في الخامس عشر من أيلول، يفترض أن يُقرع جرس المدرسة في لبنان إيذانًا ببداية عام دراسي جديد. دفاتر جديدة، حقائب، زيّ مدرسي، صفوف تعود إليها الضحكات بعد أشهر من العطلة، وأهل يرافقون أبناءهم في صباحهم الأول.. لكن في الجنوب، لا تبدو الصورة بهذه البساطة.
هناك أطفال سيُطلب منهم أن يعودوا إلى مقاعدهم فيما لم تغادر الحرب بلداتهم. أطفال لم ينتهِ بالنسبة إليهم صوت الطائرات والقصف عند انتهاء العام الدراسي الماضي، ولم تصبح المدرسة بالنسبة إليهم مكانًا منفصلًا عن الخوف والقلق والنزوح.
كيف يمكن لطفل أن يحمل حقيبته إلى المدرسة، فيما بيته الذي سيعود إليه بعد الظهر قد لا يكون آمنًا؟ كيف يمكن أن يبدأ درس الرياضيات أو اللغة العربية، فيما والداه ما زالا يتابعان الأخبار تحسبًا لغارة جديدة؟ وكيف يمكن أن يُطلب منه التركيز في كتابه، فيما ذاكرته القريبة لا تزال ممتلئة بصور النزوح والدمار والأيام التي لم يعرف فيها إن كان سيعود إلى منزله؟
المسألة لا تتعلق فقط بمدرسة تضررت جدرانها أو صف يحتاج إلى ترميم. الحرب أصابت التعليم نفسه.
ففي الجنوب، تضررت مدارس وأُغلقت أخرى، فيما اضطرت مدارس خلال فترات النزوح إلى تغيير وظيفتها أو الانتقال إلى التعليم عن بُعد. وكانت وزارة التربية قد وضعت للعام الدراسي 2026-2027 خطة لاستمرارية التعليم، تقضي بأن يبدأ التعليم حضوريًا في المدارس الجاهزة، بينما يبدأ في المناطق المتأثرة بالعدوان، ولا سيما الجنوب والنبطية، بصورة مؤقتة عن بُعد إلى حين استكمال التقييمات الفنية والتشغيلية والتأكد من سلامة الأبنية.
لكن ماذا يعني “التعليم عن بُعد” لطفل يعيش أصلًا في منطقة تعاني آثار الحرب؟
هل لديه غرفة هادئة يستطيع أن يدرس فيها؟ هل لديه كهرباء وإنترنت مستقر؟ هل عائلته مستقرة أصلًا في منزلها؟ وماذا عن الطفل الذي نزح مع عائلته إلى منطقة أخرى، بينما مدرسته الأصلية في الجنوب، وحياته موزعة بين مكان يسكن فيه ومكان يتعلم فيه ومكان آخر لا يعرف متى يستطيع العودة إليه؟ هذه ليست تفاصيل تقنية، إنها أسئلة عن حق الطفل في أن يعيش طفولته بطريقة طبيعية.
إنها أسئلة حول مستقبل آلاف الأطفال، سيسمّون “جيل الحرب”، ولبنان ليس بعيداً عن هذه التجربة.
وقد حذّرت اليونيسف في وقت سابق من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل في لبنان كانوا مهددين بعدم الالتحاق بالعام الدراسي، بعدما أظهر تقييم وطني تضرر أو تدمير 340 مدرسة.
وفي الجنوب تحديدًا، لا يبدو التحدي محصورًا بإعادة فتح الأبواب. هناك مدارس تحتاج إلى ترميم، وأخرى أغلقت أبوابها، وآلاف الأهالي الذين ما زالوا مترددين في تسجيل أبنائهم أو تحديد مدارسهم، لأن القرار التعليمي بات مرتبطًا بالقرار الأمني، وهنا تصبح المدرسة نفسها جزءًا من معادلة الحرب.
