
| محمد خواجوئي |
يخيّم هدوء حذر على جبهات المواجهة بين واشنطن وطهران، في ظل مؤشرات إلى هدنة غير معلَنة فرضها بلوغ حملة القصف «حدّها الأقصى»، بالتوازي مع رهان يبدو متبادلاً على المسار التفاوضي الذي تقوده المحادثات الإيرانية – العُمانية لإدارة ملف مضيق هرمز.
بعد أكثر من أسبوعَين من التصعيد العسكري الحاد بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما في مضيق هرمز والخليج، خيّم هدوء نسبي على الجبهات منذ ثلاثة أيام، في انتظار اتضاح اتجاه القرار الأميركي: بين العودة إلى التصعيد أو إحياء المسار الدبلوماسي. وتتباين الروايات حول أسباب هذا الانكفاء؛ ففيما تربط وسائل إعلام أميركية، بينها صحيفة «نيويورك تايمز»، التراجع بقلق المسؤولين داخل الإدارة من «تضاؤل مخزونات الصواريخ الاعتراضية لمنظومات “باتريوت” وغيرها من ذخائر الدفاع الجوي في الشرق الأوسط»، على نحو دفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى تجميد خطط التصعيد الواسع، تتحدث رواية أخرى، تبنّاها موقع «أكسيوس» مثلاً، عن قرار الرئيس «منْح الدبلوماسية» فرصة إضافية.
ونقل الموقع المذكور، عن مصدرَين، أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، أوصى «البنتاغون» و«هيئة الأركان المشتركة» والبيت الأبيض بـ«وقف حملة القصف في محيط مضيق هرمز، لأنها بلغت الحدّ الأقصى من فعاليتها»، مشيراً إلى أن أسبوعَين من الضربات هناك «أضعفا بشكل كبير قدرة إيران على مهاجمة السفن»، وأن «الخطوة التالية المحتملة قد تكون استئناف عمليات قتالية واسعة النطاق لاستكمال استهداف الـ20% من الأهداف التي حدّدها الجيش الأميركي لكنه لم يقصفها خلال “عملية الغضب الملحمي”».
واعتبر كوبر أنه «في حال عدم اتخاذ قرار بالعودة إلى عمليات قتالية واسعة، فلا جدوى من مواصلة حملة القصف التي استمرّت خلال الأسبوعين الماضيين»، بحسب المصدرين. ورغم تأكيد البيت الأبيض، أمس، أن ترامب «يفضّل» الحلّ الدبلوماسي، فإنه شدّد، في الوقت نفسه، على أن «جميع الخيارات تبقى مطروحة» إذا ما واصلت إيران تحركاتها في مضيق هرمز.
الثابت، حتى الآن، هو أن أسبوعين من الضربات الأميركية المكثفة التي استهدفت المدن الإيرانية الجنوبية المطلّة على الخليج و«هرمز»، فشلت في تحقيق غايتها المتمثّلة بكسر قدرة طهران على التحكم في هذا الشريان الحيوي؛ وهو طرحٌ يعزّزه ما أورده «أكسيوس» حول بلوغ حملة القصف «حدّها الأقصى»، والذي دفع الإدارة الأميركية نحو مراجعة خياراتها، وبحث حسمها: إمّا بالذهاب نحو تصعيد نوعي وكمّي في الأيام المقبلة، أو التسليم بعقم المسار العسكري والعودة إلى قنوات الدبلوماسية وتفعيل تفاهمات 18 حزيران.
على المقلب الإيراني، قوبِل التراجع الأميركي بمرونة مماثلة؛ إذ أعلن المتحدث باسم الجيش، محمد أكرمي نيا، أمس، أن استراتيجية بلاده، في هذه المرحلة، تقوم على «الردّ بالمثل»، مشيراً إلى أنه بعد توقف الغارات الأميركية خلال الليلتين الماضيتين، «أوقفنا نحن أيضاً عملياتنا».
وفي تطور ميداني متصل، نقلت وكالة «مهر»، عن مصدر مطلع، قوله إن ناقلة نفط انفجرت بعد اصطدامها بلغم بحري إثر خروجها عن المسار الذي حددته الجمهورية الإسلامية في المضيق. وأشار المصدر إلى أن طهران كانت حذّرت مسبقاً من أن السفن التي لا تلتزم بالمسارات المعلنة تتحمّل مسؤولية ما يترتب على ذلك من تبعات.
