سنوات طويلة، لم يكن المولد الكهربائي في لبنان مجرد مصدر إضافي للطاقة، بل تحوّل تدريجيًا إلى دولة داخل الدولة. صاحب المولد يحدد ساعات التغذية، يفرض التسعيرة، يقرر قيمة الاشتراك، وفي كثير من المناطق يتصرف وكأنه صاحب امتياز دائم لا ينافسه أحد، فيما المواطن يدفع لأنه ببساطة لا يملك خيارًا آخر.
اليوم، وبعد موجة الاعتراضات على فواتير المولدات وارتفاع كلفتها، تستنفر الدولة لاستعادة جزء من سلطتها على هذا القطاع، في اجتماع طارئ في السراي الحكومي خصص لبحث المخالفات والتسعيرات والعدادات، مع حضور القضاء والأجهزة الأمنية إلى جانب وزارتي الاقتصاد والطاقة.
وزير الاقتصاد عامر البساط أعلن أن الدولة ذاهبة إلى التشدد في تطبيق القانون، عبر الكشف وتنظيم محاضر الضبط وإحالة المخالفين إلى القضاء، وصولًا إلى حجز المولدات ومصادرتها حيث تسمح الإجراءات القانونية بذلك. وهذه المرة، تقول الحكومة إن المسألة لن تتوقف عند البيانات والتحذيرات، وإن ما جرى في بعض المناطق من إجراءات بحق المخالفين يفترض أن يتحول إلى آلية أوسع على مستوى لبنان.
لكن المشكلة أن الدولة تدخل هذه المعركة وهي تحمل في يدها القانون، وفي اليد الأخرى إرثًا طويلًا من العجز عن تأمين الكهرباء. وهنا تكمن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها: كيف تستعيد الدولة سلطتها من أصحاب المولدات، وهي نفسها التي تركت اللبنانيين لسنوات تحت رحمة هؤلاء؟ كيف تمنع صاحب المولد من استغلال حاجة الناس، فيما حاجة الناس إليه هي في الأساس نتيجة فشل الدولة في تأمين الخدمة التي يفترض أن تكون من صلب مسؤولياتها؟
وكيف يمكن للحكومة الحالية إيجاد حل، وهي التي فشلت في تأمين الكهرباء منذ عام ونيّف؟! وراكمت اخفاقات فوق اخفاقات ما سبقها من حكومات؟
لا أحد يعترض على ضبط المخالفات أو محاسبة من يفرض على المواطنين أسعارًا غير قانونية. ولا يمكن أن يتحول غياب كهرباء الدولة إلى رخصة لأصحاب المولدات كي يفرضوا ما يشاؤون على الناس. لكن الدولة، إذا أرادت فعلًا إنهاء “دولة المولدات”، عليها أن تدرك أن سلطتها لا تُستعاد فقط بمحاضر الضبط والمصادرات. سلطة الدولة تبدأ عندما يصبح المواطن قادرًا على الاستغناء عن المولد، لا عندما يصبح خائفًا من أن يُصادر مولده.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون السؤال: ماذا بعد المصادرة؟ إذا صودر مولد يخالف التسعيرة أو يرفض تركيب العدادات، من سيؤمن الكهرباء للمشتركين؟ هل تستطيع الدولة أن تملأ الفراغ فورًا؟ وهل تملك خطة تضمن ألا يتحول تطبيق القانون، في بعض المناطق، إلى عقوبة إضافية للمواطن الذي يجد نفسه بلا كهرباء وبلا مولد في الوقت نفسه؟
لأن القضية في جوهرها ليست معركة بين الدولة وأصحاب المولدات فقط. إنها معركة على مفهوم السلطة نفسه. فلبنان عاش لسنوات في ظل واقع باتت فيه خدمات أساسية كثيرة تُدار خارج مؤسسات الدولة، والمولدات كانت النموذج الأكثر وضوحًا لهذه الحالة. نشأت “دولة المولدات” لأن الدولة الرسمية تراجعت، وكلما تراجعت الدولة تمددت السلطة البديلة. وكلما طال غياب الكهرباء الرسمية، أصبح صاحب المولد أقوى، وأصبح المواطن أكثر ارتهانًا له.
اليوم تقول الحكومة إنها تريد قلب هذه المعادلة. لكن استعادة سلطة الدولة لا يمكن أن تكون حملة موسمية تظهر مع ارتفاع الفواتير ثم تختفي عندما تهدأ الاعتراضات. فاللبناني سبق أن سمع عشرات المرات عن ضبط المولدات والتسعيرة الرسمية والعدادات، فيما بقيت المنظومة نفسها قائمة، وبقي المواطن يدفع للدولة وللمولد في آن واحد.
لذلك، الاختبار الحقيقي أمام الحكومة ليس قدرتها على تنظيم أكبر عدد من محاضر الضبط، ولا عدد المولدات التي يمكن حجزها أو مصادرتها. الاختبار هو ما إذا كانت قادرة على بناء قطاع كهرباء يجعل المولد خدمة احتياطية بدل أن يكون ضرورة يومية، ويجعل التسعيرة الرسمية قابلة للتطبيق بدل أن تبقى حبرًا على ورق، ويعيد للمواطن حقه في الحصول على الكهرباء من دولته بدل أن يشتريها من صاحب مولد الحي.
وإذا كانت الدولة جادة في إنهاء “دولة المولدات”، فعليها أن تبدأ من أصل المشكلة لا من نتيجتها. المطلوب ليس فقط أن تقول لصاحب المولد “التزم بالقانون”، بل أن تقول لنفسها أيضًا: “أنا الدولة، وعليّ أن أؤمّن الخدمة”. عندها فقط يصبح الحديث عن استعادة سلطة الدولة أكثر من مجرد حملة تفتيش.
والأصعب، أن الدولة التي ترمي ثقل الغلاء على ارتفاع أسعار النفط عالمياً، إلا أنهم لم يحاولوا إيجاد حلول لرفع الحد الأدنى للرواتب.
أما أن تستمر الدولة في تأمين كهرباء غير كافية، ثم تطلب من المواطن أن يواجه وحده صاحب المولد، فهذه ليست استعادة للسلطة، بل إعادة توزيع للأزمة.
اليوم، الكرة في ملعب الحكومة. فإما أن تكون حملة السراي بداية فعلية لاستعادة قطاع الكهرباء من “الدولة الموازية” التي نشأت في الأحياء والمناطق، وإما أن تنتهي، كما انتهت حملات سابقة، بجولات تفتيش ومحاضر ضبط وبعض المصادرات، ثم يعود كل شيء إلى مكانه: الدولة غائبة، المولد حاضر، والمواطن يدفع.
لأن المطلوب في النهاية ليس دولة تصادر المولدات، بل دولة لا يحتاج المواطن أصلًا إلى مولد كي يعيش.


