في لحظة إقليمية تتداخل فيها الجغرافيا السورية بالجنوبية، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ تحت عناوين حماية الأقليات والأمن والحدود، اختار المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز أن يرفع سقف خطابه السياسي، من دون أن يحوّله إلى اصطفاف مباشر مع أي محور.
بيان المجلس، برئاسة شيخ العقل الشيخ سامي أبي المنى، لا يكتفي بتسجيل موقف من التطورات الأخيرة، بل يرسم، بهدوء محسوب، حدودًا سياسية لحركة الطائفة وموقعها في المرحلة المقبلة. وما يميّز البيان ليس فقط ما يقوله، بل أيضًا ما يتعمّد عدم قوله.
في المسألة السورية، تبدو الرسالة الأكثر حساسية موجهة إلى كل خطاب يحاول تقديم “إسرائيل” بوصفها مظلة حماية للدروز أو تحويل وضعهم في سوريا إلى قضية أمنية إسرائيلية. فالمجلس لا يرفض هذا الطرح باعتباره تفصيلًا سياسيًا فحسب، بل يواجه أساسه الفكري: محاولة فصل الدروز عن محيطهم العربي والإسلامي.
لهذا لم تكن عبارة “الانتماء العربي الإسلامي” عابرة في البيان. إدراجها في مقدمة الموقف يعني أن المجلس يريد تثبيت هوية الطائفة قبل الدخول في أي نقاش أمني أو سياسي. فالخلاف، وفق هذه المقاربة، ليس فقط على جهة الحماية، بل على تعريف الدروز أنفسهم: هل هم جماعة تبحث عن مظلة خارجية تحمي خصوصيتها، أم مكوّن أصيل في مجتمعاتها الوطنية والعربية؟
لكن البيان لا يقع في الجهة المقابلة من المعادلة، أي في تبنّي السلطة السورية بلا شروط. وهذه ربما إحدى أهم إشاراته السياسية. فعندما يتحدث عن الاعتداء على أبناء الطائفة “من أي جهة كانت”، ويرفض التخوين والتكفير والتعميم، فهو يبعث برسالة ثانية لا تقل أهمية عن الأولى: رفض المشروع الإسرائيلي أو التقسيمي لا يعني إسقاط هواجس الدروز أو مطالبتهم بالصمت حيال ما يتعرضون له.
وهنا تحديدًا يحاول المجلس حماية الدروز بانتمائهم العربي والاسلامي، من بيئتهم العربية الإسلامية. فهو لا يريد أن تتحول المخاوف الأمنية التي يعيشها الدروز إلى بوابة للتدويل أو الاستقواء بـ”إسرائيل”، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن تتحول الدعوة إلى الوحدة الوطنية إلى ذريعة لتجاهل هذه المخاوف.
أما في لبنان، فتبدو الرسالة أكثر حسمًا: الوقوف “المطلق” إلى جانب الدولة، والدعوة إلى الالتفاف حول الجيش والقوى الأمنية وتمكينها من ممارسة مهامها على كامل الأراضي اللبنانية.
وإذا كانت الرسالة السورية تقول إن حماية الدروز لا تكون عبر “إسرائيل”، فإن الرسالة اللبنانية تقول، بصورة موازية، إن حماية لبنان واستقراره لا تكون عبر تكريس واقع أمني خارج مؤسسات الدولة.
وفي الجنوب، يتعمد المجلس الجمع بين مسارين يصعب أحيانًا جمعهما في الخطاب السياسي اللبناني: التشدد في رفض الاعتداء الإسرائيلي، والتمسك في الوقت نفسه بالمرجعيات الدولية وبالدولة اللبنانية.
فالمطالبة بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار ووقف تدمير القرى الجنوبية تأتي إلى جانب رفض “اتفاق الإطار” والدعوة إلى العودة إلى اتفاقية الهدنة والالتزام بالقرار 1701، وصولًا إلى التشديد على استعادة الدولة دورها وبسط سلطتها حتى الحدود الدولية.
هذه الصياغة تحمل رسالة مزدوجة: لا تسوية على حساب السيادة اللبنانية، لكن لا معالجة للسيادة خارج مؤسسات الدولة والمرجعيات القانونية الدولية.
المجلس يعلن تضامنه مع الجنوبيين وتمسكهم بأرضهم، لكنه لا يدخل في تبنّي خطاب عسكري أو يربط حماية الجنوب حصراً بخيار جهة سياسية بعينها. إنه يضع القضية في إطار وطني: أهل الجنوب لهم حق في أرضهم، و”اتفاق الإطار” لا يعطيهم هذا الحق، و”إسرائيل” مطالبة بالانسحاب استناداً إلى اتفاقية الهدنة وليس أي اتفاق آخر انزلقت إليه السلطة السياسية، والدولة مطالبة باستعادة دورها.


