الرئيسيةSliderكلفة الطريق توازي الراتب: اللبناني يعمل ليموّل تنقّله!

كلفة الطريق توازي الراتب: اللبناني يعمل ليموّل تنقّله!

لم يعد السؤال بالنسبة إلى الموظف اللبناني كم يتقاضى في نهاية الشهر، بل كم يبقى من راتبه بعد أن يدفع كلفة الوصول إلى مكان عمله. فالنقل، الذي كان يُفترض أن يكون مصروفًا يوميًا عابرًا، تحوّل اليوم إلى واحد من أثقل البنود على ميزانية الموظف، بعدما ارتفعت أسعار المحروقات، وطالت ساعات الانتظار على الطرقات، وارتفعت معها كلفة السرفيس والتاكسي والتنقل بالسيارة الخاصة.

في لبنان اليوم، يمكن أن تصل كلفة مشوار السرفيس ذهابًا وإيابًا إلى نحو 8 دولارات في اليوم، فيما قد لا تقل كلفة استخدام السيارة الخاصة عن 10 دولارات يوميًا بالنسبة إلى كثير من الموظفين، ولا سيما أولئك الذين يقطعون مسافات طويلة ويعلقون لساعات في زحمة السير. وبذلك، لم تعد عملية الانتقال من المنزل إلى العمل مجرد مسألة راحة أو وقت، بل أصبحت قرارًا ماليًا يوميًا يحتاج إلى حساب.

المعادلة تصبح أكثر قسوة عند احتسابها على مدار الشهر. فالموظف الذي يدفع 8 دولارات يوميًا للنقل، ويعمل ستة أيام في الأسبوع، ينفق قرابة 208 دولارات في الشهر على التنقل، باحتساب 26 يوم عمل. وإذا كانت الكلفة 10 دولارات يوميًا، ترتفع الفاتورة إلى نحو 260 دولارًا. أما إذا كان مبلغ الـ8 دولارات هو كلفة الاتجاه الواحد وليس الذهاب والإياب، في حال السكن البعيد عن مكان العمل، فإن الفاتورة الشهرية تتجاوز 400 دولار.

أي أن كلفة الوصول إلى العمل باتت تقترب من قيمة راتب كامل لدى شريحة واسعة من الموظفين، أو تلتهم الجزء الأكبر منه.

وهنا تأتي أزمة البنزين لتزيد المشهد تعقيدًا. فقد أظهر جدول وزارة الطاقة والمياه الصادر الجمعة 4 أيلول 2026 ارتفاع سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 2,602,000 ليرة، فيما بلغ سعر صفيحة 98 أوكتان 2,620,000 ليرة، أي ما يقارب 29 دولارًا للصفيحة وفق سعر الصرف المتداول. وكانت الأسعار قد شهدت ارتفاعات متتالية خلال الأشهر الماضية، بعدما وصل سعر الصفيحة في 28 آب إلى 2,538,000 ليرة.

وبهذا السعر، فإن السيارة التي تحتاج إلى صفيحة أو أكثر أسبوعيًا لا تحتاج فقط إلى راتب لتمويل صاحبها، بل إلى راتب إضافي تقريبًا لتمويل تنقله. والأمر لا يتوقف عند ثمن البنزين نفسه؛ فالازدحام الذي يطيل مدة الرحلة يعني استهلاكًا أكبر للوقود، فيما تصبح المسافة القصيرة نسبيًا رحلة تستنزف الوقت والمال معًا.

وفي الشارع، يضاف إلى ذلك كلام متزايد بين السائقين والمواطنين عن تفاوت جودة البنزين واستهلاكه، وعن شعور بعض السائقين بأن الوقود الذي يشترونه لا يدوم كما كان سابقًا. وهذه ملاحظات متداولة بين المستهلكين لا يمكن تعميمها على كل المحطات أو اعتبارها إثباتًا تقنيًا على انخفاض نوعية الوقود، لكنها تضيف بعدًا آخر إلى الأزمة: المواطن لا يدفع أكثر فقط، بل يريد أن يعرف أيضًا كم سيقطع بما دفعه.

