الإثنين, يناير 5, 2026
Home Blog Page 4

زلزال في الهند

ضرب زلزال بقوة 5,4 درجات ولاية أسام في شمال شرق الهند في وقت مبكر من صباح الاثنين، وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

وفي التفاصيل، كان مركز الزلزال على مسافة ثلاثة كيلومترات خارج قرية دينغ قرب الحدود الهندية مع بوتان، ووقع قرابة الساعة 04,17 صباحا (22,47 بتوقيت غرينتش الأحد).

وأكدت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية حدوث هزة أرضية قوية في المنطقة، لكنها توقعت أن يكون عدد الأشخاص المتأثرين بها محدودا.

وتشهد هذه المنطقة زلازل كبيرة كل عام، وكانت موقعا لبعض أكبر الزلازل في الهند وأخطرها.

“يا مال الشام.. يلاّ يا مالي”!

| جورج علم |

يفترض أن تكون الأولويّة، مع مطلع العام الجديد، للعلاقات الثنائيّة اللبنانية ـ السوريّة.
الأسباب الموجبة كثيرة، أبرزها الأمن والاستقرار. لا يمكن توسيع مساحة الهدوء إلاّ في ظل علاقات نديّة بين البلدين.

حتى الآن يمكن القول بأن هناك حدّاً أدنى من الدفء على مستوى العلاقة بين المسؤولين. الكيمياء ليست على القدر المطلوب من التفاعل، لكن إجمالاً ليست من النوع العكسي.

جرت زيارات، ولقاءات، وإجتماعات سابقة، لكنها لم تكتسب الزخم المطلوب، ربما لم يتم التوصل إلى تفاهم حول خريطة طريق واحدة مشتركة تحدّد الأولويات، وتضع روزنامة بالمواعيد المكثّفة التي يفترض أن تعقد تباعاً، وبصورة دوريّة، للوصول إلى نتائج يمكن البناء عليها.

أقلّه، هذا هو المطلوب بنظر المواطن العادي، أو المزارع، أو تاجر الترانزيت، أو أصحاب المصالح، وهم كثر، ويشكّلون الأكثرية الصامتة التي تتمنى نسج أفضل العلاقات.

من الجانب اللبناني، هناك إستعداد. وهناك قرار بالإنفتاح، وزيارات، ومبادرات قد حصلت لدفع الأمور، لكن “الإقلاع” لم يحصل، وتعددت الروايات حول الأسباب والموانع، وكلّها مغطاة بقشور محليّة يمكن معالجتها إذا ما صدقت الإستعدادات، وصفت النيّات.

بإعتقاد كثيرين أن الموانع أبعد من ملف أمني معقّد. أو ملف قضائي بحاجة إلى مطرقة حاسمة. أو ملف إقتصادي يفتقر إلى توازنات مطلوبة. الموانع كثيرة، أبرزها:

أولاً: أن هناك نظاماً سياسياً ناشئاً في سوريا، أو هو في مرحلة النشوء، والتأسيس، جاء بكتلة وازنة من داخل المجتمع السوري، إلى مقاعد الحكم، بديلاً عن كتلة كانت تصنّف من الاقليات، وقد تربعت لعقود خمسة على أريكة السلطة، ومارست وهرة فوقيّة، متحكّمة، متمرّسة بالتفاصيل الصغيرة، قبل الكبيرة.

ليس تفصيلاً أن تعود “السنيّة السياسيّة” مع الرئيس أحمد الشرع إلى بيت الشعب، وحكم الشعب، لتقبض على المفاتيح، وتتولّى المسؤوليات، وتعتمد طريقاً مغايراً، ونهجاً مختلفاً، وإنفتاحاً غير مسبوق.

وليس من قبيل الصدفة أن يحتضن التركي الوليد الجديد، ويدعمه، ويوفّر له المستلزمات الأوليّة الضروريّة. ولا من قبيل الصدفة أن يخفّ السعودي رجله بإتجاه ساحة الأموييّن، ويدشن فصلاً جديداً من العلاقات، ويقدم دعماً ماليّاً إقتصادياً حيويّاً كناية عن حفنة من الدولارات تقدر بستة مليارات كـ”دفعة عالحساب”.

