| جورج علم |
يبقى الهودج اللبناني “باركاً”، على الرغم من أن الصوت قد طُرح حول مفاوضات غير مباشرة. كثُرت التحليلات حول الخلفيات. وردّت “إسرائيل” بتصعيد يتناول أهدافاً مدنيّة، وبنى تحتيّة، فيما الموقف الأميركي يتدحرج بإتجاهين:
الأول: يفيد بأن نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس قد يزور تل أبيب، ولن تقتصر محادثاته على غزّة، بل ستشمل الوضع في لبنان.
وما يعزّز هذا الإعتقاد بأن البابا لاوون، الأميركي الأصل، سيزور بيروت نهاية تشرين الثاني، ولا يمكن أن تتمّ هذه الزيارة، والوضع في لبنان على ما هو عليه، لا بدّ من تغيّير. لا بدّ من بصيص أمل، وإدارة الرئيس دونالد ترامب معنيّة، كونها الشريك المشارك والفاعل في ما يجري على مسرح الشرق الأوسط، وتحديداً في لبنان، وأيضاً كون الناخب الأميركي الكاثوليكي يعني كثيراً هذه الإدارة، ومحاولة كسب صوته، يستدعي كسب صوت البابا.
الثاني: إن واشنطن مهتمّة. والملف اللبناني حاضر على مكتب كبار المسؤولين، ويحظى دعم الجيش بأولويّة، لكن لا مؤشرات توحي بتغيير محوري في الموقف الأميركي يختلف عمّا سبق وأعلنه توم برّاك حول خريطة طريق، إذ دعا يومها الحكومة إلى إنجاز حصريّة السلاح أولاً، ثم الإنعطاف نحو مفاوضات مع “إسرائيل” للحصول على إنسحابات، وتنازلات متطابقة ومواصفات السيادة الوطنيّة.
ويدور راهناً سؤال في الأروقة الدبلوماسيّة لـ”الخماسيّة العربيّة ـ الدوليّة”: ما هي الأوراق القويّة التي تمكّن لبنان من مفاوضات متكافئة مع “إسرائيل”؟
الجواب: لا شيء يذكر!
طالب رئيس الجمهوريّة جوزاف عون بحوار، قبل أن ينجز حصريّة السلاح. يقال إن مطلبه أحدث تموّجات إيجابيّة لدى عواصم إقليميّة، ودوليّة، لكن من دون تسجيل أيّ خطوة يمكن البناء عليها.
“حزب الله” ما زال متمسّكاً بسلاحه، ويحاول أن يستقوي به ليشدّ العصب الشيعي على أبواب الإنتخابات النيابيّة، ويرمي مسؤوليّة إعمار ما تهدم على عاتق الدولة، ويتخذ من هذا الملف أولويّة لا يجب ـ من وجهة نظره ـ أن تتقدّم عليها أيّ أولويّة أخرى.
جوزاف عون يحاول توفير مصداقيّة لمبادرته التفاوضيّة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي أولاً، ثم مع رئيس الحكومة نواف سلام، بالإضافة إلى قادة الأحزاب الميليشيويّة. كما يسعى لدى “الخماسيّة” أن تمدّه بالدعم والمؤازرة.
نواف سلام، حجّ إلى صيدا، “بوابة الجنوب”، ومن هناك إستذكر فؤاد شهاب، وأعلن تمسّكه بـ”الكتاب”. وأصرّ على سقف الدولة، وعلى حصر السلاح، وجعل إعادة الإعمار أولويّة.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي كان نجم إتفاق شرم الشيخ حول غزّة، يحظى اليوم بمكانة كبيرة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب، وإغتنم الفرصة، وأوعز إلى وزير خارجيته الإتصال بوزير الخارجيّة الإيراني، والتشاور حول مدى قابليّة طهران في فتح كوّة في الجدار المسدود، والتلاقي مع واشنطن لبدء حوار جدّي حول مستقبل البرنامج النووي، والصاروخ الباليستي، والنفط، تمهيداً لرفع العقوبات.
يعرف السيسي جيداً بأن لا حوار لبنانيّاً مجديّاً مع تل أبيب في ظل وجود السلاح. وتسليم “حزب الله” لسلاحه لا يمكن أن يتم إلاّ بإيعاز من طهران، والأخيرة لن تقدم على هذه الخطوة إلاّ بعد التوصّل إلى “صفقة متوازنة” مع الإدارة الأميركيّة. لذلك تحاول مصر، الشريك الوازن ضمن “الخماسيّة العربيّة – الدوليّة” ضرب الحديد وهو حام، لعلّ وعسى!
“أمير البحر”، الجنرال براد كوبر، قائد المنطقة الوسطى للقوات الأميركيّة المنتشرة في المنطقة، كتب تقريراً إلى إدارته حول مستجدات الأوضاع بين لبنان و”إسرائيل” بعد إتفاق شرم الشيخ، ضمّنه وجهة نظره من مطلب الرئيس اللبناني بفتح أبواب الحوار، على غرار المفاوضات السابقة التي قادها الأميركي آموس هوكشتاين، ونجحت في حمل الأطراف المعنيّة إلى التوقيع على إتفاق ترسيم الحدود البحريّة في الناقورة.
وأدى هذا التقرير ـ مع جملة تقارير أخرى ـ إلى إستئناف إهتمام الطاقم الأميركي المكلّف بالملف اللبناني، إنطلاقاً من المستجدات الأمنيّة الميدانيّة، وآخرها بدء حكومة بنيامين نتنياهو تدمير البنى التحتيّة المدنيّة المتصلة بورشة إعادة الإعمار، وضرورة تفعيل المبادرات الدبلوماسيّة حول مطلب لبنان إلى الحوار، وسعي القاهرة إلى “تسوية ما” ما بين طهران وواشنطن، يستفيد منها لبنان.
وإلى أن تنجلي صورة الإتصالات الناشطة والمكثّفة على أعلى المستويات، وتؤدي إلى خطوة يبنى عليها، يحاول “حزب الله” تسويق وظيفة جديدة لسلاحه، أي أن تكون حصريته ورقة تفاوضيّة في يد الدولة عندما تفتح الأبواب وسيعة أمام هذا المسار. يريد أن يكون إلى جانب الدولة شريكاً في الحوار، من خلال سلاحه، كما كان الحال في زمن هوكشتاين الذي كان ينسّق مع الرئيس برّي، ويفاوضه كممثّل لـ”الثنائي الشيعي”، ونيابة عن كلّ لبنان واللبنانيّين!
هل تنتدب واشنطن “هوكشتاين جديد” يفتح الأبواب بين بيروت وتل أبيب، قبل “حصريّة السلاح”؟
لا جواب. والجواب الوحيد المتداول وراء كواليس دبلوماسيّة، أن نتنياهو لن يقفل الباب أمام مطلب الرئيس اللبناني، لكّن يريد حواراً وفق دفتر شروطه، وهو المدرك بأن بيروت لا تمتلك أوراقاً تفاوضيّة قويّة ترغم “إسرائيل” على الدخول بمفاوضات متكافئة… إلاّ إذا تدخّلت واشنطن لترجّح التوازن بين كفتيّ الميزان.
والأيام وحدها كفيلة بما سيكون..