الأربعاء, يناير 21, 2026
spot_img
spot_img
spot_img
الرئيسيةSliderالعم سام والسوفيات من جديد: حرب باردة أم إستنزاف؟

العم سام والسوفيات من جديد: حرب باردة أم إستنزاف؟

spot_img
spot_img
spot_img
spot_img

| ميرا عيسى |

عقدت قمة ألاسكا في اب 2025 بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإيجاد حل للأزمة الاوكرانية – الروسية ، ولإعادة تشكيل خريطة التحالفات الجيوسياسية الدولية.
القمة التي عُقدت في أجواء توصف بالـ”ودية”، أثارت جدلاً واسعاً بعد إعلان ترامب تأييده لما سمّاه “حلاً عملياً للصراع الأوكراني”، تضمن تنازل كييف بضغوط غربية واضحة، عن أجزاء من شرق وجنوب البلاد لصالح موسكو، فيما يشبه اعترافًا ضمنيًا بضم روسيا لتلك الأراضي.
فهل تخلّى ترامب عن أوكرانيا وضحّى بزيلينسكي من أجل صفقة مع بوتين؟

بين الواقعية السياسية والتخلي عن الحلفاء

تاريخياً، اعتاد العالم على غدر “العم سام” لحلفائه، فلطالما كان من دعاة السلام والديمقراطية ولكنه من أسس الحرب والديكتاتورية.
قرار ترامب لاقى انتقادات حادة من الديمقراطيين ومن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، وُصف بأنه تخلٍّ صريح عن أوكرانيا، وتحديدًا عن الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي عبّر مرارًا عن رفضه التفاوض تحت الضغط أو التخلي عن أي شبر من أراضي بلاده.
كما أن دخول زيلينسكي الحرب كان بسبب أميركا التي اقنعته بحقه في الانضمام إلى الاتحاد الاوروبي بينما اغلبية الاراضي الاوكرانية كانت جزء لا يتجزأ من الاتحاد السوفياتي قبل إنهياره.

ما حدث في تلك القمة هو ليس انتصاراً للسلام أو للدبلوماسية مثلما زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل هو دليل على غدر أميركا لحلفائها وإنكسار لقيم التحالفات الغربية.

فقمة ألاسكا هي دليل على نظام عالمي جديد لا يمكن أن يتحقق من دون رضا روسيا وموافقتها.

إن قبول أي تنازل إقليمي لروسيا يُعد سابقة خطيرة في القانون الدولي، وكأن ترامب أعطى شرعية لغزو عسكري بالقوة، وهو ما يُفهم على أنه تخلٍّ عن مبدأ الدفاع عن سيادة الدول الصغيرة أمام قوى كبرى، وكسر للتحالف الأطلسي، الذي بُني على دعم الديمقراطيات ضد العدوان الخارجي.

والتخلي الشخصي عن زيلنسكي هي ضربة معنوية لحليف قاتل طويلاً وتحول إلى رمز عالمي للمقاومة، اعتمد بشكل أساسي على الدعم الغربي، وخصوصًا الأميركي، للبقاء في موقع الصمود.

قرار ترامب هو إهانة شخصية للرئيس الأوكراني وتسليم ورقة سياسية لبوتين من دون مقابل حقيقي، وهو ما اعتُبر “انتصار جيوسياسي” لموسكو.

هذا القرار ترك أيضًا آثارًا نفسية واستراتيجية لدى شركاء أميركا وتحول لتصدع في الثقة بالحلف الأميركي، فدول البلطيق وبولندا عبّرت عن “قلق عميق” من أن تكون التالية في حال تغيّرت المصالح الأميركية فجأة.

قادة أوروبيون بدأوا يتحدثون علنًا عن ضرورة بناء “استقلال استراتيجي أوروبي” بعيدًا عن المظلة الأميركية، وهو ما قد يعيد تشكيل الناتو نفسه.

لمحة تاريخية: العلاقات الأميركية – الروسية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّلت العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (ومن بعده روسيا) محورًا أساسيًا في تشكيل النظام الدولي.
وقد مرت هذه العلاقات بتقلبات حادة ما بين العداء الصريح والانفراج الحذر، بحسب تغير القيادة في كلا البلدين والظروف الجيوسياسية العالمية.
فالحرب الباردة (1947 – 1991)، وهي عبارة عن صراع الأيديولوجيات وسباق النفوذ، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، خرجت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كقوتين عظمتين تتصارعان على قيادة العالم.