إن الإحتضان التركي ـ السعودي “للسنيّة السياسية” الناشئة في قلب دمشق، تركت تموجات واسعة، وأصداء لا تزال تتفاعل بحثاً عن الأهداف والخلفيات البعيدة والعميقة.

ولم يعد الإيراني بعيداً عن هذا التحول، لقد وصفه للوهلة الأولى بأنه جزء لا يتجزأ من مسار أميركي ـ إسرائيلي ـ غربي هدفه ضرب “الهلال الشيعي” وتقويض مرتكزاته. وإذ به يصحو فجأة ليرى أن الخطر أبعد وأدهى. وإن ما بدر من الأكمة هو الظاهر منها فقط، في حين أن الرواسي أدهى وتبيت مشروعاً معقّداً يهدف إلى وضع النظام، وطاقاته، وإمكاناته، ضمن شرنقة قد تقود إلى الإختناق، أو قد يصبح الخروج منها، أمراً صعباً ومكلفاً.

بالطبع إن الأرض لا تزال تميد، وإن ما تشهده مناطق سورية من أحداث، وثورات، وإنتفاضات، يندرج تحت عناونين:

– بحث “أقليات” عن قاطرة تليق بها، وعن ضمانات موثوقة، ضمن قطار النظام الجديد، والتغييري، للشعور بالإطمئنان.
– إستغلال قوى خارجية لظروف أقليات داخليّة، والاستثمار بها لـ”الحرتقة” على النظام الجديد. لكن في الحالين لا يزال القطار يمضي في الخط المرسوم له، وبرعاية أميركيّة ـ عربيّة ـ خليجيّة ـ إسلاميّة ضامنة.

ثانياً: من حق لبنان أن يأخذ بعين الإعتبار أن سوريا الجديدة قد عادت إلى الحضن العربي الدافئ، والحضن الخليجي المترف.

من حقّه أن يدرس كل الإحتمالات، ويتمعّن ما يشاء بالمفردات والمصطلحات، وهو لا يستطيع وفق تركيبته الإجتماعيّة الطوائفيّة المتنوعة إلا أن يسلك مثل هذا السلوك كي يحافظ على توازنات داخليّة هشّة، لكنها ضرورية في مطلق الاحول.

هذا الحق الذي يعطي لبنان مساحة من التفكير والدرس والتحليل، دونه إلتزامات تقتضيها أرصدة المصالح الثنائية، بين البلدين الجارين المتجاورين، وأيضا المصالح الأوسع المتشابكة مع المحيط العربي ـ الخليجي.
ماذا يمنع لبنان من أن يعود ـ كما يفعل الشرع ـ إلى الحضن العربي بقوة وفعالية، لا كما يحاول أن يدّعي الآن عن طريق زيارة عابرة، أو صوت، وصورة، وكلمة مأثورة، بل من خلال إستراتجية متكاملة معبأة بمصالح حيويّة مشتركة، يساعده في ذلك جالية لبنانية محترمة، منتشرة، وقد نشرت معها كل الأوكسجين النقي النظيف الذي أسهم في إنعاش إقتصاديات البلد المضيف، وأسهم في بناء جسور من الثقة أقوى، وأمتن من تلك التي بنتها العلاقات الرسميّة القائمة حاليّاً؟

إن عودة “السنيّة السياسيّة” إلى قصر الشعب في دمشق، يجب أن تقرأ في بيروت بمطالع جديدة مختلفة تقتضيها الحالة اللبنانية الداخلية بحساباتها المعقدة. والحالة العربية ـ الخليجية التي عانت طويلاً، ولا تزال، من زحف آخر، كان ولا يزال يتبجح صباحاً مساء، أنه يسيطر على عواصم أربعة، ويتحكّم بمفاصلها الأمنية، والسياسيّة، والإقتصاديّة، والمصيريّة!

