/ خلود شحادة /
هو صراع عمره عمر الوطن، فلم يكن لبنان يوماً منزهاً عن النزاعات الداخلية التي تزعزع أمنه وتفقد ثروته بريقها.
ثروة التعددية التي استوحى منها الشعراء اللبنانيون والعرب ابياتهم للحديث عنه، وهي عينها، كانت دائماً مقدمة لأي خطاب سياسي كان ام وطني، لشخصية لبنانية أم لزائر أراد مدح بلاد الأرز.
نعمة التعددية سرعان ما تتحوّل لنقمة عند أول تواصل واتصال بين “المختلفين”، لنجد أن ما نعيشه ليس تقبلاً للاختلاف بقدر ما هو احترامنا للفواصل التي تجعل من المختلف عنّا بعيداً. لندرك حينها، أن المتاريس ما زالت تفصل الشرقية والغربية، وأن قذائف الحرب ما زالت أصداؤها تتردد في “العقل الباطني”، وأن رصاصات الفتنة عالقة في فوّهات البنادق الصدئة.
معرض الكتاب العربي، اسم ان سمعته ستخطر في البال فوراً مفاهيم الثقافة والأدب، ورائحة الورق “العتيق” العالق في الذاكرة الثقافية.
الا في لبنان، اليوم أصبح “معرض الكتاب” “ترند” عبر تويتر، ليس لأننا شعباً أحببنا القراءة الى هذا الحد، بل ربما لأننا جهلنا قراءة تاريخنا الذي تتبلل صفحاته بدماء الأخوة من الوطن الواحد، الذين وقعوا ضحية صراعات وخلافات ما أنتجت الا الكراهية.. الا من رحم ربي.
انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، مقاطع مصوّرة تظهر اشكالاً حصل في معرض الكتاب في بيروت.
وفي التفاصيل، أن جناحاً في المعرض تابعاً لدار “المودّة” علّق صور الجنرال قاسم سليماني، الذي اغتالته قوات أميركية قبل عامين في العراق.
الصورة المعلقة في جناح الدار، الحاصل على رخصة من ادارة تنظيم المعرض، ومن القيميين عليه، استفزّت مجموعة من الأشخاص الذين اعتبروا هذا المشهد دليلاً على “الاحتلال الايراني”، وبعد مناوشات حصلت بين أحد الشبان وبين القيمين على جناح الدار، كانت نتيجة صراخات فحواها “بيروت حرة حرة ايران طلعي برا”، حصل عراك بالأيدي تطور ليصبح اشكالاً بين من هم ضد الصورة، وبين المدافعين عنها.
الغريب في الأمر، أن صوراً عديدة تعود لشخصيات سياسية عربية وأجنبية، تنتشر في المعرض، وهذا أمر طبيعي في بلد كلبنان كان يهرب الكتاب اليه من “ديكتاتوريات” العالم. ووحدها صورة سليماني استفزت هؤلاء الأشخاص، باعتبار أن ايران لها اليد الطولى في الداخل اللبناني. الداخل ذاته الذي “بلّ” المجتمع الدولي برمّته يده في شؤونه كافة.
كفل الدستور اللبناني حرية الرأي والتعبير، وبيروت التي اختيرت مرة عاصمة الثقافة العربية، كانت حريتها اليوم بخطر.
ليس الخطر بصورة علقت، فكل ما كفله الدستور لا يسلبه أحد. وليس الخطر باختلاف وجهات النظر والآراء السياسية تجاه هذه الدولة وتلك. وحتماً ليس باختلاف الاديولوجيا والمبادئ الجمعية والفردية.
الخطر الحقيقي الذي ظهر اليوم، هو على مستقبل بلد، كان يعوّل على “قرّائه ومثقفيه”، الذين يأخذون من النقاش وسيلة للتقارب، ليمحوا بانفتاحهم الفكري الذي نهلوه من بين رفوف المكتبات وأغلفة الكتب، تاريخاً اسود عاشه لبنان تفوح منه رائحة الدم والبارود.













