
| رلى ابراهيم |
بعد قرابة الشهر على تقاعد رئيس هيئة الشراء العام جان عليّة، لبلوغه السنّ القانونية، لم يعد السؤال متى تُعيِّن حكومة نواف سلام رئيساً وأعضاءً (شغل عليّة مكانهم منذ بدء عملها في 29 تموز 2022) لها. وإنما، هل توجد نية مُبيّتة لتعطيل إحدى أهم الجهات الرقابية على الإنفاق العام والمناقصات العمومية، بما يخدم الوزراء المُتلَهِّفين للهروب من الراقبة على وزاراتهم؟
في التفاصيل، تبلّغ رئيس الحكومة قبل قرابة أربعة أشهر بأن عليّة سيتقاعد في أوّل تموز، وقبلها جرى إعلامه بضرورة تعيين أعضاء الهيئة. غير أن سلام لم يهتم، ما أوقع الهيئة اليوم في شَلَلٍ كامل. هكذا، باتت الوزارات اليوم تتظاهر بالالتزام بقانون الشراء العام. فتنشر إعلانات المناقصات على الموقع الإلكتروني للهيئة، مع علم المعنيين المُسبق أنها غير قادرة على ممارسة مهامها.
باختصار، تتابع السلطة التنفيذية عملها كالمعتاد، بينما العمل الرقابي مُعطّل بالتواطؤ بين سلام ومجلس الخدمة المدنية. ففي 15 أيار الفائت، أعلن المجلس فتح المجال لملء الشغور في مراكز رئيس متُفرِّغ وأربعة أعضاء للهيئة، مُحدِّداً 5 حزيران موعداً لانتهاء مهلة تقديم الطلبات.
غير أن المجلس غطّ في نوم عميق لغاية 1 تموز، حين بدأ إجراء المقابلات بالتزامن مع تقاعد عليّة. كان يُفترض بعدها أن ترسل رئيسة المجلس نسرين مشموشي النتائج إلى رئيس الحكومة ليطرحها في جلسة لمجلس الوزراء. إلّا أن مشموشي تجاهلت الأصول القانونية المُحدّدة في المادة 78 من قانون الشراء العام، وأعادت فتح باب تقديم الطلبات مرة أخرى في 6 تموز! وعندما سألها بعض النواب عن ذلك، برّرت مشموشي بأنها مدّدت مهلة تقديم الطلبات بناءً على طلب رئيس الحكومة، علماً أن الاجتهاد الذي يُتيح التمديد لا يصحّ في هذه الحالة، لأن إعادة فتح باب تقديم الطلبات تمّ بعد انقضاء شهر على المهلة الأولى.
وعلمت «الأخبار» من مصادر مطّلعة أن أحد أسباب إسقاط الترشيحات الأولى وإعادة استقبال طلبات جديدة يكمن في رغبة سلام بتعيين اسم مُحدّد في موقع الرئاسة. ولذا، لم يجد مشكلة في مخالفة القانون، لإيصال المقرّبين من السلطة الحاكمة إلى المواقع الرقابية. فيضمن بذلك «حُسن وسرعة سير أعمال الدولة».
وكانت حكومة سلام قد تجاهلت اقتراح وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي تمديد ولاية رئيس الهيئة بصورة استثنائية إلى حين إنجاز التعيينات، لتجنّب الفراغ في هذه الهيئة الرقابية. يُذكر أن عليّة ترأّس الهيئة منذ تأسيسها، بعدما لعب دوراً أساسياً في إنشائها من موقعه السابق كمدير عام لإدارة المناقصات. وهي الإدارة التي ألغاها قانون الشراء العام، ونصّ على نقل ملاكها والعاملين فيها إلى هيئة الشراء العام، المشكلة بموجب القانون المذكور. وبموجب المادة 88 منه، بات عليّة رئيساً للهيئة، مع تسلّمه مهام أعضائها إلى حين تعيينهم. ولكن تعذّر هذا التعيين نتيجة تحوّل حكومة نجيب ميقاتي يومها إلى تصريف الأعمال.
هكذا، أدار عليّة عمل الهيئة بمفرده. ورغم كل الضغوطات السياسية التي مورست عليه، نجح في إبعادها عن الخلافات السياسية. وفي هذا السياق، يُجمِع المسؤولون من مختلف التوجّهات السياسية على أن الرجل يتمتع بمناقبية عالية وحرص على تطبيق القانون بحذافيره، حتى بات مرجعاً استشارياً للإدارات العامة والبلديات، قبل إجرائها أي عمليات شرائية.
هذا الإرث سيُصعِّب مهمة خلفِه، فيما يُبدي البعض خشيةً من تهميش دور الهيئة مستقبلاً، أو تطويعها لخدمة الرغبات السياسية. لذا، تقدّمت النائبة بولا يعقوبيان قبل يومين بسؤال إلى الحكومة للاستفسار عن سبب التأخير في تعيين رئيس وأعضاء هيئة الشراء العام «رغم أن تاريخ تقاعد رئيسها معلوم منذ سنوات»، مشيرةً إلى أن قانون الشراء العام «هو أحد الإصلاحات الرئيسية التي التزمت بها الدولة اللبنانية أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وتقويضه هو تقويض للثقة بالدولة وأجهزتها كافة».
كذلك، وجّه النائب القواتي جورج عقيص أسئلة إلى الحكومة حول تأخّر اللجنة المُكلّفة في مقابلة المرشحين ورفع تقريرها، وعن النص القانوني المُستَند إليه في تمديد مهلة الترشّح، ودور مجلس الخدمة المدنية في هذا الصدد. وختم بالسؤال عمّا إذا كانت الحكومة ستكشف نتائج المقابلات لطمأنة الرأي العام، وتأكيد التزامها العنوان الإصلاحي الذي ترفعه منذ تشكيلها.


