الرئيسيةشريط الاحداثبين تجريم المقاومة وشرعنة الاحتلال: هل تعلّق السلطة المفاوضات المباشرة؟

بين تجريم المقاومة وشرعنة الاحتلال: هل تعلّق السلطة المفاوضات المباشرة؟

| خلود شحادة | 

لم يعد السؤال المطروح على السلطة اللبنانية مرتبطاً حصراً بقرارها حظر الأنشطة العسكرية لـ”حزب الله”، ولا بالجدل الذي أثارته شحنة المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر، بعدما أعلن عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله أن الشحنة تعود إلى الحزب، وأنه أبلغ الجهات المعنية بأنها مخصصة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فالتطورات المتسارعة تضع السلطة أمام امتحان سياسي يتجاوز القضية الأمنية نفسها، ليمسّ جوهر مقاربتها للسيادة اللبنانية، ومعنى الدولة التي تتحدث باسمها، والحدود التي تقف عندها قراراتها حين يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”.

في الثاني من آذار الماضي، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”، واضعةً ذلك في سياق حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، بالتزامن مع اندلاع المواجهة العسكرية واتجاه لبنان نحو مسار تفاوضي مباشر مع “إسرائيل”.

وقدمت السلطة هذا الخيار باعتباره الطريق الذي يمكن أن يفضي إلى حماية اللبنانيين، ووقف الحرب، واستعادة سلطة المؤسسات الرسمية على كامل الأراضي اللبنانية، واستعادة القرى الجنوبية التي تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي.

لكن ماذا يبقى من هذه المبررات حين يعلن وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس أن المناطق التي يحتلها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب ستتحول إلى “منطقة أمنية دائمة”، ويتحدث عن توسيعها باتجاه مناطق تقع بين النبطية والليطاني وصولاً إلى الأولي؟

هنا تحديداً، يصبح الصمت الرسمي أكثر من مجرد غياب لردّ سياسي. فحين يتحدث وزير الحرب الإسرائيلي من أرض لبنانية محتلة عن تثبيت وجود عسكري دائم، لا يعود الأمر متعلقاً بتهديد عابر أو بمناورة إعلامية، بل بإعلان يحمل في مضمونه مشروعاً لتكريس واقع احتلالي جديد، وما ينطوي عليه من تهديد لعودة الأهالي إلى قراهم، ولمستقبل المناطق التي تتعرض للتدمير والتهجير. وكان يفترض أن يشكل ذلك مناسبة لموقف لبناني رسمي واضح، يرفض أي محاولة لاقتطاع الأرض أو فرض أمر واقع بالقوة، ويؤكد أن ما يسمّى “اتفاق الإطار” لا يمنح “إسرائيل” حق تقرير مصير الأراضي اللبنانية.

لكن أين هذا الموقف؟ وأين الإدانة الرسمية التي توازي خطورة الكلام الإسرائيلي؟ ولماذا تبدو السلطة أكثر وضوحاً وحسماً عندما يتعلق الأمر بملاحقة أنشطة “حزب الله” العسكرية، وجعلت من قضية الشاحنة “قميص عثمان”، و”يا لطيف” على هذا “الانجاز” الذي “يهدف إلى تثبيت الأمن والأمان”، مقابل الجنوب المنسي المنهك.. واستثمار ملف الشاحنة لتوزيع الاتهامات السياسية، فيما لا يظهر المستوى نفسه من الحزم إزاء تصريحات تتناول صراحةً تحويل الاحتلال إلى وجود دائم؟!

أليست السيادة التي تستند إليها الحكومة في قراراتها هي نفسها التي تنتهكها “إسرائيل” باحتلال الأرض وتدمير القرى وتهجير سكانها؟

فإذا كانت الحكومة تعتبر أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، فإن مسؤوليتها لا تتوقف عند منع أي طرف لبناني من التحرك خارج قرارها، بل تبدأ أيضاً من قدرتها على ترجمة هذا الاحتكار إلى حماية فعلية للأرض والسكان. أما أن تطالب اللبنانيين بالتسليم بخياراتها التفاوضية، فيما يعلن الطرف الذي تفاوضه أنه ينوي الاحتفاظ بأجزاء من أرضهم بصورة دائمة، فذلك يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المقابل الذي تسعى السلطة إلى انتزاعه من هذه المفاوضات، وما إذا كانت تملك أصلاً ضمانات تحول دون فرض الوقائع الإسرائيلية بالقوة.

والأكثر إرباكاً أن حجة السلطة الأساسية في مقاربتها لسلاح المقاومة تقوم على أن الدولة وحدها هي المرجعية التي ينبغي أن تقرر كيفية الدفاع عن لبنان. غير أن هذه الحجة تفقد الكثير من صدقيتها السياسية إذا لم تقترن باستعداد واضح لمواجهة مشروع الاحتلال، لا بالكلام فحسب، بل بالحد الأدنى عبر المواقف الدبلوماسية والقانونية والعملية اللازمة لمنع تكريسه. فاحتكار قرار الدفاع ليس غاية قائمة بذاتها، بل مسؤولية يفترض أن تقود إلى حماية السيادة.

وإذا كانت الدولة تطلب من اللبنانيين التخلي عن خياراتهم الدفاعية لمصلحة مسار تفاوضي، فمن حقهم أن يسألوا عن الضمانات التي يوفرها هذا المسار، وعن البدائل التي تملكها السلطة إذا قررت “إسرائيل” المضي في تثبيت احتلالها.

والسؤال المشروع، هل تدرك السلطة خطورة ما أعلنه كاتس، أم أنها تتعامل معه باعتباره تفصيلاً يمكن تجاوزه في سياق المفاوضات؟ وهل تعتقد أن “بلع الألسن” عن التهديدات الإسرائيلية يمكن أن يسهّل التفاوض، أم أن هذا سببه أن الدولة ربما قدّمت القرى الجنوبية المحتلة “كبش فداء” عن كل لبنان؟

قد لا يكون الصمت دليلاً بحد ذاته على وجود تفاهم مسبق أو تنازل سرّي، لكن غياب التوضيح الرسمي يفتح الباب أمام شكوك مشروعة، ولا سيما لدى أبناء الجنوب الذين يشاهدون قراهم تُدمّر، وأراضيهم تُحتل، ومستقبل عودتهم يبقى رهناً بقرارات لا يملكون التأثير فيها. وهؤلاء ليسوا مطالبين بالاكتفاء بالوعود الفارغة عن المفاوضات أو بعبارات فضفاضة حول استعادة الاستقرار، من حقهم أن يسمعوا من السلطة موقفاً صريحاً لا يحتمل التأويل: هل تقبل الدولة ببقاء أي جزء من أرضها تحت الاحتلال؟ وهل تعتبر أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل شرط لا يمكن التنازل عنه في أي تسوية؟

الخشية الحقيقية لا تكمن فقط في احتمال أن تفرض “إسرائيل” منطقة أمنية داخل لبنان، بل في أن يتحول هذا الاحتمال، بفعل الصمت والتردد وتراكم الوقائع، إلى أمر واقع يجري التعامل معه لاحقاً بوصفه نتيجة يصعب تغييرها. وعندها، لن يكون السؤال عن نجاح المفاوضات أو فشلها فحسب، بل عن الثمن الذي دفعه اللبنانيون لقاء مسار قيل لهم إنه يهدف إلى إنهاء الحرب وحماية السيادة.

شريط الأحداث