت مدد السجن بـ28 سنة للمحكومين بالإعدام و17 سنة للمحكومين بالأشغال الشاقة المؤبّدة.

وقد اتخذ الخلاف بعداً إضافياً مع دخول المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج على خط تفسير آليات تطبيق القانون، واستناده إلى اجتهاد قانوني يختلف في بعض نتائجه عن القراءة المنسوبة إلى المجلس الدستوري. وأثار ذلك اعتراضات وتساؤلات بشأن مدى جواز اعتماد تفسير تنفيذي يؤدي إلى نتائج مغايرة لما خلصت إليه الهيئة الدستورية، ولا سيما أن قرارات المجلس الدستوري نهائية وملزمة.

في المقابل، يرفض عدد من النواب المعترضين على قرار المجلس ما يعتبرونه تضييقاً لنطاق العفو وتدخلاً في صلاحيات السلطة التشريعية، ويرون أن بعض التفسيرات تحرم موقوفين أمضوا سنوات طويلة في السجن من الاستفادة من القانون. لكن هذه الاعتراضات، مهما كانت مبرراتها، لا تحسم بذاتها الخلاف القانوني، كما أن احترام صلاحيات مجلس النواب لا يلغي إلزامية القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري ضمن اختصاصه.

وتتجاوز المسألة، بالتالي، السجال حول الجهة التي تملك التفسير الأصح، إلى ضرورة إيجاد آلية مؤسساتية تمنع اختلاف تطبيق القانون بين المحاكم والنيابات العامة، وتحول دون تفاوت المعاملة بين أشخاص تتشابه أوضاعهم القانونية. فليس من المقبول أن يتوقف مصير الموقوف أو المحكوم على اختلاف الاجتهادات الإدارية أو القضائية، من دون مرجعية واضحة تحسم كيفية تطبيق النص.

ويكتسب ملف الشيخ أحمد الأسير أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما أثار التفسير الذي تبنّاه الحاج بشأن التمييز بين أحكام الإعدام المبرمة وغير المبرمة احتمال احتساب مدة محكوميته على أساس 17 سنة بدلاً من 28 سنة. وبحسب المعلومات المتداولة، قد يفتح ذلك الباب أمام تقليص مدة سجنه، لكن الإفراج عنه لا يزال مرتبطاً بالقرار القضائي المختص، وبطبيعة الحكم النهائي وكيفية احتساب مدة التوقيف. ومن هنا، ينبغي التمييز بين اجتهاد قد يتيح مراجعة احتساب العقوبة، وبين نتيجة قضائية نهائية لم تصدر بعد.

وفي موازاة ذلك، لا يجوز إغفال الأوضاع الإنسانية للموقوفين الذين ينتظرون محاكماتهم منذ سنوات، إذ إن معالجة هذه الحالات لا تستلزم تجاوز الأصول القانونية، بل تفرض تسريع المحاكمات والبت في طلبات إخلاء السبيل ضمن الأطر المعتمدة. فالتأخير في المحاكمة، حيث لا مبرر لاستمراره، يفاقم معاناة الموقوفين ويزيد انعدام الثقة بالعدالة، من دون أن يكون بديلاً عن تطبيق القانون على نحو سليم.

وفي ظل الاتصالات السياسية والقضائية الجارية للبحث عن مخرج، تبدو الحاجة ملحّة إلى فصل المعالجة القانونية عن التجاذبات الطائفية والحزبية التي رافقت القضية. فإقحام الانتماءات السياسية أو الطائفية في تحديد المستفيدين من العفو يهدد بتحويل قانون يفترض أن يعالج أوضاعاً قضائية محددة إلى مادة جديدة للانقسام، فيما المطلوب هو تطبيق معايير موحدة على جميع المعنيين.

وقد يكون من المفيد أن يبادر مجلس النواب، بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة وفي حدود الصلاحيات الدستورية لكل منها، إلى دراسة الثغرات التي كشفها التطبيق، وتحديد ما إذا كانت تستدعي تدخلاً تشريعياً جديداً يزيل الالتباس من دون المساس بقرارات المجلس الدستوري أو الالتفاف عليها. فالتوضيح التشريعي، حيث يكون جائزاً وضرورياً، يختلف عن محاولة تجاوز قرار دستوري ملزم عبر تعميم أو اجتهاد إداري.

شريط الأحداث