الرئيسيةسياسةالعفو العام بين المجلس الدستوري والنيابة العامة.. محاولة لتوحيد التفسير أم تثبيت...

العفو العام بين المجلس الدستوري والنيابة العامة.. محاولة لتوحيد التفسير أم تثبيت للمرجعية؟

لم يقتصر اللقاء الذي جمع اليوم مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، ورئيس المجلس الدستوري القاضي طنوس مشلب على تبديد الالتباسات التي رافقت قرار المجلس الدستوري بشأن الطعن بقانون العفو العام، بل بدا أنه يهدف إلى تثبيت أرضية مشتركة لكيفية تطبيق القانون، بعدما أثارت التفسيرات الصادرة عن المجلس نقاشاً حول حدود صلاحياته وعلاقة قراره بعمل النيابات العامة والمحاكم.

وفي وقت كان فيه الجدل يتجه نحو ما إذا كانت النيابة العامة ستلتزم بالتفسيرات التي أوردها المجلس الدستوري، جاءت المواقف الصادرة من منبر المجلس لتؤكد وجود مسار تنسيقي بين الجانبين، تُرجم عملياً بإعلان الحاج التحضير لإعداد ورقة مشتركة مع المجلس الدستوري، إلى جانب أوراق أخرى بالتعاون مع النيابات العامة في المناطق وقضاة التحقيق، على أن تُعرض لاحقاً على مجلس القضاء الأعلى لاعتمادها في التعامل القضائي مع قانون العفو.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كون الخلاف لم يكن محصوراً في مضمون قرار المجلس الدستوري، بل امتد إلى كيفية إسقاطه على الملفات القضائية، ولا سيما في ظل اعتماد القانون أوصافاً ومصطلحات عامة بدلاً من تحديد مواد قانونية بصورة مباشرة. وهو ما يفتح الباب أمام تباينات في فهم شروط الاستفادة من العفو أو تخفيض العقوبات، إذا لم تُعتمد آلية موحدة للتطبيق.

وكان الحاج قد أكد، في موقف سابق، أن الهدف من التعميم الموجّه إلى النيابات العامة هو منع الاستنسابية وتوحيد التعامل مع القانون، موضحاً أن المقصود ليس كسر قرار المجلس الدستوري، بل تصويب آلية التنفيذ بما ينسجم مع النص التشريعي. وفي المقابل، شدد مشلب على أن المجلس لم يتعدَّ على صلاحيات مجلس النواب، فيما أوضح الحاج أن المجلس فسّر مصطلحات مبهمة في القانون، وأن النيابة العامة التمييزية تلتزم بهذه التفسيرات باعتبارها، وفق موقفه، متوافقة مع النص التشريعي.

لكن إعداد أوراق مشتركة لا ينهي النقاش تلقائياً؛ إذ يبقى الاختبار الفعلي في مضمون هذه التوجيهات وحدودها، وفي مدى قدرتها على ضمان تطبيق متساوٍ للقانون بين مختلف المراجع القضائية. فالتنسيق بين المؤسسات قد يحدّ من تضارب الاجتهادات العملية، لكنه يفترض في الوقت نفسه احترام صلاحيات كل مرجع، وعدم تحويل آلية التنفيذ إلى مساحة لإضافة شروط أو استثناءات لا ينص عليها القانون.

تطرح هذه الخطوة تساؤلات تتجاوز عنوان توحيد العمل القضائي. فبدلاً من أن ينتهي الجدل إلى حسم واضح لحدود قرار المجلس الدستوري وانعكاساته القانونية، يجري الانتقال إلى إعداد أوراق مشتركة وتعميمات تحتاج بدورها إلى تفسير كيفية إلزاميتها وحدودها. وهنا يكمن جوهر الإشكالية، هل نحن أمام معالجة للالتباس القانوني، أم أمام مسار لتكريس تفسير معيّن للقرار عبر آليات إدارية وقضائية، بما يضيّق عملياً هامش التعامل مع قانون العفو؟
إحالة هذه الأوراق إلى مجلس القضاء الأعلى لا تحسم وحدها هذا السؤال، كما أن التوافق بين المرجعيات القضائية لا يكفي، بحد ذاته، لإضفاء المشروعية على أي تفسير ما لم يستند بوضوح إلى النص القانوني والأصول الدستورية. فتوحيد التطبيق هدف مشروع، لكن لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتجاوز النقاش حول حدود الصلاحيات أو فرض قراءة واحدة قبل اتضاح الأساس القانوني الذي تستند إليه.
والأهم أن قانون العفو العام ليس تفصيلاً إجرائياً محصوراً داخل المؤسسات القضائية، بل قضية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية تمسّ مصير موقوفين ومحكومين وعائلاتهم، وتختبر مبدأ المساواة أمام القانون. لذلك، فإن أي خطوة يُراد منها إنهاء الالتباس يجب أن تكون شفافة في مبرراتها، واضحة في مرجعيتها، وقابلة للمساءلة القانونية، لا أن تكتفي بإنتاج تفاهمات بين المؤسسات المعنية. فالمطلوب ليس فقط توحيد الاجتهادات، بل ضمان ألا يصبح هذا التوحيد مدخلاً لتقييد الاستفادة من العفو أو إعادة رسم نطاقه خارج ما أقرّه المشرّع.

شريط الأحداث