| خلود شحادة |
رفع رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد السقف السياسي، عبر بيان يشكّل نقطة تحول، ليس بنبرته ولغته فقط، بل أيضاً بتوقيته، فلم يكن ردّاً عابراً على تصريحات مؤيدة للتفاوض المباشر مع “إسرائيل”، بل بدا أقرب إلى إعلان اعتراض سياسي شامل على المسار الذي يسلكه لبنان، وتحذير من أن الخلاف حول التفاوض وحصرية السلاح قد يتجاوز حدود التباين في الخيارات إلى صراع على طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود دور الدولة والمقاومة في إدارة المواجهة مع “إسرائيل”.
وعلى أعتاب بدء الجولة الثامنة للمحادثات الثلاثية في الولايات المتحدة في 20 تشرين الأول، تحت وطأة الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة والمحو المنظّم لقرى الجنوب، ومع وتنامي السجال الداخلي ورمي الاتهامات المختلفة من الفرق السياسية ضد “حزب الله”، برزت أيضاً مواقف من داخل الحزب تحذّر من المسار الذي تسلكه السلطة، ما يجعل بيان رعد رأس هرم الاعتراض ضمن مشهد سياسي آخذ في التصعيد، لا مجرد موقف منفصل عنه.
لم تعد مشكلة “حزب الله” بحسب البيان، مع التفاوض المباشر فقط فحسب، بل في شكل التعامل “السيادي” مع الأوامر الاسرائيلية – الأميركية، وتنفيذها تحت مبدأ “أمرك سيدنا”، من دون أي نية حسنة من قبل الطرف المعادي. كما أن مؤيدي التفاوض باتوا يسخّرون السلطة اللبنانية خدمة لـ”إسرائيل”، “نكاية” بالحزب!
وفي الوقت الذي “تتسلح” في السلطة الحالية بقرار 2 آذار، الذي صدر ضد شرعية المقاومة، اعتبر رعد أن المقاومة وجودها من وجود الاحتلال، وأن شرعيتها استمدتها من الميثاق الوطني.
فالحزب يعتبر أن أي مقاربة لمستقبل المقاومة لا يمكن أن تنفصل، وفق قراءته، عن التوازنات التي قام عليها اتفاق الطائف، وعن مفهوم الوفاق الوطني الذي يفترض أن يحكم إدارة الخلافات اللبنانية.
ومن ملف الشاحنة، التي تم استغلالها إلى أقصى حد بتوجيه أصابع الاتهام ضد الحزب، وتحميله وزر كل عمليات الاغتيال التي حصلت في لبنان، مروراً بإشاعة الاستنابات القضائية بحق رئيس وحدة الارتباط والتنسيق ومعاونه في “حزب الله”، والتي تم نفيها من قبل الحزب حصراً، في ظل صمت مطبق من قبل الجهات القضائية المعنية، وليس انتهاء بتضخيم العثور على “حفرة” في منطقة الفنار – المتن الشمالي، والحديث عن نفق لـ”حزب لله”.
وعلى مبدأ “كتر الدق بيفكّ اللحام”، خرج الحزب عن صمته بداية مع النائب حسن فضل الله، الذي قالها بكل جرأة “هذه الشاحنة لنا لنواجه اسرائيل”، وبعدها على لسان رئيس الكتلة النائب محمد رعد، الذي حذّر الدولة من مغبة “الانبطاح” بوجه الأوامر الأميركية، وخسارة السيادة والشرعية.
ويبدو أن “حزب الله” قد ربط كل ما يجري من أحداث، واختلاق أحداث، وتضخيم أخرى، مستشعراً أن ثمة ما “يُطهى” في “مطبخ” السلطة الحالية، ضده، لإرضاء الخاطر الأميركي، وتقديم فروض الطاعة عند الإسرائيلي، علّه يشفع لهم “ذلة” مقاومة الاحتلال!
لا يعلن بيان رعد صراحة انتهاء التهدئة مع السلطة، ولا يتضمن قراراً بالمواجهة معها، لكنه يشير إلى تراجع واضح في مساحة الثقة السياسية. فاللغة المستخدمة، والاتهامات الموجهة إلى جهات مسؤولة، والربط بين التفاوض والتنازل عن السيادة، كلها مؤشرات إلى أن الحزب يريد رفع كلفة الاستمرار في المسار الحالي، وإبلاغ السلطة بأن المضي فيه لن يمرّ من دون اعتراض.
وإذا كانت المرحلة السابقة قد أتاحت للطرفين إبقاء الخلاف تحت سقف إدارة الدولة ومنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية، فإن استمرار التباعد قد يجعل هذا السقف أكثر هشاشة. فالمشكلة لا تكمن فقط في الخلاف على سلاح “حزب الله”، بل في محاولة اقصاء فريق لبناني بأكمله عبر حرمانه من استعادة أرضه وحقه بالمقاومة، بل تقديمها على طبق من ذهب للعدو الإسرائيلي عبر مفاوضات مذلة.
ما يمكن استخلاصه من البيان،أن الحزب يستشعر خطراً من احتمال انتقال الضغط عليه من مستوى المطالب والتصريحات إلى مستوى الإجراءات العملية، والأيام المقبلة ستظهر إن كان البيان سقفاً تحذيرياً هدفه احتواء التصعيد، أم مقدمة لمواجهة سياسية مفتوحة قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة والمقاومة على أسس أكثر صدامية.