أما السرفيس، فليس بعيدًا عن هذه المعادلة. فالسائق الذي يدفع قرابة 30 دولارًا للصفيحة لا يستطيع تثبيت تعرفة نقل بمعزل عن كلفة التشغيل، فيما الراكب نفسه لا يملك القدرة على تحمّل زيادات متتالية. وهكذا يصبح السائق والراكب عالقين في المشكلة نفسها: الأول يرفع التعرفة لأن كلفة تشغيل السيارة ارتفعت، والثاني يشتكي لأن راتبه لم يرتفع بالسرعة نفسها.

المشكلة إذًا ليست في تعرفة النقل وحدها، بل في سلسلة كاملة تبدأ من المحروقات ولا تنتهي عند الموظف. فارتفاع سعر البنزين يرفع كلفة السيارات الخاصة والسرفيس والتاكسي، كما ينعكس على الشحن والنقل التجاري، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات. وقد أظهرت بيانات حديثة أن سعر البنزين في لبنان بلغ في آب 2026 نحو 1.41 دولار لليتر، مقارنة بـ1.35 دولار في تموز، ما يعكس استمرار الضغط على كلفة التنقل.

وفي القطاع العام، وصلت أزمة النقل إلى مستوى دفع روابط الموظفين إلى المطالبة رسميًا بإعادة النظر في بدل النقل. فرابطة موظفي الإدارة العامة طالبت في تموز برفع بدل النقل اليومي إلى 1.5 مليون ليرة، إلى جانب تعديل احتساب سعر صفيحة المحروقات، معتبرة أن البدل الحالي لم يعد يتناسب مع الكلفة الفعلية التي يتحملها الموظفون.

لكن اللافت أنّ المطالب لم تتوقف عند زيادة بدل النقل. فالرابطة طرحت أيضًا تعديل الدوام الرسمي ليصبح من الإثنين إلى الخميس من الثامنة صباحًا حتى الثانية بعد الظهر، على أن يكون دوام الجمعة من الثامنة حتى الحادية عشرة، مع اعتماد المداورة. وفي بيانات أخرى، طُرح اعتماد أربعة أيام عمل أسبوعيًا بدل خمسة، في محاولة للتخفيف من أعباء التنقل على الموظفين.

وهذا الطرح، بصرف النظر عن الجدل الإداري حوله، يكشف إلى أي حد أصبحت كلفة النقل تدخل في صلب العلاقة بين الموظف ووظيفته. فحين يصبح يوم الحضور الإضافي مكلفًا إلى درجة تفوق قدرة الموظف على تحمّله، يتحول عدد أيام الدوام نفسه إلى قضية معيشية.

المفارقة أن الدولة رفعت الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، ورفعت رواتب القطاع العام عبر زيادات وبدلات، لكن أي زيادة في الدخل يمكن أن تتآكل سريعًا إذا بقيت كلفة التنقل ترتفع بالوتيرة نفسها. فالموظف لا يحصل على راتبه وهو جالس في منزله؛ عليه أن يدفع جزءًا من هذا الراتب كي يصل إلى مكان العمل أصلًا.

وإذا كان الموظف يتقاضى 300 دولار مثلًا، وينفق 200 دولار على النقل، فما الذي يبقى له ليعيش؟ وإذا كان مضطرًا لاستخدام سيارته، وقد تصل كلفة التنقل إلى 250 دولارًا شهريًا، فهل تصبح الوظيفة فعلًا مصدر دخل، أم مجرد وسيلة لاسترداد كلفة الوصول إليها؟

هذه المعادلة تفسّر جانبًا من الضغوط التي يعيشها الموظفون اليوم، وتفسّر أيضًا لماذا لم يعد ملف النقل مطلبًا ثانويًا يمكن معالجته ببدل رمزي. المطلوب بات يتجاوز زيادة بدل النقل إلى إعادة النظر في منظومة كاملة: أسعار المحروقات، التعرفات، تنظيم النقل العام، ساعات العمل، الازدحام، وموقع الوظائف بالنسبة إلى أماكن سكن الموظفين.

فلبنان لا يعاني فقط من أزمة مواصلات، بل من أزمة تجعل العمل نفسه مكلفًا.

وفي بلدٍ يفترض أن يكون الراتب فيه مقابل ساعات العمل، بات الموظف يدفع جزءًا كبيرًا من راتبه كي يصل إلى تلك الساعات.

وربما تختصر المسألة كلها بمعادلة واحدة: لم يعد اللبناني يسأل “كم سأقبض؟”، بل “كم سيبقى معي بعد أن أصل إلى العمل؟”.

شريط الأحداث