
| عمر نشابة |
رحل المناضل الأممي كوزو أوكاموتو. الخبر ليس أمراً عابراً في شريط عاجل، بل نبأ قيل لمن عرفه، وقرأ في عينيه حكاية أكبر من رجل واحد، يتجاوز فعله حدود بلده اليابان، ويفوق حجم لبنان وفلسطين. برحيل كوزو ينطفئ جسد أنهكه تعذيب سجون العدو الإسرائيلي وأتعبه المرض، هو الذي تبنّى آلام الشعبين الفلسطيني واللبناني وكأنها آلامه.
جاء الرفيق كوزو من اليابان، من مسافة بعيدة جداً عن اللد وغزة والقدس وبيروت، في زمن كانت فيه الثورة الفلسطينية تستقطب مناضلين وأطباء وكتّاباً ومتطوعين من كل أنحاء العالم لنصرة القضية الفلسطينية التي تبقى القضية المركزية للصراع ضد الاستعمار والعنصرية والصهيونية.
ولد كوزو أوكاموتو في اليابان في السابع من كانون الأول العام 1947، كان طالباً في علم النبات قبل أن يلتحق بالجيش الأحمر، الذي كان يعتمد العنف الثوري المسلح ضد الاستعمار. وقاده نضاله الطويل إلى تعلم العربية، الإنكليزية، العبرية، الصينية والروسية. وقد وصل مع رفاقه إلى لبنان في مطلع سبعينيات القرن الماضي، منخرطين في برامج عمل مشتركة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، انطلاقاً من أن تحرير فلسطين ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم بل جزء من معركة أحرار العالم ضد الهيمنة والاستعمار.
في 30 أيار 1972، شارك كوزو مع رفيقيه ياسودا ياسويوكي وأوكودا تسويوشي في عملية فدائية في مطار اللد (مطار بن غورويون). استشهد رفيقاه وجرح هو واعتقله جنود العدو الإسرائيلي. كان في الرابعة والعشرين من عمره يوم وقع في الأسر. خضع للتحقيق والتعذيب الشديدين، ثم أصدرت محكمة العدو الإسرائيلية بحقّه حكماً بالسجن المؤبد لثلاث مرات. أمضى كوزو مدة طويلة من اعتقاله في ظروف عزل قاسية حيث حُشر قرابة عشر سنوات في زنزانة انفرادية تحت الأرض في سجن الرملة.
في العام 1985، بعد ثلاثة عشر عاماً من الأسر، تحرر ضمن صفقة تبادل مع المقاومة الفلسطينية. لم يكن تحريره من السجن عودة إلى الحياة الطبيعية. خرج وهو يحمل آثار السجن والتعذيب في جسده ونفسه ويعيش مطارداً قبل أن يستقر في لبنان. قبل أن يواجه مع رفاقه معركة أخرى، عندما خضعت السلطة في لبنان، لاتفاقية غير أخلاقية، فتمّ اعتقاله مع عدد من رفاقه اليابانيين عام 1997، ولوحق بتهمة الإقامة غير الشرعية.
وبعد انتهاء مدة سجنه عام 2000 رحّلت السلطات اللبنانية رفاقه إلى اليابان فيما تحول مصيره إلى قضية سياسية وحقوقية. تحرك محامون ومثقفون وقوى يسارية ووطنية دفاعاً عنه ونُظمت الاعتصامات للمطالبة بعدم تسليمه خشية تعرضه للملاحقة والعقاب مجدداً. وفي عهد الرئيس إميل لحود منح لبنان كوزو أوكاموتو حق اللجوء السياسي. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري بل كان اعترافاً بأن الرجل دفع سنوات طويلة من عمره ثمناً لانخراطه في القضية الفلسطينية، وأن تسليمه بعد السجن الإسرائيلي والاعتقال اللبناني كان سيعني فتح دورة جديدة من الانتقام السياسي بحقه.
عاش كوزو حياة شديدة التواضع في الضاحية الجنوبية لبيروت، محاطاً بعدد محدود من الرفاق الذين اعتنوا به وساعدوه في شؤون حياته اليومية. ابتعد عن الأضواء بسبب حاله الصحية والنفسية. لم يكن الرجل الذي خرج من السجن هو الشاب نفسه الذي دخل إليه. بقيت في صمته آثار الزنازين وفي حركاته المترددة علامات سنوات سُرقت منه وفي ذاكرته فجوات تركها التعذيب والعزل الطويل. عندما ظهر في مخيم شاتيلا عام 2022 في الذكرى الخمسين لعملية اللد البطولية بدا نحيلاً منحني الجسد يضع الكوفية الفلسطينية ويرفع شارة النصر بيدين مرتجفتين. كان ذلك المشهد أشبه بلقاء بين زمنين: شاب ياباني جاء إلى الثورة الفلسطينية في أوجها وشيخ حمل آثار تضحيات النضال ولم يترك فلسطين.
المؤلم أن كوزو يرحل اليوم في لحظة يحتاج فيها الشعب الفلسطيني إلى كل صوت حر وإلى كل يد تمتد إليه من خارج حدود الدم والجغرافيا. يرحل فيما يستمر العدو الإسرائيلي بقتل الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم وتجويعهم وإبادتهم، وفيما تحاول حكومات كثيرة تحويل التضامن معهم إلى تهمة وملاحقة كل من يرفض الصمت أمام الظلم. هنا تكتسب سيرة كوزو معناها الأعمق. لم تكن أهميتها في أنه حمل السلاح فقط بل في أنه كسر الحدود التي يرسمها العالم بين آلام الشعوب. علّمنا كوزو أن العدالة لا تحتاج إلى جواز سفر مشترك وأن الإنسان يستطيع أن يعتبر قضية شعب بعيد قضيته وأن يدفع حياته ثمناً لهذا الاختيار.
سيبقى كوزو أوكاموتو، كما وصفته المناضلة ليلى خالد، بطلاً من أبطال فلسطين ونجمة حيّة في سماء الأحرار حول العالم.


