| جورج علم |
وردت الإشارة، وفهم اللبيب، فهل من مستجيب؟
تثير بعض المواقف الحيرة، وترسم علامات إستفهام في زمن التغيير، والنهوض من فراغ الماضي نحو الأجواء الرحبة الواعدة!
إنتخب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهوريّة في التاسع من كانون الثاني الماضي. وبعد إنقضاء 48 ساعة، تلقى إتصال تهنئة من رئيس دولة الإمارات العربيّة المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وصدر بيان رسمي عن وزارة الخارجيّة الإماراتيّة، ورد فيه: “إستجابة لتوجيهات رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعقب الإتصال الهاتفي الذي أجراه برئيس لبنان جوزاف عون، قرّر إعادة فتح السفارة في بيروت”.
ووصل وفد إماراتي رفيع في 13 كانون الثاني الماضي “لإجراء كافة الترتيبات لإعادة فتح سفارة أبو ظبي في العاصمة اللبنانيّة بعد إغلاق تجاوز الثلاث سنوات”.
وإعتبر وكيل وزارة الخارجيّة عمر عبيد الشامسي أن “إعادة إفتتاح السفارة يمثّل خطوة مهمّة ضمن دفع التعاون بين البلدين إلى آفاق جديدة، ما يعكس إلتزام دولة الإمارات بدعم الإستقرار والتنمية في لبنان”.
وعلى الأثر أعلن رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، رئيس مجموعة الحبتور، إعتزامه الإستثمار في لبنان بمجرّد تشكيل حكومة جديدة “. ولكن لم تمض أيام، وتحديداً في 29 كانون الثاني الماضي، حتى فجّر قنبلة معنويّة مدوّية، معلناً إلغاء جميع مشاريعه الإستثمارية في لبنان “بسبب الأوضاع الراهنة من غياب الأمن والإستقرار، وإنعدام أي أفق لتحسّن قريب”.
ترك الموقف تموّجات، وأثار تساؤلات “عمّا إذا كان بدافع شخصيّ، أم يعكس موقفاً إماراتيّا مّما يجري من حراك ينحو صوب إعادة التجاذبات الطائفيّة إلى الحكومة”.
وقال الحبتور في منشور على منصّة “إكس” إن “ترك زمام الأمور في يد ميليشيا الثنائي الشيعي لقيادة عودة أهالي جنوب لبنان إلى منازلهم، يعيدنا إلى زمن كنّا نأمل أنه ولّى بلا رجعة. كنّا نظن أن الدولة قد بدأت بإستعادة دورها، وهيبتها، ولكن الواقع المؤلم يخبرنا بعكس ذلك”.
وأحدث هذا الموقف صدمة لدى جهات خليجيّة مختلفة كانت تعتقد “أن لبنان الذي خرج من حرب مدمّرة، سيعمل على القطع مع الماضي، وبدء مرحلة جديدة تقوم على مراعاة مصلحة البلد، وليس مصلحة المجموعات الطائفيّة، وإعادة إنتاج الصراعات عينها التي قادت إلى الحروب السابقة. وإن الرغبة في منح الثنائي الشيعي وزارة المال، هو وضع من السهل أن يعيد إنتاج مناخ الوصاية، والتأجيل، ولا يوفّر ضمانات لأي تمويل خارجي، خاصة من دول خليجيّة تريد إستقراراً سياسيّاً لحماية إستثماراتها على المدييّن المتوسط والبعيد، وليس بشكل ظرفي، وأن تصبّ في صالح اللبنانييّن، وليس لإعادة إنتاج تحالفات فاشلة”.
وكان الحبتور قد أكدّ عزمه بيع جميع ممتلكاته، وإستثماراته، والإمتناع عن السفر إلى لبنان “سواء لي، أو لعائلتي، أو لمديري المجموعة”. مؤكداً “أن هذه القرارات لم تتخذ من فراغ، بل جاءت نتيجة دراسة دقيقة، ومتابعة عميقة للأوضاع في لبنان”.
ومن تجليات هذه “الدراسة” أن “الوسطاء الإقليمييّن والدوليّين الذين ساعدوا على تجاوز حالة الفراغ الرئاسي، والحكومي في لبنان، لم يحصلوا على ضمانات جديّة من الأحزاب والمجموعات الطائفيّة تؤمن التخلّي عن أساليب الماضي التي تقوم على الإلتفاف على التفاهمات، وخاصة تلك التي تعزل الإستثمارات الخارجيّة عن تطوير واقع اللبنانيّين بأن تحوّلها إلى ورقة بيد “حزب الله”، ولفائدة إيران، ما قاد إلى إنسحاب الإستثمارات الخليجيّة في السابق، وقد يدفع المستثمرين حاليّاً إلى التراجع عن أيّ إستثمار”، كما أعلن عن ذلك الحبتور، الذي أكدّ بأن إستثماراته التي كانت مجمّدة في لبنان لسنوات، تجاوزت خسائرها 1.4 مليار دولار!
الرقم مخيف. والقنبلة التي أطلقها، لم يمر عليها الزمن، وتركت دويّاً واسعاً، سواء في الخليج، أو في عالم المال ورجال الأعمال، وأُثيرت حولها تساؤلات:
• هل إتصل لبنان الرسمي برجل الأعمال الإماراتي مستفسراً؟ وهل من محاولات جدّية تبذل لمنع بقعة الزيت من التمدد لتشمل مساحات واسعة من الإستثمار الخليجي؟
ليس من جواب. وإن كان بعض الكلام يشير إلى قنوات دبلوماسيّة مفتوحة مع أبو ظبي، وبعض العواصم الخليجيّة، لكبح التموجات، كيلا تتحول إلى رياح عاتية.
• إن الكلام عن وجود تباينات في الموقف الخليجي تجاه لبنان، ليس دقيقاً، ويدحضه تعاطف خليجي غير مسبوق، ووعود بزيادة حجم الإستثمارات، والمشاركة في ورشة إعادة البناء والإعمار، لكن وفق سلّة من الشروط التي تعكس المواصفات المطلوبة، وتشكّل ـ بنظر الخليجيّين ـ بيئة محليّة مؤاتية.
• قد يكون ما عبّر عنه رجل الأعمال الإماراتي نابعاً من حسابات خاصة، إلاّ أن الإعلام الخليجي يشهد بدوره تحوّلاً لافتاً، فبعد الترحيب بالإنطلاقة الجديدة، عاد ليرسم علامات إستفهام حول قدرتها على الإنطلاق في ظلّ جائحتين:
إصرار “أمراء الطوائف” على ضمانات تؤكد حجم دورهم، ومستقبل مصالحهم في العهد الجديد. والإصرار من قبل بعض الجهات على ان يبقى لبنان ساحة لصراع المحاور في الشرق الأوسط…














