spot_img
spot_img
الرئيسيةأمن و قضاءالعدو يستهدف الذاكرة والهوية: "مربّع الدمار" يطوّق صور

العدو يستهدف الذاكرة والهوية: “مربّع الدمار” يطوّق صور

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| فراس خليفة |

في صور، لم يطوِ وقف إطلاق النار الهشّ مشاهد الحرب تماماً، بل كشف مدينة مُحاطة بالركام و«مربعات دمار» امتدّت إلى الأحياء والمواقع الأثرية. وبين عودةٍ بطيئة لسكانها وإزالة أولية للأنقاض، تبدو المدينة وكأنها تعيد ترميم حياتها فوق طبقات من الخراب والذاكرة المُثقلة بالحرب

في الأيام التي تلت وقف إطلاق النار الأخير، بدت مدينة صور محاطة بحزام من عشرات الأبنية المُدمَّرة، وبمقبرتين مُستحدثتين لدفن «ودائع» الشهداء، وبالبحر الشاهد الأبدي على ما جرى. للمرة الثانية خلال أقل من سنتين، عاشت المدينة أهوال الحرب الإسرائيلية التي طاولت المباني السكنية والبنى التحتية المدنية والمصالح الاقتصادية، وألحقت أضراراً مباشرة بمواقعها الأثرية والتاريخية. وفيما يربط بعض الباحثين خصوصية استهداف مدينة صور بـ«جذور توراتية ودينية لا يمكن تجاهلها»، يرى آخرون أن العدوان عليها لا يمكن فصله عن النمط الأوسع الذي اعتمده العدو خلال هذه الحرب، والقائم على استهداف الحواضر التاريخية والثقافية الكبرى في جبل عامل وذاكرته الجماعية.

وفي وقت لم يكن عدد كبير من نازحي قرى قضاء صور قد غادروا بعد مراكز الإيواء المُعتمدة أو الخيم التي نصبوها في بعض الأرصفة والساحات، كانت المدينة تشهد الأسبوع الماضي عودة تدريجية لسكانها الذين نزحوا عنها، بالتوازي مع انطلاق ورش تنظيف الطرقات وإزالة الركام، ومبادرات أهلية لإعادة إنارة بعض الشوارع، والاكتفاء بـ«تصليحات خفيفة وضرورية» بانتظار تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة الكشف على الأضرار والخسائر.

في «شارع الصاوي» الموازي لشارع قرطاج (أبو ديب)، تبدو آثار الغارات الإسرائيلية واضحة في معظم المباني السكنية والمحالّ التجارية. هناك دمّرت الغارات ثلاثة مبانٍ سكنية، مروراً بمبنى معمل بوظة «كرّيت»، وصولاً إلى كتلة الأبنية التي سُوِّيت بالأرض في 8 نيسان «الأسود». وتشكّل هذه الأبنية، إلى جانب عدد آخر من المباني المُدمّرة والمتضرّرة في شارع أبو ديب، ما يشبه «مربّع دمار» واسعاً.
«صار فيك تشوف البحر من فوق»، يقول أحد سكان الحي الذي لم يغادر مدينته طوال فترة الحرب. وهو، شأنه شأن كثيرين من أبناء صور، كان يتنقّل باستمرار بين منزله والأحياء الغربية التي بقيت في معظم الأحيان خارج خرائط التهديدات الإسرائيلية.

خلال الحرب، شنّ العدو 35 غارة بواسطة الطيران الحربي والمُسيّر على المدينة، ما أدّى إلى تدمير 26 مبنى بشكل كامل وعشرات المباني بشكل جزئي. ورغم أن عدد الغارات كان أكبر خلال حرب عام 2024، فإن رقعة الدمار والتخريب كانت أكثر اتساعاً هذه المرة، إذ لم يسلم أيّ حي من الأضرار، بصورة أو بأخرى، من «حي الآثار» إلى منطقة «النبي إسماعيل»، مروراً بشارعَيْ «حيرام» و«القدس».

وهناك، لا يزال ركام مبنى «صوت الفرح» في مكانه، بعد استهدافه في اليوم الأول للحرب. «يومها نزلت البناية وضلّ عامود البث واقف»، يقول مدير الإذاعة ونائب رئيس بلدية صور، علوان شرف الدين. ويضيف أن قوة الانفجار قذفت جزءاً من أرشيف الإذاعة إلى الشارع وإلى مبنى مجاور.

ويضيف: «في اليوم التالي طلبت من الإعلامية الشهيدة غادة الدايخ أن تذهب وتسحب ما استطاعت من الأرشيف والألبومات إلى منزلها، وعندما استشهدت لاحقاً داخل منزلها بغارة إسرائيلية، طار ما تبقّى من الأرشيف البصري معها». الدايخ عملت في الإذاعة منذ تأسيسها عام 1989. ويقول: «كأنّ الغارة على مبنى الإذاعة واستشهادها شكّلا بداية ونهاية الاثنين معاً»، لافتاً إلى أن «صوت الفرح»، التي شكّلت جزءاً من ذاكرة المدينة، عادت أخيراً إلى مواصلة بثّها إلكترونياً.

«منازل نحن جزء منها وهي جزء مِنّا»

عندما استهدفت غارة إسرائيلية في 7 حزيران الجاري منزل آل الزيات المحاذي لموقع آثار المدينة التاريخية، كان علي الشيخ قد غادر منزله في منطقة «الخراب» بعد ورود تهديد طاول معظم أحياء المدينة، ليعود بعد عشر دقائق فقط ويشهد على خراب المكان. من فجوة كبيرة أحدثتها الغارة في جدار بيت عائلة الشيخ، كان يمكن رؤية الحجارة الرملية المتناثرة لبيت الزيات، ومبنى «الجعفرية» الذي تحوّل خلال الحرب إلى مركز إيواء، وجزء من الموقع الأثري الذي تعرّض لأضرار مباشرة، فيما يظهر من الجهة الشرقية مبنيان مُدمّران قرب جامع الرفاعي.