ثالثاً: لا ضير إذا كان لبنان الرسمي قد وضع كامل بيضه في السلة الأميركيّة. الرئيس الشرع ذهب نحو ما هو أبعد، لقد إلتقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثلاث مرّات في أقل من عام. ومع ذلك لم يصب بدوران البرد لأنه حافظ، لا بل تمسّك بالرداء التركي ـ السعودي ـ الإسلامي ـ العربي. ربما عن حكمة. ربما عن سابق تصوّر وتصميم، وفي الحالين مضى النظام يترسّخ، والقطار ينطلق نحو آفاق جديدة.

إن بعض عقلاء الحكم في لبنان يملكون من الحكمة والدراية ما يكفي لتوسيع مساحة الإستقرار عن طريق توسيع مساحة التفاهم والتوافق مع دمشق.

أما الذريعة بالقاء اللوم على “إسرائيل” وعلى عدوانيتها، وتدخلاتها، فإن اللوم مردود لأن “إسرائيل” تعبث بالساحتين معاً!

للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط 

https://chat.whatsapp.com/KcTcdtSlZ5a0SaZPTZsoiV?mode=ems_copy_c

معارك بيروت الثانية: جعجع وراء مخزومي

ذكرت صحيفة «الأخبار» أنّ حزب «القوات اللبنانية» حسم خياره بدعم النائب فؤاد مخزومي، في دائرة بيروت الثانية، في الانتخابات النيابية المقبلة، استجابةً لرغبة السعودية التي تهدف إلى جمع حلفائها في العاصمة ومنع أي خروقات انتخابية، لا من تحالف يقوده حزب الله فحسب، بل حتى من شخصيات محسوبة على الرئيس سعد الحريري.

وبحسب المعلومات، يُبدي قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، اهتماماً خاصاً بدعم ترشيح الناشط صالح المشنوق، نجل النائب السابق نهاد المشنوق. ولهذه الغاية جرى إعداد برنامج تمويل لحملة إعلامية خاصة به، على أن تُدرج ضمن العقد الذي سيبرمه مخزومي مع قنوات «أل بي سي» و«أم تي في» و«الجديد». في المقابل، لم يُحسم بعد مصير النائب وضاح الصادق، ولا سيّما أنّ مخزومي، يرفض حتى الآن التحالف معه، وهو ما يفسّر هجوم الصادق على «من تواصل مع أبو عمر»، واصفاً إياه بـ«الجوعان والمتمسّك بالكرسي»، في إشارة غير مباشرة إلى مخزومي.

من جهة أخرى، بدأ حزب الله والتيار الوطني الحر عقد اجتماعات للنقاش في إمكانية التحالف الانتخابي. وقالت مصادر مطّلعة إنّ اللقاءات الأخيرة لم تحقّق أي تقدّم، لا بل إنّ بعضها كان سلبياً، وحتى الآن لم يتمّ التوصل إلى اتفاق في عدد كبير من الدوائر، من بينها دائرة «بيروت الثانية»، علماً أنّ معلومات تحدّثت عن ترشيح التيار لأحد الأسماء التي لا تعتبر مستفزة للثّنائي.

نقابات المهن الحرة “تنتفض” ضدّ قانون الفجوة المالية

| راجانا حمية |

تعقد نقابات المهن الحرة اجتماعاً موسّعاً في «بيت المحامي» اليوم، لدرس خطواتها المقبلة ضدّ مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع»، الذي أقرّته الحكومة. أفكار كثيرة تحملها النقابات إلى اجتماعها، لكنّ الثابت الوحيد أنه سيكون تأسيسياً لمسار مواجهة «القانون – الكارثة»، بحسب تعبير نقباء تلك المهن. فالمشروع يُحوِّل صناديق نقاباتٍ تحوي عشرات ملايين الدولارات، إلى مئة ألف دولار وسندات خزينة! مع العلم أن محتوى هذه الصناديق جُمِع «بالشبر والندر»، حتى يسند عاملي تلك المهن، خصوصاً في مرحلة شيخوختهم.

