| مرسال الترس |
بات مدعاة للسخرية أن يتجادل الأفرقاء اللبنانيين، على غرار أهل القسطنطينية، حول “جنس الملائكة” فيما المدينة مطوّقة بالجيوش الجرّارة، حول ما يجب أن يحصل أولاً: نزع سلاح “حزب الله” أم انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي؟!
اللافت أن مستوى الجدال في ما بينهم يصل إلى حدّ “التكفير والشتائم وتأكيد الهوية اللبنانية”… وكل ما يمتّ إلى ذلك بصلة وضيعة من التعابير! في حين أن كلاً منهم يدرك جيداً أن كيان الاحتلال الإسرائيلي لم يرسم حدوده بعد، بالرغم من مرور ثمانية وسبعين عاماً على اغتصابه الأرض الفلسطينية!
والجميع يعلم علم اليقين أن رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو لم يكن “يمزح” عندما استعاد، من على منبر الأمم المتحدة، خرائط “إسرائيل الكبرى”، وطرحها بكل عنجهية من على أعلى منبر دولي، ليؤكد للعالم أجمع أن ما نصّت عليه الكتب الصهيونية بشأن تلك الخرائط، وُجد لينفّذ. وبالتأكيد، سيكون ذلك على حساب دول الشرق الأوسط، ابتداءً من الدول المحيطة بفلسطين، كالأردن وسوريا ولبنان، وامتداداً إلى المحيط الأوسع في بلاد ما بين النهرين، وصولاً إلى الخليج من جهة، ومصر على الضفة الأخرى. إذ يتعامل كيان الاحتلال اللإسرائيلي مع الحدود القائمة باعتبارها أمراً ظرفياً، قابلاً للمراجعة متى تمكّنت “إسرائيل” من ذلك!
وتلك الخرائط ليس تنفيذها مؤجّلاً إلى ما لا نهاية، بل إلى حين “ساعة القوّة” التي بانت بعض ملامحها إثر عملية “طوفان الأقصى”، حيث تم تدمير ثمانين في المئة من قطاع غزة، وأكثر من ستين بلدة وقرية في الجنوب اللبناني، وحلّ نتنياهو “ملكاً متوّجاً” على جبل الشيخ في الجنوب السوري، بعدما استباح طيرانه الحربي الأجواء الإيرانية عبر أجواء العديد من الدول العربية، بإدراك منها أو بغضّ طرف!
والمتشبثون بالحديث اليوم عن “الخط الأزرق” عند الحدود الجنوبية قد لا يجدونه غداً، طالما أن هناك أحاديث عن خطوط صفراء ورمادية، وربما كل الألوان التي تحملها أقواس قزح… فتحويل الأمر الواقع في هذه المنطقة الأمنية أو تلك، إلى ورقة تفاوض، قد يرسّخ واقعاً طويل الأمد، ويؤدي إلى قيام “منطقة أمنية مستدامة”. والحديث هنا عن هندسة الجغرافيا تدريجياً، وبالتالي، فالقوة هي التي تعيد رسم الخرائط!
وحتى لا يدخل اليأس إلى نفوس البعض، فإن لكل شيء نهاية. وأعظم الإمبراطوريات اندثرت وتحولت إلى دويلات صغيرة. وفي هذا السياق، توقف المراقبون عند التحذير الذي أطلقه الجنرال المتقاعد في جيش الاحتلال الإسرائيلي إسحاق بريك، في صحيفة “معاريف” العبرية، وتناول فيه مسائل “الفساد والرشاوى وخيانة الأمانة” في كيان الاحتلال الإسرائيلي. إذ رأى “أن إسرائيل تواجه سلسلة أزمات مترابطة تهدد مستقبلها، وقد تصل إلى إضعاف الجيش، ودفع أفضل الكفاءات في مختلف المجالات إلى الهجرة خارج البلاد”.
ويضيف بريك: “عندما يسألني أحد عمّا سيكون عليه المستقبل، أجيب بسؤال: هل سنكون هنا أصلاً بعد بضع سنوات؟”.