عقب قصف بيت آل الزيات التراثي، كتب كثيرون من أبناء المدينة عن «تحفة معمارية» يتجاوز عمرها عمر كيان العدو نفسه. لكنّ هشام يونس، وهو يرى المكان الذي نشأ فيه وقد تحوّل إلى ركام، يقول إنه شعر وكأنّ الغارة نالت جزءاً من ذاكرته. ويضيف رئيس «الجنوبيون الخضر» وأحد سكان الحي أن «المنزل المُستهدف، وياسمينته المُعمّرة، كما المنازل التي طاولها القصف سابقاً في الحي نفسه، ومنها منزل عمي مصطفى يونس وحديقته التي اعتنت بها أم وسام لسنوات، كانت من أوائل ما رسّخ في داخلي حب النباتات والحدائق». ويلفت إلى أن هذه المنازل «تجمع بين القيمة الإنسانية والقيمة العمرانية الثقافية، إذ تمثّل جزءاً من العمارة التقليدية التي رافقت انتقال صور من البلدة القديمة إلى أحيائها الناشئة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وتشكّل جزءاً من النسيج الذي منح المدينة شخصيتها الخاصة اللصيقة بوعي الصوريين لمدينتهم».

ويوضح أن الحي «يقع ضمن الامتداد المباشر للوسط التاريخي للمدينة الأثرية، حيث بُنيت بعض المنازل، ومنها منزل عائلة الشيخ، فوق عقود وقناطر رومانية لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم. وعليه، فإن «حي النبي إسماعيل» لا يحمل ذاكرة جيل واحد، بل هو مكان تتداخل فيه ذاكرة العائلات مع تاريخ المدينة، وفيه يقع معلم بارز في الذاكرة الصورية هو مقام النبي إسماعيل بقبّته الحجرية المرتفعة المطلة على المرفأ الفينيقي الجنوبي.

وخلاصة الأمر، كما يقول يونس، أن تدمير منزل أو حي من هذا النوع لا يعني خسارة مكان فقط، «بل خسارة جزء من الرواية التي تفسّر من نحن وكيف تشكّلت علاقتنا بالمدينة ولماذا ننتمي إليها. هذه المنازل والأحياء لها هوية ووجوه وروح، نحن جزء منها وهي جزء منا».

المواقع الأثرية و«الحماية المُعزّزة»

وفق البيانات الرسمية الأوّلية الصادرة عن وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار، تمّ تأكيد وقوع أضرار مباشرة في موقع آثار مدينة صور (الآثار البحرية)، شملت المدخل والمباني الإدارية وعدداً من العناصر الأثرية. كما أظهرت أعمال التوثيق الميداني أضراراً طاولت عناصر أثرية متعدّدة، من بينها لوحات فسيفسائية وأجران وألواح حجرية وأعمدة.

ووثّقت جمعية «الجنوبيون الخضر» الهجمات التي استهدفت المدينة ومحيطها، بما في ذلك الاستهدافات التي طاولت «المنطقة العازلة» لموقع البص الأثري، إضافة إلى ضربات طاولت محيط الموقع نفسه وأحياء سكنية ملاصقة لموقع مُدرج على قائمة التراث العالمي.

وأشار الباحث في تراث المدينة هيثم شعبان إلى أن الغارة التي استهدفت محيط بناية بحسون قرب دوّار جنبلاط لم تقتصر أضرارها على المباني الحديثة، بل امتدّت إلى واحد من أهم الشواهد التاريخية المدفونة في ذاكرة المدينة، وهو بقايا «برج الجزائريين» الأثري، الذي تعود بنيته الظاهرة إلى الحقبة الصليبية، ويُرجَّح أنه شُيّد فوق طبقات أثرية أقدم قد تمتدّ إلى العصور الفينيقية التي صنعت مجد صور البحري والتجاري.

ويشدّد خبراء على أن آثار مدينة صور ليست مواقع منفصلة، بل نسيج تاريخي متصل، إذ إن غالبية المناطق التي تعرّضت للاستهداف، من حي النبي إسماعيل إلى جل البحر والمساكن الشعبية والمعشوق وبرج الشمالي ومحيط البص، تقع ضمن الامتداد التاريخي والأثري للمدينة. لذلك، فإن أي اعتداء على هذه المناطق لا يطاول الأبنية الحديثة فقط، بل قد يصيب أيضاً طبقات أثرية وبنى تاريخية ما زالت مطمورة أو غير مُكتشفة بالكامل، ما يجعل حجم الضرر الفعلي مرشّحاً لأن يكون أكبر بكثير من التقديرات الأولية، في مدينة لا تزال تكشف تباعاً عن معالم جديدة.

وعقب الاستهدافات التي طاولت المواقع الأثرية في صور وغيرها من «حواضر جبل عامل»، طُرح سؤال أساسي حول جدوى نظام الحماية المُعزّزة بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954. ويوضح رئيس «الجنوبيون الخضر» هشام يونس أن «المشكلة ليست في نقص النصوص بل في غياب أدوات الردع والإنفاذ، إذ تُدرج المواقع على القوائم، لكن عند وقوع الاعتداءات لا توجد آليات توقفها أو تمنع تكرارها أو تفرض كلفة حقيقية على مرتكبيها». ويضيف أن «المجتمع الدولي يفشل في تحويل الحماية القانونية إلى حماية فعلية قادرة على ردع التدمير».

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

شريط الأحداث

spot_img
spot_img