ويتوقّع نقيب المحامين، عماد مارتينوس، أن يكون أول القرارات تشكيل لجنة متابعة مهمتها الأساسية تحضير خطوات المواجهة، وإذ يلفت إلى أنه من المبكر الحديث عن هذه الخطوات قبل الاجتماع، غير أنه يشير إلى بعض ما يمكن التوافق عليه: كالاتصال بالمسؤولين في السلطة والقيام بجولات على الأحزاب، وصولاً إلى التشبيك مع النواب – المحامين تمهيداً للقيام بحراك في المجلس النيابي.
لم يُلحِق المشروع ضرراً بأموال صناديق نقابات المهن الحرة فقط، لكنّ أموال هؤلاء لا يمكن التعاطي معها وفق الصيغة المطروحة للحسابات الفردية. فهي صناديق يعود محتوى حساباتها لآلاف العاملين في تلك المهن، وتمّت تغذيتها من أموالهم على مرّ السنوات، لتأمين متطلبات حياة كريمة لهم. ولعلّ أهم هذه الصناديق، تلك المتعلقة بالتقاعد والخدمات الاجتماعية.

وفي هذا الصدد، يقول مارتينوس، إن هذه الأموال «تخصُّ أيتاماً وأرامل ومتقاعدين أمضوا سنوات عمرهم في الخدمة العامة، وسيخرجون بحسب القانون بلّوشة». و«هذه الأموال ليست ملكاً للدولة ولا للمصارف، بل هي حقوق خاصة ومُقدّسة تعود لأصحابها»، يؤكد نقيب الصيادلة، عبد الرحمن مرقباوي. مع العلم أن نقابة الصيادلة من أكثر المتضررين، لامتلاكها في المصارف قرابة 200 مليون دولار، منها قرابة 160 مليوناً بالدولار. ومن هذه الأموال، كانت النقابة تصرف على المنتسبين العاملين والمتقاعدين، وتحديداً التأمينات الصحية ومعاشات التقاعد. اليوم، يقول مرقباوي، إن النقابة مع هذا القانون لم تعد قادرة على «إعطاء المتقاعدين رواتبهم، ولا تأمين الصيادلة».

وكذلك حال نقابة الأطباء التي «فرملت» تعديل رواتب المتقاعدين التي أُقرَّت أخيراً، بحسب نقيب الأطباء، إلياس شلالا. فبعد امتصاص انهيار العملة في عام 2019، والذي خسر بنتيجته معظم الأطباء مدّخراتهم في المصارف، يواجه هؤلاء اليوم مشروعاً يحوّل أموال صناديقهم البالغة تقريباً 80 مليون دولار، إلى مئة ألف دولار وسندات خزينة. والأسوأ من ذلك أن هذه الأموال لن تعاد كلها، وإنما جزء ضئيل منها، على أن يذهب الجزء الأوفر نحو الشطب. وهذا، بحسب شلالا، «مرفوض كلياً لأنه مساس بالأمن الاجتماعي».

بهذا المعنى، ما أقرّته السلطة، بحسب نقباء المهن الحرة، ليس مشروعاً يقود نحو نهوض اقتصادي، وإنما مشروع لصندوق النقد الدولي يُشكِّل «اعتداء موصوفاً على أموال المودعين وأموال النقابات، وسابقة خطيرة تنطوي على سرقة علنية لحقوق المنتسبين، وسطوٍ على أموال المتقاعدين، وتمس بشكل مباشر مبدأ الاستقلال المالي الذي قامت عليه النقابات عبر عقود من النضال والعمل المؤسّساتي»، بحسب نقيب المهندسين، فادي حنا. مع العلم أن نقابة المهندسين تملك في المصارف 247 مليون دولار.

هكذا قرّرت الدولة أن تُصفِّي حقوق الناس، وأن تسدَّ فجوتها المالية عبر شطب الأموال الضائعة من جيوب المودعين، العاملين في المهن الحرة خصوصاً، إضافةً إلى أصحاب الرساميل الصغيرة، وهم الأكثرية. وهو مشروع يأتي، بحسب مارتينوس، بعد امتناع السلطة عن فرض «الكابيتال كونترول» وعدم تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على أسباب الأزمة، وقبل ذلك تخلّيها عن مسؤولياتها إلى الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وعدم تطبيق قوانين الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال والسرية المصرفية وغيرها. وما أفاض الكأس، بحسب مارتينوس، تهريب أصحاب الودائع الكبيرة أموالهم إلى الخارج، ليكون الحل بالنسبة إلى السلطة «فرض غرامة على هؤلاء بقيمة 30% وتشريع 70% من تلك الأموال»، و«تسكير الفجوة المالية من تعب الناس»!

