هل يمكن أن تكون زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أثينا قد أحدثت “نقزة” في أنقرة؟ لا معلومات عن موقف تركي رسمي، ولا ما يثبت أن الزيارة كانت تستهدف تركيا، لكن توقيتها والوقائع التي أحاطت بها يفتحان الباب أمام سؤال مشروع: هل بدأ لبنان، من حيث لا يقصد، يلامس خطوطاً حساسة في صراع النفوذ بشرق المتوسط؟
المسألة لا تتعلق بالعلاقات اللبنانية – اليونانية في حد ذاتها، وهي علاقات طبيعية لا يفترض أن تثير أي حساسية. لكن زيارة عون إلى أثينا جاءت في توقيت شديد الدلالة. ففي 31 آب، اليوم الذي كان فيه الرئيس اللبناني يجري محادثاته في اليونان، كانت اليونان و”إسرائيل” توقعان اتفاقاً دفاعياً ضخماً بقيمة نحو ثلاثة مليارات يورو لإنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي “متعددة الطبقات” في اليونان، أطلق عليها “درع أخيل”. وهو أكبر اتفاق دفاعي في تاريخ العلاقات بين اليونان و”إسرائيل”.
وفي المقابل، كان عون يطلب من رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس دعم لبنان في تنفيذ “اتفاق الإطار” مع “إسرائيل”، والتشديد على تطبيقه من الطرفين.
الإعلام التركي تعامل مع التطورات المحيطة بالزيارة بحذر، وإن من دون موقف صريح منها.
وكالة “الأناضول” التركية رصدت الاتفاق، وركّزت على أنه لا يقتصر على شراء أسلحة، بل ينص على إقامة شبكة دفاع جوي إسرائيلية متعددة الطبقات في اليونان، تضم “سبايدر” و”باراك إم إكس” و”مقلاع داوود”، مع دمجها بأنظمة الدفاع القائمة، بما فيها “باتريوت”، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحديد التهديدات.
أما صحيفة “سوزجو”، وهي من أكثر الصحف التركية اهتماماً بالبعد التركي ـ اليوناني للصفقة، فكانت أكثر وضوحاً. فقد ركزت على أن الصواريخ والمنظومات الإسرائيلية ستنتشر في الجزر اليونانية، وربطت ذلك مباشرة بالتوتر حول مناطق الصلاحية البحرية بين تركيا واليونان. كما سبق للصحيفة أن نشرت تقارير عن تحويل الجزر اليونانية إلى مواقع عسكرية محصنة تحت الأرض لمواجهة التفوق التركي في الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وفي قراءة أخرى، ربط الإعلام التركي التعاون اليوناني ـ الإسرائيلي بمسار أوسع في شرق المتوسط. فصحيفة “يني شفق” اعتبرت أن مشروع “درع أخيل” يكشف بصورة متزايدة عن تحوّل “إسرائيل” إلى ركيزة في بناء القوة العسكرية اليونانية، وصولاً إلى الحديث عن “تحالف عسكري” بين تل أبيب وأثينا في مواجهة تركيا.
وليس هذا التطور منفصلاً عن ملف قبرص. فتركيا سبق أن اعترضت بشدة على اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، معتبرة أنه يمس حقوق ومصالح “جمهورية شمال قبرص التركية”. كما رأت تركيا في العلاقة المتنامية بين قبرص واليونان و”إسرائيل” جزءاً من ترتيبات استراتيجية في شرق المتوسط.
هنا تكمن المفارقة.
لبنان يطلب من اليونان، التي دخلت في اليوم نفسه تقريباً في شراكة دفاعية استراتيجية غير مسبوقة مع “إسرائيل”، أن تساعده في التعامل مع “إسرائيل”. واليونان، التي تعزز قدراتها العسكرية بالتعاون مع تل أبيب، تعلن في الوقت نفسه رفع مستوى علاقاتها مع بيروت إلى شراكة استراتيجية.
قد لا يكون في الأمر أي تنسيق خفي، وقد يكون مجرد تزامن فرضته روزنامة الزيارات والاتفاقات. لكن السياسة الإقليمية لا تقرأ الأحداث منفردة، خصوصاً في منطقة تتداخل فيها حسابات تركيا واليونان وقبرص و”إسرائيل”.
فأنقرة تنظر منذ سنوات بحساسية إلى التعاون اليوناني – القبرصي – الإسرائيلي في شرق المتوسط، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالطاقة والحدود البحرية والترتيبات الأمنية. وهي كانت قد أبدت، خلال التواصل مع الرئيس عون نفسه، اهتماماً واضحاً بموقف لبنان من القضايا المتعلقة بقبرص، فيما أكد عون قبل زيارته إلى تركيا أن التنسيق معها “ضرورة استراتيجية”.
ومن هنا، فإن السؤال ليس لماذا زار عون اليونان، فهذا حق طبيعي للبنان، بل كيف يمكن أن تُقرأ الزيارة في أنقرة؟ خصوصاً أن لبنان لا يملك ترف الدخول في محاور جديدة. وهو يحتاج إلى تركيا كما يحتاج إلى اليونان وفرنسا والسعودية والولايات المتحدة، وإلى علاقات متوازنة مع الجميع، لا إلى الانتقال من محور إلى آخر. فهل حسب لبنان حساب موقع اليونان في الصراع التركي ـ الإسرائيلي المتصاعد في شرق المتوسط؟
أما المساعدة العسكرية اليونانية، فلا تبدو في حد ذاتها عاملاً استراتيجياً يستحق كل هذا الاهتمام. فالمعدات التي تسلّمها الجيش اللبناني هي 13 ناقلة جند M113 و10 آليات STEYR، من المخزون الفائض للجيش اليوناني، وقد خضعت للصيانة قبل تسليمها. وهي مساعدة مفيدة للجيش، لكنها لا تغير ميزان قدراته العسكرية.
لذلك، فإن قيمة الزيارة ليست في هذه الآليات، بل في الموقع السياسي الذي قد تمنحه أثينا لبيروت.
والمفارقة الأكبر أن اليونان التي تستطيع أن تكون قناة اتصال بين لبنان و”إسرائيل”، هي نفسها التي تعزز تحالفها الدفاعي مع تل أبيب، في وقت تتعامل فيه تركيا مع هذا التحالف باعتباره جزءاً من معادلة أمنية أوسع في شرق المتوسط.
لا يعني ذلك أن تركيا غاضبة من لبنان، ولا أن عون قصد استفزازها. بل ربما لا تكون هناك “نقزة” تركية أصلاً. لكن مجرد الاضطرار إلى طرح السؤال يكفي للدلالة على حساسية التوقيت.
لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى سياسة تقوم على توسيع شبكة أصدقائه، لا على إرباكهم. وإذا كان من حقه أن يفتح أبوابه لليونان، فمن الطبيعي أن تراقب تركيا أيضاً اتجاه هذه العلاقة، خصوصاً عندما تتقاطع مع علاقة أثينا المتنامية مع “إسرائيل”.
ويبقى السؤال الأهم: هل كانت زيارة أثينا مجرد انفتاح لبناني على دولة أوروبية متوسطية، أم أنها خطوة ستُقرأ في أنقرة ضمن خريطة التحالفات الجديدة في شرق المتوسط؟
حتى الآن، لا جواب حاسماً. لكن “النقزة”، قد لا تكون ظهرت بعد في البيانات الرسمية، وربما تحتاج إلى وقت حتى تتحول من صمت دبلوماسي إلى موقف سياسي.


