الرئيسيةشريط الاحداثأول سيدة تتولى رئاسة الحكومة المغربية.. الدلالات والتوقعات

أول سيدة تتولى رئاسة الحكومة المغربية.. الدلالات والتوقعات

في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ المغرب،عيّن الملك محمد السادس، في 29 أيلول/سبتمبر 2026، فاطمةالزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الذيتتولى تنسيق قيادته الجماعية نتائج الانتخابات التشريعية.

وجاء تعيين المنصوري، التي حصل حزبها على 97 مقعدا من أصل 395 في مجلس النواب، ليضع امرأة للمرة الأولىعلى رأس الحكومة المغربية، ويفتح نقاشا واسعا حول دلالات هذه الخطوة، وما يمكن أن تعنيه على مستوى حضورالمرأة في الحياة السياسية، وكذلك حول قدرة الحكومة المقبلة على الاستجابة للملفات الاقتصادية والاجتماعية التيتشغل الشارع المغربي.

ولا تقتصر دلالة وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة على كونها أول امرأة تشغل هذا المنصب في المملكة، بل تأتيالخطوة في سياق مسار متدرج شهد خلال العقود الماضية اتساع مشاركة النساء المغربيات في المؤسساتالمنتخبة ومواقع القرار، من البرلمان والحكومة إلى القضاء والدبلوماسية والإدارة المحلية والمؤسسات الدستورية.

ففي الانتخابات التشريعية عام 1993، دخلت امرأتان فقط البرلمان المغربي، فيما شهد عام 2007 وصول خمسنساء إلى مناصب وزارية كاملة في حكومة عباس الفاسي. ومع مرور السنوات، توسع حضور المرأة في مواقعالمسؤولية، وصولا إلى تولي المنصوري اليوم رئاسة الحكومة.

ويقول باحثون في العلوم السياسية إن هذه الخطوة تنقل مشاركة المرأة من مستوى الحضور في المؤسسات إلىمستوى القيادة وتحمل المسؤولية السياسية عن العمل الحكومي، خصوصا أن رئاسة الحكومة ترتبط بتشكيلالائتلافات السياسية وترتيب الأولويات العامة وإدارة الملفات التنفيذية.

ويأتي ذلك في ظل نظام ملكي دستوري يحتفظ فيه الملك بصلاحيات واسعة في عدد من الملفات، فيما يتولى رئيسالحكومة إدارة العمل الحكومي ضمن الإطار الذي يحدده الدستور.

“ابنة الباشا” من مراكش إلى رئاسة الحكومة

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري عام 1976 في مدينة مراكش، ومنها بدأت مسيرتها السياسية التي امتدت بينالمحاماة والعمل البلدي والبرلماني والحزبي والوزاري.

وتحمل المنصوري شهادة في القانون الأنغلوساكسوني من جامعة بايس الأميركية، ودبلوما في الدراسات العليا فيقانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه الفرنسية، إضافة إلى إجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامسفي الرباط. كما مارست المحاماة في هيئة المحامين بمراكش منذ عام 2005، وتخصصت في القانون العقاري.

وانخرطت في العمل السياسي عام 2007 من خلال “حركة لكل الديمقراطيين“، قبل أن تكون من الأعضاء المؤسسينلحزب الأصالة والمعاصرة عام 2008.

وفي عام 2009، حققت أولى محطاتها السياسية البارزة عندما انتخبت رئيسة للمجلس الجماعي لمدينة مراكش،لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس في المدينة، وهو المنصب الذي شغلته حتى عام 2015، قبل أن تعود إليهبعد الانتخابات المحلية لعام 2021.

كما انتخبت عضوا في مجلس النواب بين عامي 2011 و2016، ثم عادت إلى البرلمان بين 2016 و2021، وتولترئاسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة بين عامي 2015 و2024، قبل أن تصبح منسقة للقيادة الجماعيةللحزب.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2021، انتقلت إلى الحكومةوزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة،لتجمع بذلك بين تجربة في تدبير الشأن المحلي ومسؤولية حكومية وقيادة حزبية.

وتعرف المنصوري أيضا بلقب “ابنة الباشا“، نسبة إلى والدها عبد الرحمن المنصوري، الذي شغل في مرحلة منمسيرته منصب باشا مدينة مراكش.

“أنا كامرأة أعرف ظروف المرأة المغربية”

بعد تكليفها بتشكيل الحكومة، تحدثت المنصوري عن خصوصية وصولها إلى هذا الموقع، قائلة إن تعيينها يشكلرسالة إلى النساء المغربيات من أجل العمل، وإن توليها المنصب لأول مرة “مبعث فخر” لها ولنساء المغرب.