فالعام الدراسي لا يمكن أن يبدأ فعليًا بمجرد تنظيف الصفوف وإعادة ترتيب المقاعد. المدرسة تحتاج إلى طفل قادر على الوصول إليها، ومعلم قادر على الوصول إليها، وأهل يثقون بأن إرسال ابنهم إليها ليس مخاطرة، وبيئة تسمح للطفل بأن يفكر في الامتحان بدل أن يفكر في مكان سقوط القذيفة.
الأخطر أن الطفل الجنوبي لا يخسر فقط أيامًا دراسية، هو يخسر الإستقرار، الأمان، والقدرة على التركيز.
كل مرة تتعطل فيها المدرسة، وكل مرة ينتقل فيها من التعليم الحضوري إلى التعليم عن بُعد، وكل مرة يترك منزله وينتقل إلى مكان آخر، يدفع ثمنًا لا يظهر في جدول الحصص ولا في سجل الغياب. ثمة فجوة تعليمية تتسع، وعلاقات اجتماعية تنقطع، وروتين يومي ينهار، وقلق يتراكم في عمر يفترض أن يكون فيه أكبر همّ للطفل هو امتحان الغد أو الواجب الذي لم ينجزه.
وفي بلد يعيش فيه عشرات الآلاف من الأطفال أصلًا تحت ضغط النزوح والحرب، يصبح التعليم أكثر من كتاب ومدرسة، يصبح محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من طفولة كاملة.
لكن ما جرى اليوم في الجنوب يعيد كل هذه الخطط إلى نقطة الصفر. فمع تصاعد الغارات الإسرائيلية التي نتج عنها مجزرة، ووصول الاستهداف إلى بلدات في محيط النبطية وكفررمان ودير الزهراني ومناطق أخرى، تبدو العودة المدرسية أمام واقع أمني لا يمكن تجاهله.
وهنا لا يعود السؤال ما إذا كانت المدرسة قد أصلحت نوافذها ومقاعدها، بل ما إذا كان الطريق إليها آمنًا أصلًا. كيف يمكن للأهل أن يرسلوا أبناءهم إلى المدرسة في 15 أيلول، وهم لا يعرفون إن كانت الغارة التالية ستقع في بلدتهم أو في البلدة المجاورة؟ وكيف يمكن لمدير مدرسة أن يضع جدول الحصص، فيما جدول التصعيد نفسه لا يمكن التنبؤ به؟
التصعيد الذي وقع اليوم لا يهدد فقط انتظام العام الدراسي، بل يهدد فكرة العودة نفسها. فالعائلات التي كانت تستعد لإخراج حقائب أطفالها من الخزائن وإعادة ترتيب حياتها على إيقاع المدرسة، تجد نفسها مجددًا أمام سؤال النزوح والأمان. بعض الأهالي لا يعرفون حتى الآن إن كانوا سيتمكنون من العودة إلى منازلهم، فضلًا عن إرسال أبنائهم إلى مدارسهم. وفي الجنوب، باتت حقائب مدرسية كثيرة جاهزة، لكن العودة إليها معلّقة على شرط واحد: أن يتوقف الخوف.
والأخطر أن الطفل الذي سيبدأ عامه الدراسي في ظل هذا التصعيد لن يدخل الصف وحده؛ سيدخل ومعه قلق عائلته. قد يجلس أمام معلمه، لكن جزءًا من انتباهه سيبقى خارج النافذة، يراقب السماء وأصوات الطائرات. وقد يحمل كتبه ودفاتره، فيما تبقى حقيبة صغيرة أخرى في بيت أهله، جاهزة للنزوح إذا تغيّر المشهد الأمني خلال ساعات.
وبين موعد 15 أيلول وتصعيد 7 أيلول، لا يفصل أطفال الجنوب أسبوع دراسي عادي، بل سؤال كبير: هل ستمنحهم الحرب فرصة لبدء عامهم الدراسي، أم ستسرق منهم عامًا آخر من طفولتهم؟