ضجيج انتخابي في الحزب الاشتراكي

ضجّة كبيرة تسود أوساط الحزب التقدمي الاشتراكي مع اقتراب موعد حسم وجهة الحزب بالنسبة إلى الانتخابات النيابية المقبلة. وبرغم أن الوجهة السياسية تشير إلى أن النائب السابق وليد جنبلاط لا يؤيّد أي تغيير في التحالفات السياسية – الانتخابية التي كانت موجودة في الدورة السابقة، إلا أن النقاش يصبح أكثر تعقيداً مع إدخال جنبلاط تعديلاً جوهرياً بما خصّ التمثيل الدرزي.

وذلك ربطاً بالأجواء العامة في لبنان وما يجري في سوريا، والضغط القائم من قبل المرجعيات الدينية والسياسية الدرزية على جنبلاط لرفضه تغطية ما يقوم به الشيخ حكمت الهجري في السويداء، ووقوفه إلى جانب السلطات الجديدة في سوريا، خصوصاً أن جنبلاط لمس خلال الأشهر القليلة الماضية، أن «الأرضية الشعبية» لا تبدو منسجمة مع موقفه ضد الهجري ومن خلفه الشيخ موفّق طريف، ولكنه يعرف أيضاً، أن كل استطلاعات الرأي وكل النقاشات الجارية على مستوى المناطق، لا تشير إلى أن هناك انقلاباً متوقّعاً ضده في الانتخابات النيابية.»

والتغيير بحسب جنبلاط، يقضي بتعزيز التحالف داخل «البيت الدرزي»، وهو في لبنان، يرى أن النائب السابق طلال أرسلان، يمثّل «شريكاً عاقلاً» يمكن التعاون معه، في مواجهة آخرين من الذين يريدون انتزاع قسم من الجمهور الدرزي في لبنان من تحت عباءته. ولذلك، التقى جنبلاط أكثر من مرة مع أرسلان، وأبلغه قراره التعاون معه في الانتخابات النيابية، وناقشه في المقاعد الدرزية في الشوف وعاليه والجنوب وبيروت والبقاع. وتُرجم التفاهم بين الطرفين بإعادة أحد مقعدَيْ عاليه إلى أرسلان، مع التفاهم على مقعد حاصبيا ومرجعيون، وسط نقاش حول تفاهم ضمني على المقعد الدرزي في قضاء بعبدا.

لكنّ أرسلان، أبلغ جنبلاط رغبته بعدم الترشّح شخصياً للانتخابات، وأنه يفضّل تسليم الأمر إلى نجله مجيد، على غرار ما فعل جنبلاط الأب. ولكن ظهرت ممانعة قوية من جانب النائب تيمور جنبلاط الذي أبلغ والده، أنه يسير بالاتفاق شرط أن يكون أرسلان الأب هو المرشّح. وهو ما تطلّب تدخل صديق الرجلين، الرئيس نبيه بري، الذي قال لأرسلان الأب، إنه من الأفضل ترك أمر مجيد إلى دورة لاحقة، وأنه وحزب الله يفضّلان أن يتصدّى هو لهذه المهمة الآن. ثم ناقشه في أمر آخر، يتعلق بتثبيت المقعد الدرزي في بيروت لمصلحة النائب جنبلاط، على أن يتم التفاهم على اسم المرشّح للمقعد الدرزي في حاصبيا.

وفي هذا الإطار، تمّ استدعاء المرشّح السابق المصرفي مروان خير الدين، ليتمّ إبلاغه، أن جنبلاط وأرسلان اتّفقا على أن يكون هو المرشّح عن هذا المقعد، وأن بري يريده أيضاً. لكنّ خير الدين أبلغهما أنه يفضّل عدم خوض التجربة من جديد، وأبدى استعداده لطرح اسم بديل يكون توافقياً بين الجميع، وأنه يتعهّد العمل على دعمه انتخابياً وحتى في تمويل الحملة الانتخابية. لكنّ الجواب جاءه بالرفض من بري وجنبلاط وأرسلان، علماً أنه جرى الحديث عن أن حزب الله قد يواجه مشكلة في السير بخير الدين، وأن تحفّظات الحزب معروفة لدى بري وجنبلاط وحتى لدى أرسلان، سيّما أن حزب الله لم يحسم بعد طريقة تعامله مع كل دائرة حاصبيا ومرجعيون.