وكانت جولة التصعيد الأخيرة بدأت بعدما أقدمت واشنطن، بالتعاون مع مسقط، على إعادة فتح المسار الجنوبي أمام حركة العبور في «هرمز»، وهو ما اعتبرته طهران انتهاكاً لـ«البند الخامس» من تفاهم «18 حزيران»، والذي يمنحها، بحسب التفسير الإيراني، حق تحديد مسارات العبور خلال الأيام الثلاثين الأولى من تنفيذ التفاهم -على أن تنتقل إدارة العبور بعد ذلك إلى آلية مشتركة مع السلطنة-.
وفي هذا السياق، شهدت الأيام الماضية مشاورات بين إيران وسلطنة عُمان، باعتبارهما الدولتَين المشرفتَين على «هرمز». وإذ أكّد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أنه «لا تغيير حتى الآن في وضع الملاحة» في المضيق، فهو أكد أن نائبَي وزيرَي خارجية البلدين عقدا، يومَي الجمعة والسبت، عدة جولات من المحادثات في طهران تناولت «المبادئ المشتركة والآليات التنفيذية لإدارة العبور الآمن للملاحة في مضيق هرمز». وأشار بقائي إلى أن المحادثات «كانت مفيدة وأحرزت تقدماً»، معلناً مغادرة الوفد العُماني طهران السبت، توازياً مع استمرار المشاورات الفنية والسياسية بين الجانبين. وكانت تقارير سابقة تحدثت عن «تقدم ملموس» في المفاوضات، مرجّحةً توصّل الطرفَين إلى «اتفاق بشأن إنشاء آلية جديدة لإدارة العبور وإعادة فتح مضيق هرمز».
في هذا الوقت، تلقي الزيارة التي يبدأها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى الولايات المتحدة، غداً الثلاثاء، بظلالها على «هدوء» الجبهات. إذ فيما يقول نتنياهو إن الملف الإيراني سيكون في صدارة مباحثاته هناك، يبدو أنه سيحاول، مجدداً، دفع الإدارة الأميركية نحو استئناف الخيار العسكري ضدّ إيران، لا سيما في ظلّ اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وما قد يشكله التصعيد من عامل لبقائه في السلطة. وفي هذا الإطار، أفادت تقارير بأن نتنياهو يعتزم عرض معلومات يدّعي أنها «تثبت» استئناف طهران العمل على برنامجها النووي، رغم الضربات التي تعرضت لها خلال حزيران الماضي.
في غضون ذلك، دخلت أوكرانيا على خطّ النزاع مع إيران، في تطوّر لافت يثير تساؤلات كثيرة حول أسبابه ودوافعه. إذ أعلنت كييف، السبت، استهداف سفينتَين روسيتَين في بحر قزوين، قالت إنهما كانتا تنقلان شحنات عسكرية مرتبطة بإيران، بينما أكدت طهران أن إحدى السفينتَين المستهدفتَين تجارية إيرانية، وأن الهجوم أدى إلى مقتل بحّار وإصابة آخرين. ومن جهته، دعا وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، «الاتحاد الأوروبي» إلى محاسبة أوكرانيا، فيما استدعت الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال الأوكراني في طهران. وفي المقابل، زعم الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، امتلاك معلومات عن تعاون استخباري إيراني – روسي خلال الهجمات الإيرانية الأخيرة على القواعد الأميركية، معلناً عزمه تسليمها إلى شركاء بلاده.
ويبدو أن التحرّك الأوكراني يندرج ضمن أحد احتمالَين: إمّا محاولة ربط الحرب مع روسيا بالمواجهة الأميركية – الإيرانية لاستقطاب مزيد من الدعم الغربي، ولا سيما الأميركي؛ أو تحوّل كييف إلى أداة ضغط أوروبية بالوكالة على طهران، في ظلّ تصاعد امتعاض العواصم الأوروبية من التعاون العسكري الإيراني – الروسي، وما خلّفته أزمة «هرمز»، بدورها، من ضغوط اقتصادية كبيرة على تلك العواصم. إذ يمثّل هذا الوضع دافعاً قوياً بالنسبة إلى الأوروبيين لتصعيد الضغط على إيران وروسيا في آن واحد، وتدويل المواجهة أيضاً، وفقاً للرغبة الأميركية.


