مع بداية شهر أيلول، لم تكن فاتورة الكهرباء وحدها في انتظار اللبنانيين، بل فاتورة أخرى أشدّ وطأة، تحملها المولدات الخاصة التي تحوّلت، في ظل الانقطاع شبه الكامل للتيار الرسمي في عدد كبير من المناطق، إلى أمر واقع لا يملك المواطن حياله سوى الدفع.
ومع انتهاء شهر آب، ارتفعت صرخة المواطنين في مختلف المناطق اللبنانية اعتراضًا على فواتير الاشتراك التي سجّلت أرقامًا صادمة، في وقت لم تعد فيه المولدات تلتزم، في كثير من الحالات، بالتسعيرة التي تحددها الدولة، فيما لجأ بعض أصحاب المولدات إلى تسعير الكيلووات بأكثر من ضعف التسعيرة الرسمية.
وهكذا، يجد اللبناني نفسه أمام معادلة عبثية، كهرباء الدولة غائبة، وكهرباء المولدات حاضرة، ولكن بكلفة تلتهم ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال…
وزارة الاقتصاد تحدد تسعيرة رسمية للكيلووات، يفترض أن تشكّل سقفًا ينظّم العلاقة بين صاحب المولد والمشترك. لكن الوقائع على الأرض تقول شيئًا آخر.
ففي معظم المناطق، لا تبدو التسعيرة الرسمية أكثر من رقم على ورق، فيما يفرض أصحاب المولدات أسعارًا أعلى، مستفيدين من حاجة المواطن إلى الكهرباء ومن غياب البديل الفعلي.
والأخطر، أن المسألة لا تقف عند تجاوزات فردية لأصحاب المولدات، ففي العديد من المناطق اللبنانية، وخصوصاً في مدينة طرابلس وبعض مناطق الشمال، عمدت بلديات عدة إلى وضع تسعيرات للكيلووات مخالفة للتسعيرة الصادرة عن وزارة الاقتصاد، وهنا لا تعود الحكاية مجرد صاحب مولّد يرفع السعر.
كما أن بعض الأجهزة الأمنية، تغطّي رفض أصحاب المولدات تركيب عدّادات وإصرارهم على المقطوعية وبأسعار خيالية وتقنين قاسٍ.
هنا تصبح القضية أكثر خطورة، من يفترض أن يحمي المواطن، بات هو نفسه يشرّع له سعرًا مخالفًا للتسعيرة الرسمية، أو يحميه في مخالفاته!
فالبلدية، بوصفها سلطة محلية، يفترض أن تكون الأقرب إلى الناس، كان يفترض أن تكون ملاذ المواطن عندما يشعر أنه يتعرض للاستغلال. فإذ بها، في بعض الحالات، تتحول إلى طرف في معادلة التسعير بدل أن تكون جهة رقابة وحماية.. أيّ لامركزية هذه التي يُترك فيها المواطن أمام أكثر من سلطة، وكل سلطة تقول له ادفع؟
والأجهزة الأمنية التي توزّع يومياً أخباراً عن ضبط مولدات لا تلتزم بالتسعيرة الرسمية، يبدو أنها تتعامل مع أصحاب مولدات بـ”زيت” وآخرين بـ”سمنة”.
في العاصمة بيروت، تزيد تسعير أصحاب المولدات عن السعر الرسمي بحدود 40%.
وفي الضاحية الجنوبية، وبعدما وجد مواطن أن صاحب المولد يفرض عليه سعرًا للكيلووات يزيد 40 سنتًا عن التسعيرة الرسمية، قصد البلدية لتقديم شكوى.الرجل لم يطلب أكثر من تطبيق التسعيرة التي تحددها الدولة، لكنه طلب عدم ذكر اسمه، خوفًا من أن يتعرض للتهديد أو الأذى من صاحب المولد. أما الرد الذي تلقاه من البلدية فجاء صادمًا: “اسمك بدو ينذكر، تحمّل نتيجة أفعالك، ما خصنا”.
إذا كانت البلدية لا تتدخل، والأجهزة الأمنية تتغافل، فمن يتدخل؟ وإذا كانت وزارة الاقتصاد تحدّد التسعيرة، فمن يراقب تنفيذها؟ وإذا كان المواطن يخشى من تقديم شكوى خوفًا على سلامته، فمن يضمن له الحماية؟
الأسئلة كثيرة، لكن الجواب واحد، المواطن متروك وحيدًا في مواجهة منظومة كاملة.
وفي بلدية أخرى، كان الرد على شكوى مواطن من ارتفاع الفاتورة أكثر اختصارًا:
“المازوت غالي.. شو بيعملك؟ كيف بيصرف صاحب الموتير؟”.
لكن السؤال الذي يبدو أن أحدًا لا يريد طرحه هو: من قال إن راتبه ارتفع مع ارتفاع سعر المازوت؟ من قال إن دخله ارتفع مع ارتفاع كل فاتورة وكل سلعة وكل خدمة؟
ولماذا يصبح المواطن مطالبًا دائمًا بأن “يتفهم” كلفة صاحب المولد، فيما لا يجد أحد ضرورة لتفهّم كلفة الحياة التي يدفعها هو؟
أحد أصحاب المطاعم في الضاحية الجنوبية نشر صورة فاتورة اشتراك الكهرباء الخاصة بمطعمه، والتي تجاوزت 11 ألف دولار… رقمٌ كفيل وحده بأن يختصر حجم الكارثة!
فإذا كان هذا هو العبء الذي تتحمله مؤسسة تجارية، فكيف بالمحال الصغيرة؟ وكيف بالمطاعم التي تعمل بهوامش ربح محدودة؟ وكيف بالمنازل التي يعيش أصحابها أصلًا على دخل بالكاد يكفي أساسيات الحياة؟
المشكلة أن الكهرباء لم تعد خدمة، بل أصبحت ضريبة إضافية على البقاء، حيث يدفع المواطن فاتورة الدولة عندما تصل الكهرباء، ويدفع فاتورة المولد عندما تنقطع، ويدفع فوقهما فواتير الصيانة والاشتراك والعدادات، ثم يُطلب منه أن يتفهم ارتفاع الأسعار لأن “المازوت غالي”.. وكل شيئ “غلي سعره”.. إلا المواطن!