لكن يبدو أن مشكلة الحزب الاشتراكي لم تنتهِ هنا. حيث تبيّن أن جنبلاط الابن، يريد إحداث تغيير على أسماء عدد من المرشّحين، وهو يريد تغيير النائبين مروان حمادة (الشوف) وأكرم شهيب (عاليه). وقد عُلم أنه سيرشّح مستشاره حسام حرب، نجل القائد العسكري في الحزب الاشتراكي رجا حرب لمقعد الشوف، ويوسف دعيبس لمقعد عاليه. فقد طلب مروان حمادة أن يرشّح نجله كريم مكانه، وهو أمر حظي – كما قال حمادة – بموافقة جنبلاط الأب. لكن وصلته لاحقاً رسالة تقول، إن «التوريث السياسي محصور فقط في عائلة الزعامة»، ما خلق بلبلة، دفعت حمادة إلى إطلاق مواقف (داخلية) تنتقد الوضع القيادي للحزب الاشتراكي. وقد تساءل حمادة أمام مقرّبين منه، كيف يرفض ترشيح نجله، بينما حسم جنبلاط اسم المرشح الكاثوليكي على لائحته ليكون يوسف نعمة طعمة، وهو نجل النائب نعمة طعمة؟

يقول أحد المسؤولين السابقين في الحزب الاشتراكي، إن ما يُحكى عن تباينات أو خلافات بين جنبلاط الابن والأب، ليس كلّه دقيقاً. لكنّ الجميع يعرفون أن الابن لديه طريقة مختلفة في التعامل مع الملفات، لكنه يتصرّف على أنه في ظل وجود والده، لن يتجاوز الحدود العامّة المسموحة له، لكنه كما أصرّ على إحداث تغييرات على صعيد قيادات الحزب في أكثر من منطقة، فهو معنيّ أيضاً بتقديم وجوه قيادية جديدة تتصدّى للدور النيابي، ويعتقد أن على والده المساعدة في هذا الأمر، علماً أن آل جنبلاط لا يُظهِرون أي تباين في الموقف السياسي من المسائل العامة أو من التحالفات الانتخابية، ولو أن جنبلاط الأب، لديه هذه الفترة تحفّظات كثيرة على بعض الحلفاء ولا سيما على فريق «القوات اللبنانية». لكن من المُستبعد أن يكون لهذا الأمر أي تأثير على التحالفات بين الجانبين في عاليه والشوف وبعبدا.

أمّا بالنسبة إلى إقليم الخروب، فقد بات واضحاً أن النائب بلال عبدالله ثابت على لائحة الاشتراكي، وقد أُبلغت كل القوى التي يتفاوض معها الاشتراكي بالأمر. وهدف الاستعجال، هو لكي لا يكون المرشّح عن المقعد السنّي الثاني من شحيم فيتأثّر عبدالله بالأمر، علماً أن الأخير يردّد في مجالسه أنه تعب من الخدمات ويواجه ضغوطاً من عائلته. كما تبيّن أن النائب السابق علاء الدين ترّو أكّد أمام أنصاره أنّ عبدالله باقٍ.

تهديد أميركيّ للبنان: ابتعدوا عن الحرب مع إيران.. تسلموا!

| وفيق قانصوه |

رغم تصاعد حملة التهويل الإسرائيلي، والتلويح باحتمالات التصعيد ورفع منسوب التهديد العسكري بتوسيع دائرة المواجهة، بدت مواقف رئيس الجمهورية جوزف عون أكثر ميلاً إلى اطمئنانٍ حذر، مفاده أن «شبح الحرب أصبح بعيداً، من دون أن يعني ذلك إقصاءه كلياً». ونقل زوّار عون عنه، الأربعاء الماضي، أن «الأجواء السائدة توحي بالإيجابية على الصعد كافة، وأن العمل جارٍ مع مختلف الدول الصديقة والشقيقة من أجل تحييد الحرب بشكل كامل». فيما نقلت وسائل إعلام عبرية أمس أن الإدارة الأميركية لم تستبعد الخيار العسكري في لبنان، لكنها دعت إسرائيل إلى «التريّث وإعطاء فرصة لمزيد من الحوار مع الحكومة اللبنانية قبل اتخاذ قرار نهائي».

