| رلى إبراهيم |
غداة كل خسارة سياسية أو كل صراع عوني – قواتي، كان رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع يذكّر “التيار الوطني الحر”، رئيساً ووزراء ونواباً وكوادر، بشعار “ما خلّونا”، ليحسم الخلاف لمصلحته. كان ذلك سلاحه السياسي الأبرز في مواجهة “التيار” طوال نحو عشرة أعوام، إلى جانب تحميله التيار وزر معظم مصائب الدولة، على خلفية تحالفه مع “حزب الله”.
اليوم، بات “التيار” خارج السلطة ولا يشغل أي حقيبة وزارية، فيما لـ”القوات” أربعة وزراء في حقائب أساسية، في حكومة يشارك فيها أيضاً “حزب الله”. وليس ذلك فحسب، بل بعد مرور عام وثمانية أشهر على مشاركة “القوات” في الحكومة، وجدت نفسها أمام مأزق يبدو مقفلاً ومنعدم المخارج: وزير الخارجية يوسف رجي مُبعد وعاجز عن إثبات نفسه في وزارته، ووزير الطاقة جو صدي يقول عملياً إنه “بدو وما خلوه”.
وبذريعة عدم تجاوب إدارات الدولة معه في دفع مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان، وتعذّر اعتماد تعرفة متحركة في المرحلة الراهنة، بدأ صدي يتحدث عن الاستقالة، بالتوازي مع مطالبة حزبه بتعديل وزاري. وهكذا يعود شعار “ما خلّونا” إلى الواجهة، لكن هذه المرة من داخل الفريق الحكومي، لتفسير العوائق التي يقول صدي إنها حالت دون تنفيذ خطته في وزارة الطاقة.
بحسب مصادر في “القوات”، فإن الخيارات المطروحة أمام الحزب كلها مكلفة. فإذا حصل تعديل وزاري وانتقلت “القوات” إلى حقيبة أخرى، يمكن أن يُنظر إلى الخطوة بوصفها إقراراً بتعثر التجربة في وزارة الطاقة. وإذا بقي صدي في منصبه، فإن استمرار المراوحة لأشهر إضافية من دون تحقيق زيادة ملموسة في التغذية سيعني مزيداً من الاستنزاف السياسي. أما استقالة صدي، فستكون لها كلفتها أيضاً، أولاً لأنها ستُقرأ إقراراً بالعجز عن تحقيق الأهداف المعلنة، وثانياً بسبب احتمال خسارة القوات أحد وزرائها، في ظل عدم حماسة أطراف أخرى لمقايضة حقائبها بحقيبة الطاقة أو تحمّل إرثها بعد تجربة صدي.
خطة الخروج
وتقول مصادر “القوات” إن سمير جعجع نفسه مقتنع بأن الخسارة وقعت بالفعل، وإن ترك الوزارة في هذه المرحلة قد يكون وسيلة للحد من الخسائر المستقبلية. أما خطة الخروج، فتقوم على أن يعقد صدي مؤتمراً صحافياً يشرح فيه العوائق التي حالت دون تنفيذ خطته “الإصلاحية”، ويضع جانباً أساسياً من المسؤولية على الدولة وإداراتها، تمهيداً لتبرير انسحابه من الوزارة.
وفي هذا السياق، سيستند صدي إلى ما جرى داخل مجلس الوزراء بشأن مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان. ففي إحدى جلسات المجلس، طلب من وزير المال ياسين جابر الضغط على إدارات الدولة لتسديد المستحقات المتوجبة عليها للمؤسسة، والتي قُدّرت بنحو 250 مليون دولار. إلا أن جابر سخر من اختزال أزمة الكهرباء بهذا المبلغ، وأشار إلى عجز الخزينة عن تسديده ما لم تبادر وزارة الطاقة، بدورها، إلى تسديد السلف المستحقة عليها والمتراكمة منذ أعوام.
وسيكون ارتفاع أسعار النفط عالمياً مبرراً إضافياً يقدمه صدي لشرح استمرار أزمة التغذية والعتمة الشاملة، إلى جانب رفض رئيس الحكومة نواف سلام اقتراحه ربط التعرفة بكلفة النفط، خوفاً من تكرار تجربة “انتفاضة الواتساب”.
وبحسب المصادر، فإن عدم تنفيذ الحلول التي طرحها صدي سيشكّل أساساً لروايته أمام الرأي العام: الوزارة وضعت حلولاً، لكن الدولة لم تؤمّن شروط تنفيذها. ومن هنا، تأتي مصارحة اللبنانيين بالعوائق التي واجهته بوصفها الخطوة الأخيرة قبل الانسحاب من وزارة الطاقة.
“التيار” ينتظر لحظة الحساب
لكن الأمر لن يمرّ بسهولة. فـ”التيار الوطني الحر” ينتظر هذه اللحظة منذ أعوام، ويستعد لردّ الكيل بمكيالين على تجربة “القوات” في وزارة الطاقة. وللمرة الأولى، يجد “التيار” نفسه في موقع يتيح له استخدام تجربة “القوات” في الوزارة لمواجهة الخطاب الذي طالما استخدمته معراب ضده: تحميل الوزير مسؤولية العجز، ثم الردّ عليه بالقول إن “ما خلّونا” هو التفسير الجاهز لكل إخفاق.
وقد أسهمت الحملة العونية على صدي وأدائه في الوزارة، وفق مصادر سياسية، في دفعه إلى التفكير في الخروج منها. فلو بقي ملف الكهرباء بعيداً من التجاذب السياسي، شأنه شأن ملفات الاتصالات والزراعة والصناعة، لكان بإمكان صدي الاستمرار في الوزارة أشهراً إضافية من دون التفكير في التنحي، ولكان الإعلام القواتي قادراً على بناء رواية سياسية تحوّل الفشل إلى إنجازات. إلا أن وجود “التيار” في موقع المعارضة، وخبرته الطويلة في وزارة الطاقة ومعرفته بتفاصيلها، جعلا مهمة “القوات” في هذه الحقيبة أكثر صعوبة، وحوّلا كل خطوة فيها إلى مادة للمقارنة والمساءلة.
والأبعد من الاستقالة نفسها، أن تجربة “القوات” في الطاقة ستبقى حاضرة في مواجهة الحزب لسنوات، بعدما كانت “القوات” قد حمّلت “التيار”، طوال نحو عقد، مسؤولية ما آلت إليه الكهرباء. واليوم، يجد جعجع نفسه أمام إعطاء براءة ذمة لـ”التيار” ومحو 10 أعوام من إلقاء اللوم في كل ما يحصل في هذا القطاع على العونيين.
وحتى محاولة صدي نقل النقاش إلى ملفات البواخر والفيول وفتحها قضائياً، لم تنجح في إبعاد الأنظار عن أداء وزارة الطاقة الحالي. وها هو “التيار”، من موقع المعارضة، يستعيد الأدوات السياسية نفسها التي كانت معراب تستخدمها عندما كانت الأدوار معكوسة.
يبقى أن مقايضة “القوات” لحقيبة الطاقة بأخرى، أو استقالة وزيرها، ليست أمراً واقعاً. فتحقيق الرغبة القواتية سيدخل الحكومة في أزمة تعديل شامل مما يهدد وحدتها ويعزز نظرية عجزها، فضلاً عن صعوبة إيجاد طرف مستعد لتسلم إرث فاشل إلا بثمن مرتفع، لا يمكن أن يكون أقل من تجريد “القوات” من وزارة الخارجية، الأمر الذي سيضاعف المشكلات بدل تصفيرها.



