في لبنان، قد يكون أكثر ما يخدع الموظف اليوم هو الرقم المطبوع على راتبه.
ألف دولار لا تزال ألف دولار، والراتب الذي كان يدخل إلى الحساب قبل سنوات، قد يكون هو نفسه اليوم. لكنّ المشكلة أنّ ما كان يستطيع شراءه بهذا المبلغ لم يعد موجوداً. فالراتب لم يتراجع رقمياً، لكنه تآكل فعلياً، ومعه تآكلت قدرة الموظف على تأمين المستوى نفسه من المعيشة.
وبحسب دراسات أجريت مؤخراً، فإنّ راتباً بقيمة 1000 دولار في أيلول 2023 يحتاج اليوم إلى نحو 2070 دولاراً ليشتري السلع والخدمات نفسها، بعدما ارتفعت الأسعار منذ ذلك الحين بنحو107%.
بمعنى آخر، الموظف الذي لا يزال يتقاضى ألف دولار، لم يعد يملك القوة الشرائية نفسها التي كان يملكها قبل ثلاث سنوات. وبحساب قيمة راتبه وفق أسعار 2023، أصبحت قوته الشرائية تعادل نحو 483 دولاراً فقط.
فكيف هو الحال في لبنان، والحدّ الأدنى لا يتجاوز 310 دولارات؟!
الرقم صادم، لكن ما هو أكثر صدمة أنّ هذا التراجع حصل فيما بقي سعر صرف الدولار في السوق اللبنانية عند نحو 89500 ليرة لبنانية.
وهنا تكمن المفارقة، ثُبّت سعر الصرف، لكن لم تُثبّت الأسعار.
استقرّ الدولار، بينما واصلت كلفة المعيشة صعودها.
وبين الرقمين، وجد الموظف نفسه يخسر تدريجياً الجزء الأكبر من قيمة دخله من دون أن يتلقى بالضرورة خفضاً رسمياً في راتبه.
هذه هي الصورة الأكثر دقة لما يمكن تسميته “تآكل الأجور بالتضخم”. فالراتب من حيث الرقم قد يبقى على حاله، لكن الراتب الحقيقي يتراجع كلما ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الدخل.
الموظف الذي كان يتقاضى ألف دولار ويستطيع، مثلاً، أن يدفع إيجاره ويشتري حاجاته الأساسية ويؤمّن جزءاً من كلفة التعليم والنقل والطعام، لم يعد يستطيع إدارة الميزانية نفسها بالمبلغ نفسه. ليس لأن الألف دولار أصبحت أقل عدداً، بل لأن الأشياء التي كان يشتريها بها أصبحت أغلى بكثير.
وهكذا، لم تعد الزيادة على الأسعار تعني فقط ارتفاع فاتورة السوبرماركت أو المحروقات أو الأقساط. إنها تعني عملياً اقتطاعاً مستمراً للرواتب، والأخطر أنّ هذا الاقتطاع غير مرئي.
لا تصل إلى الموظف رسالة تقول إنّ راتبه انخفض بنسبة 50%. لا يُسجّل في عقد العمل رقم جديد. ولا يظهر في كشف الحساب أنّ نصف دخله قد اختفى، لكنّه يظهر في نهاية الشهر، حين تصبح الـ1000 دولار غير كافية لما كانت تكفيه سابقاً.
يظهر في الإيجار، في القسط المدرسي، في فاتورة الكهرباء، في النقل، في السوبرماركت، وفي أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
وهنا تحديداً تصبح عبارة “راتبك ألف دولار” مضلّلة إذا قيلت من دون أن نضيف إليها سؤال: ماذا تستطيع أن تشتري بهذه الألف؟
وقد تكون هذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الاقتصاد اللبناني اليوم: الموظف الذي كان يُنظر إليه باعتباره من أصحاب الدخل المقبول لم يعد بالضرورة كذلك. فارتفاع الأسعار أعاد ترتيب القدرة المعيشية، وجعل الراتب الذي كان يُعدّ جيداً قبل سنوات عاجزاً عن أداء الوظيفة نفسها اليوم.
والنتيجة أنّ الموظف لا يخسر فقط جزءاً من دخله؛ بل يخسر أيضاً هامش الأمان الذي كان يفترض أن يمنحه هذا الدخل.
مدخرات تتآكل، قدرة على الادخار تتراجع، نفقات مؤجلة تتراكم، وحاجات تُحذف من الموازنة قبل أن تُدفع الفاتورة.
وفي المقابل، لا يبدو أنّ سوق العمل يعوّض هذه الخسارة دائماً بزيادات توازي ارتفاع الأسعار. بعض المؤسسات رفعت الرواتب، وبعضها عدّلها جزئياً، لكن الفجوة بين نمو الأجور وارتفاع كلفة المعيشة تبقى هي المشكلة الأساسية.
لذلك، فإنّ تثبيت سعر الصرف لا يعني تلقائياً تثبيت القدرة الشرائية، لأن الدولار قد يبقى عند الرقم نفسه، لكن إذا ارتفعت أسعار السلع والخدمات أكثر من 100%، فإنّ الراتب بالدولار نفسه يصبح أقل قيمة من الناحية المعيشية.
وفي هذه المعادلة، يبدو الموظف كأنّه الطرف الذي يدفع الفاتورة بصمت، لا يخسر راتبه على الورق، لكنه يخسر ما يستطيع أن يفعله بهذا الراتب، وهذه ربما هي الخسارة الأخطر.