غير أن طرح «تحييد» لبنان عن أيّ مواجهة إقليمية محتملة، ولا سيما في حال توجيه ضربة إلى إيران، يأتي هو أيضاً في سياق التهويل الإسرائيلي والضغوط السياسية والإعلامية التي تُمارَس على الداخل اللبناني. فهذا الطرح لا يُقدَّم فقط بوصفه ضمانة لعدم الانزلاق إلى الحرب، بل يُستخدم أيضاً كأداة ضغط غير مباشرة لإعادة رسم صورة المسؤوليات أمام الرأي العام الداخلي، إذ يُراد له أن يوحي بأن خيار الحرب أو السلم بات مرهوناً حصراً بسلوك المقاومة، وأن أي رفض لشروط التسوية الأميركية – الإسرائيلية سيُظهِرها سبباً في تعريض لبنان للخطر. وبهذا المعنى، يتحوّل «التحييد» إلى آلية ابتزاز لدفع المقاومة إلى القبول بالشروط المفروضة، أو مواجهة تحميلها مُسبقاً مسؤولية أي تصعيد.

مرجع رسمي بارز قال لـ«الأخبار»، إن مواقف رئيس الجمهورية تستند إلى «معلومات ومعطيات وصلت إلى المراجع الرسمية اللبنانية من جهات دولية عليا وسفارات غربية»، تفيد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، خلال لقائهما في فلوريدا في 29 الشهر الماضي، «اتفقا على توجيه ضربة إلى إيران في حال لم تنخرط في تسوية وفق الشروط الأميركية، وعلى إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وعلى تحييد لبنان في هذه المرحلة عن أي ضربة تُوجَّه إلى إيران».

غير أن هذا التحييد، بحسب المعطيات نفسها، «مشروط بعدم دخول حزب الله على خط المواجهة، إذ إن أي مشاركة للحزب ستُقابل بتوجيه ضربة إسرائيلية واسعة وعميقة تطاول الضاحية الجنوبية والبقاع خصوصاً». وأوضح المصدر أن «التحييد لا يعني وقف الاعتداءات اليومية التي يشنّها العدو، ولا التخلي عن سياسة الضغط ضمن قواعد الاشتباك الحالية التي يسعى إلى تكريسها منذ وقف إطلاق النار في لبنان».

وفي هذا السياق، أكّد المصدر أن جهوداً حثيثة تبذلها الرياض مع طهران لدفعها نحو التسوية، مشيراً إلى خشية حقيقية لدى المملكة العربية السعودية من أي حرب تُشنّ على إيران، إذ إن أي فوضى في هذا البلد ستنتقل عدواها إلى دول الخليج، فيما قد يفتح سقوط النظام الباب أمام عودة إيران إلى لعب دور «شرطي الخليج».

ولفت المصدر إلى أن الأميركيين مقتنعون بأن دخول إيران في تسوية وفق شروطهم القائمة على الوقف التام للبرنامج النووي ووقف دعم «الأذرع» الإيرانية في لبنان والعراق واليمن، سينسحب تسوية على الملف اللبناني. أمّا في حال المضي في توجيه ضربة لإيران، فإن نتائجها ستنسحب أيضاً على الملف اللبناني، لأن حزب الله سيكون أكثر ضعفاً وأقلّ قدرة على المناورة، في حال أدّى الهجوم على إيران إلى «كسر» النظام فيها، إذ عندها، وفق التصور الأميركي، يمكن بعد كسر العمق الاستراتيجي الأساسي للحزب، اعتماد نهج استنزافي لإنهاكه و«تفكيكه»، عبر تقويض شرعيته الشعبية الداخلية وضرب مصادر قوته وقطع القنوات التي تمكّنه من مواصلة التسلّح، وتعزيز الرقابة على الحدود لمنع تهريب الأسلحة، بالتوازي مع مواصلة الضربات الدقيقة ضد بناه التحتية وقياداته.