سرعان ما بدأت الحرب الباردة، وهي مواجهة غير مباشرة جمعت بين الصراع الأيديولوجي (الرأسمالية مقابل الشيوعية) والتنافس العسكري والتكنولوجي والدبلوماسي في مختلف أنحاء العالم.

كانت أوروبا الشرقية أولى ساحات الصراع، حيث فرض السوفيات هيمنتهم على دول الكتلة الشرقية.
ردت واشنطن بسياسة “الاحتواء”، وأُسّس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949.
أبرز نقاط التوتر تمثلت في أزمة برلين (1948–1949)، والحرب الكورية (1950–1953)، وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، والتي كادت أن تؤدي إلى حرب نووية.
رغم ذلك، عرفت العلاقات فترات من “الانفراج” مثل اتفاقيات الحد من التسلّح (SALT) في السبعينيات.

هذه المرحلة خلّفت إرثًا من عدم الثقة والتوجس المتبادل، لا يزال يطغى على العلاقات حتى اليوم.
ومع سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، ساد شعور في الغرب بأن صفحة جديدة قد تُفتح مع روسيا الديمقراطية.
لكن سرعان ما تبيّن أن الواقع أعقد من ذلك، لأسباب تتعلق بموقع روسيا الجيوسياسي وطموحاتها التاريخية.

في البداية، قدمت الولايات المتحدة دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا للرئيس الروسي بوريس يلتسين، مع وعود بدمج روسيا في النظام العالمي الجديد.
غير أن توسّع “الناتو” شرقًا بضم بولندا وتشيكيا وهنغاريا، ثم دول البلطيق بدأ يُنظر إليه في موسكو كتهديد مباشر.

العلاقات توترت أكثر بعد التدخل العسكري الروسي في جورجيا (2008)، حيث أظهرت روسيا أنها لا تزال ترى فضاءها السوفياتي السابق مجالًا حيويًا لا يمكن التنازل عنه.
جاء الاجتياح الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014 بمثابة نقطة تحول، حيث أعادت واشنطن فرض عقوبات على موسكو، وانطلقت موجة جديدة من التوتر تشبه أجواء الحرب الباردة.

ترامب وبوتين: علاقة خاصة أم انحراف عن المألوف؟

عند انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة في 2016، بدأت مرحلة مختلفة وغير مألوفة في العلاقات مع موسكو.
ترامب كسر عن عمد الخطاب التقليدي الأميركي تجاه روسيا، وأبدى إعجابًا متكررًا بالرئيس فلاديمير بوتين، وهو ما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية والاستخباراتية الأميركية.
خلال ولايته الأولى، ورغم الضغوط الداخلية، امتنع ترامب عن انتقاد بوتين علنًا في ملفات مثل ضمّ القرم.
رأى خصومه أن موقفه يمثل ضعفًا أو حتى تواطؤًا مع موسكو، فيما دافع أنصاره بأن “التقارب أفضل من المواجهة”.
في قمة “هلسنكي” 2018، وقف ترامب إلى جانب بوتين ضد تقييمات أجهزة الاستخبارات الأميركية، وهو ما أثار موجة غضب نادرة داخل مؤسسات الحكم.

عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 شكّلت امتدادًا لهذا التوجه، مع تصعيد غير مسبوق تمثل في تبنيه موقفًا داعمًا لإبقاء أراضٍ أوكرانية تحت السيطرة الروسية، في إطار تسوية وصفها بـ”الواقعية”.
هذه الخطوة، وإن قوبلت بترحيب في الكرملين، إلا أنها أثارت قلقًا دوليًا عميقًا، لأنها قد تُفهم كتحوّل استراتيجي في العقيدة الأميركية بشأن دعم الحلفاء ورفض تغيير الحدود بالقوة.

ما حدث في ألاسكا قد يُنظر إليه مستقبلاً إما كبداية لسلام دائم، أو كنقطة ضعف في سجل السياسة الخارجية الأميركية.
لكن الأكيد أن صفحة جديدة كُتبت في سجل العلاقات الأميركية الروسية، ولأوكرانيا، فإن المستقبل يبدو أكثر غموضًا من أي وقت مضى.

‪للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” إضغط على الرابط

https://chat.whatsapp.com/D1AbBGEjtWlGzpr4weF4y2?mode=ac_t

spot_img
spot_img

شريط الأحداث

مقالات ذات صلة
spot_img
spot_img