تستعيد سوريا تدريجياً موقعها الجغرافي كممر رئيسي للتجارة بين الخليج وأوروبا وآسيا، بعد سنوات من الحرب التي حولتها من عقدة تجارية مهمة إلى ساحة للصراعات وتجارة المخدرات ونقل السلاح. ومع عودة حركة التجارة والاستثمارات، تواجه دمشق تحدياً أساسياً يتمثل في إدارة الأموال الأجنبية ومنع تحول مشاريع إعادة الإعمار إلى مدخل جديد للنفوذ الخارجي.
وفي تقرير نشرته مجلة “فورين أفيرز”، قال الباحثان جيسي ماركس ونيكولاس لايال إن سوريا كانت قبل حرب عام 2011 ملتقى تجارياً يربط العراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، ويوفر صلة بين الخليج والأسواق الأوروبية، قبل أن تتحول خلال الحرب إلى مركز لتجارة المخدرات وممر لنقل الأسلحة الإيرانية إلى لبنان.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، بدأت التجارة الإقليمية بالعودة تدريجياً، بالتزامن مع سعي السلطات الجديدة إلى إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية. ووفق الجمارك السورية، عبرت البلاد حتى آب/ أغسطس 2025 نحو 327 ألف شاحنة حملت أكثر من سبعة ملايين طن من البضائع، فيما بدأت دول عربية وإقليمية، بينها الأردن وقطر والسعودية وتركيا، تطبيع علاقاتها الاقتصادية مع دمشق.
لكن إعادة تنشيط التجارة لا تكفي وحدها، إذ قدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد عام 2024.
وتسعى دمشق إلى استثمار موقعها وشبكة طرقها وموانئها في إعادة بناء دورها الإقليمي، عبر مشاريع تشمل إعادة إحياء سكة حديد الحجاز، التي اتفقت الأردن والسعودية وسوريا وتركيا على تطويرها خلال ثلاث إلى أربع سنوات، إضافة إلى إعادة تأهيل خط أنابيب النفط “كركوك-بانياس”. وقد تتيح هذه المشاريع للعراق تصدير جزء كبير من نفطه بعيداً عن مضيق هرمز، وتعزز موقع سوريا في شبكة الممرات التجارية والطاقة الإقليمية.
غير أن هذه الفرصة تحمل مخاطر كبيرة. فالتنافس السعودي-التركي والإماراتي، والقلق الإسرائيلي من تنامي الدور التركي والسوري، قد يحول الممرات الجديدة إلى ساحة صراع إقليمي. ويحذر التقرير من أن “إسرائيل” قد تسعى إلى عرقلة مشاريع تقلل من دورها في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، خصوصاً بعدما أظهرت استعداداً لاستخدام القوة في سوريا.
كما أن خطر النفوذ الخارجي لا يقتصر على الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد. فالحكومة السورية الجديدة منحت المستثمرين الأجانب حقوق ملكية واسعة وحوافز ضريبية وجمركية، لكن تركيز صلاحيات منح التراخيص وتخصيص الأراضي والحوافز في مؤسسات مرتبطة بالرئاسة قد يؤدي، في غياب الرقابة المستقلة، إلى إعادة إنتاج نموذج استخدام الاقتصاد لخدمة الولاءات السياسية.
وترى “فورين أفيرز” أن أمام دمشق فرصة نادرة للاستفادة من التنافس بين أوروبا ودول الخليج وتركيا والولايات المتحدة والصين وروسيا، للتفاوض على شروط تضمن بقاء الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية للاستثمارات داخل سوريا.
وفي المحصلة، أعاد الموقع الجغرافي لسوريا إليها بعضاً من أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية. لكن نجاح دمشق في تحويل هذا الموقع إلى قوة اقتصادية يتوقف على قدرتها على إدارة التنافس الدولي، وضمان عدالة توزيع عوائد الاستثمارات، ومنع تحول مشاريع إعادة الإعمار والممرات التجارية إلى أدوات نفوذ جديدة على القرار السوري.