وقالت أيضا: “أنا كامرأة أعرف الظروف التي تمر بها المرأة المغربية“، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة تحمل انتظاراتكبيرة من المواطنين، ولا سيما الشباب، ومؤكدة أن حكومتها ستعمل على تقديم برنامج يتضمن “حلولا حقيقيةوواقعية” للمواطنات والمواطنين.

وبالنسبة إلى عدد من الأصوات النسائية المغربية، فإن القيمة الحقيقية لهذه السابقة لن تقاس بمجرد وصول امرأةإلى رئاسة الحكومة، بل بما ستنتجه هذه الخطوة على مستوى السياسات والقرارات.

وترى الكاتبة والناقدة المغربية زهور كرام أن تعيين المنصوري يطرح تحديات عديدة، معربة عن أملها في أن يتحولحضور المرأة في موقع القرار إلى اهتمام بالتفاصيل التي تصنع الاختلاف في إدارة الشأن العام.

أما بالنسبة إلى بشرى سلماني، وهي عاملة منزلية مغربية تبلغ 43 عاما، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يحملأملا بتحسين أوضاع النساء والشباب، خصوصا على مستوى فرص العمل.

من التمكين إلى اختبار النتائج

وعلى الرغم من أن المغرب قطع خطوات في عدد من الملفات المرتبطة بحقوق المرأة، فإن التحدي المقبل يرتبطإلى حد كبير بقدرة المؤسسات على تنفيذ القوانين وتحويلها إلى واقع ملموس.

وتأتي هذه المسألة بالتوازي مع ملفات اقتصادية واجتماعية أكثر اتساعا، إذ تنتظر الحكومة الجديدة تحديات تتعلقبالتشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم وتحسين الأوضاع الاقتصادية للأسر.

كما سيكون خلق فرص العمل للشباب من أبرز الملفات المطروحة، في وقت أظهرت فيه احتجاجات “جيل زد 212″ خلال العام الماضي حجم المطالب المرتبطة بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.

وتبرز كذلك قضية الأولويات الاقتصادية والاستثمارية في البلاد، ولا سيما في ظل الاستثمارات الكبيرة في البنيةالتحتية والمنشآت الرياضية استعدادا لاستضافة المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، نهائيات كأس العالم لكرةالقدم عام 2030.

وكانت هذه الاستثمارات قد أثارت نقاشا داخليا حول ترتيب الأولويات، خصوصا في ظل مطالب بتحسين الخدماتالعامة وتوفير فرص العمل ورفع القدرة الشرائية.

ولا تنفصل هذه الملفات عن قضية الهجرة أيضا، بعدما شهد المغرب في تموز/يوليو الماضي محاولة هجرة جماعيةغير نظامية باتجاه جيب سبتة الإسباني، شارك فيها عشرات الآلاف من الشبان، وسط دعوات مضللة على وسائلالتواصل الاجتماعي، في مشهد عكس حجم تطلعات شريحة من الشباب إلى ظروف معيشية واقتصادية أفضل.

حكومة جديدة أمام انتظارات كبيرة

ولا تبدأ مهمة المنصوري من رئاسة الحكومة فقط، بل من مشاورات سياسية لتشكيل ائتلاف حكومي، إذ إن حزبالأصالة والمعاصرة، رغم تصدره الانتخابات، لا يمتلك وحده الأغلبية المطلقة في مجلس النواب، ما يجعل تشكيلالأغلبية وتحديد تركيبة الحكومة من أولى المهام السياسية أمام رئيسة الحكومة الجديدة. وينص الفصل 47 منالدستور المغربي على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب.

وقد أعلنت المنصوري أنها ستبدأ مشاوراتها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، قبل الانتقال إلى المشاورات معالأحزاب السياسية بشأن تشكيل الحكومة.

وبالتوازي مع ذلك، ستكون أمامها ملفات اقتصادية واجتماعية كبيرة، من التشغيل والصحة والتعليم والقدرةالشرائية، إلى الاستثمارات الكبرى والتحضيرات المرتبطة بكأس العالم 2030.

وبذلك، تدخل فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة سياسية جديدة في المغرب، تحمل عنوانا تاريخيا يتمثل في وصولأول امرأة إلى رئاسة الحكومة، لكنها في الوقت نفسه تضعها أمام اختبار عملي يتجاوز رمزية المنصب إلى ما يمكن أنتنتجه الحكومة الجديدة من سياسات وقرارات في حياة المواطنين، والنساء والشباب على وجه الخصوص.

السابقة النسائية باتت واقعا سياسيا، أما حجم التحول الذي ستتركه في المجتمع المغربي، فسيبقى مرتبطا بأداءالحكومة والقرارات التي ستتخذها خلال المرحلة المقبلة.

شريط الأحداث