شهد متحف اللوفر في العاصمة الفرنسية باريس، الأحد قبل الماضي، عملية سرقة سريعة استهدفت ثماني قطع من المجوهرات التاريخية تعود إلى العصر النابليوني، من بينها تاجان ملكيان وعقد زمرد ودبوس ماسي كانت ضمن مقتنيات ملكات وإمبراطورات فرنسا.
وأعلنت السلطات الفرنسية أنّ القطع المسروقة تشمل تاجًا من مجموعة الملكة ماري آملي والملكة هورتنس، وعقدًا ارتدته الإمبراطورة ماري لويز، إضافةً إلى بروش فخم للإمبراطورة أوجيني، إلى جانب عدد من القطع الثمينة المرصعة بالألماس والياقوت.
وسارعت وسائل الإعلام الدولية إلى وصف الحادثة بأنها “كارثة وطنية”، إذ عنونت شبكة CNN تقريرها بالقول: “سرقة مجوهرات تاريخية في كارثة وطنية لفرنسا”، مشيرة إلى أن أحد التيجان المسروقة يحتوي على أكثر من 1000 ماسة و24 ياقوتة سيلانية قابلة للفصل والاستخدام كبروشات مستقلة.
لكنّ الجدل لم يتوقف عند حدود الجريمة الجنائية، إذ فتح الحادث بابًا واسعًا للنقاش حول الإرث الاستعماري للمتحف، ودور مؤسسات الفن الأوروبية في تجميل وجه التاريخ الإمبراطوري.
ففي مقالات وتحليلات نُشرت عقب الحادث، اعتبر باحثون أنّ اللوفر ومتاحف أوروبا الكبرى تمثل رموزًا للنهب الاستعماري، حيث تضم آلاف القطع الأثرية التي نُقلت من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية خلال حقب الاحتلال.
وفي هذا السياق، أشارت الباحثة شمريت لي في كتابها “إنهاء استعمار المتاحف” إلى أن مصطلح “النهب” نفسه دخل الإنجليزية من الهند إبان السيطرة البريطانية، مؤكدة أنّ المتاحف الغربية ما تزال تحتفظ بمقتنيات من ثقافات الشعوب التي استعمرتها.
كما أكدت إميلين سميث، المحاضِرة في علم الجريمة بجامعة غلاسكو، أن المجوهرات المسروقة هي في الأصل “نتاج تاريخ طويل من الاستخراج الاستعماري”، إذ جرى تعدين أحجارها الكريمة من مستعمرات آسيوية وإفريقية وأميركية خضعت لنهبٍ منظم لصالح القصور الأوروبية.
وتضيف سميث أن بعض القطع، مثل التمثال النادر الذي نحته الفنان المستعبَد أكاتي إيكبليكندو في القرن التاسع عشر من مملكة داهومي (بنين الحالية)، لا تزال معروضة في أجنحة اللوفر رغم المطالب المتكررة بإعادتها إلى موطنها الأصلي.
وفيما وصفت الحكومة الفرنسية السرقة بأنها “ضربة موجعة للإرث الثقافي”، يرى مراقبون أن المأساة الحقيقية تكمن في استمرار الغرب في التعامل مع المتاحف كـ”ذاكرة مجيدة”، بينما تغيب الذاكرة الاستعمارية التي أفرزت هذه الكنوز.
وبين من اعتبر السرقة عملاً إجراميًا ومن رآها “صرخة احتجاج رمزية ضد اللامساواة التاريخية”، تبقى الحقيقة أنّ ما فُقد في باريس يوم الأحد ليس سوى فصل جديد في جدلٍ طويل بين الفن والعدالة، والتاريخ والذاكرة.