في هذا السيناريو، يلعب كل طرف دوره بدقّة. إسرائيل تؤدي دور القوة العسكرية المباشرة التي تواصل الاعتداءات ضمن «عناوين محدّدة»، وبسقف متحرّك صعوداً وهبوطاً، بما يضمن إبقاء المقاومة تحت ضغط دائم من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
في المقابل، تلاقي السلطات اللبنانية هذه الاستراتيجية عبر سياسة المنع: المنع المالي، منع الإعمار، الضغط السياسي والإعلامي، وتعطيل أي مسار يسمح بترميم نتائج المواجهة. وهنا تتحوّل الدولة، أو أجزاء منها، إلى عنصر ضاغط داخلي، يكمّل الضغط الخارجي.
وبالتوازي يجري العمل على الترويج لهذا المسار بوصفه الخيار الأقل كلفة، بحيث يصبح منع التدهور إلى ما هو أخطر، «إنجازاً» بحدّ ذاته للبنان، لا فشلاً في حماية سيادته.

ولا يكتمل هذا الخيار الاستراتيجي من دون بعده الإقليمي، وتحديداً الرهان على إيران. فالاستنزاف في لبنان يُفترض أن يترافق مع مسار سياسي – دبلوماسي يهدف إلى تجريد إيران من مصادر قوتها، عبر دفعها إلى تسوية وفق الشروط الأميركية. والرهان هنا مزدوج: إمّا اتفاق يُفقِد المقاومة في لبنان عمقها الاستراتيجي، ما يجعل عملية الاستنزاف أسهل وأسرع، أو ضربة عسكرية لإيران تمتدّ تداعياتها مباشرة إلى حزب الله، وتضعفه بنيوياً.

ضمن هذا الإطار، فإن القول إن «شبح الحرب أصبح بعيداً»، لا يعكس طمأنة نهائية، بل هو توصيف لمرحلة لا حرب شاملة ولا سلام. وكذلك الحديث عن العمل على «تحييد الحرب بشكل كامل»، يأتي منسجماً مع خيار الاستنزاف.

الحسابات المالية لقانون توزيع الخسائر: إنقاذ لبنان أم القطاع المالي؟

| محمد وهبة |

يزعم كل المعنيين بإعداد وإقرار مشروع توزيع الخسائر (قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع)، أن الأولوية القصوى هي للمودعين ولسداد ودائعهم. هذا ما حصل في سياق مناقشات المشروع في مجلس الوزراء، وإحالته إلى مجلس النواب. هناك أيضاً، حيث سيناقش المشروع على مستوى لجانٍ مصغّرة ثم لجانٍ أوسع وصولاً إلى عرضه على الهيئة العامة، سيدّعي النواب بكل تنوّعاتهم السياسية، وبلجانهم المؤسساتية، وبتناقض المصالح المزروعة بينهم، وبالضغط الشعبي على بعد بضعة أشهر من الانتخابات النيابية، وبالضغوط السياسية الدولية، أن المودعين لهم الأولوية القصوى.

لكن الواقع، أن أياً من رجال السلطة لا يملك الجرأة على الإقرار بما هو واضح للعيان: حجم الخسائر هائل إلى درجة أن كل ما يُطرح من سيناريوهات ومعالجات يعمّق خسائر المجتمع والاقتصاد، وأن لبنان مشوب بسوء إدارة تاريخي من أركان النظام، أي قوى السلطة وأصحاب المصارف. فلا أموال المودعين قابلة للردّ بلا شطب، وليس هناك دولة أصابتها أزمة مصرفية ثم بدأت تركّز على إبقاء المصارف بهياكلها القديمة في الملكية والإدارة، وليس منطقياً استخدام كل السيولة بالعملة الأجنبية من أجل إنقاذ فئة واحدة من اللبنانيين.

ففي سيناريوهات الحكومة وتقديراتها التي اعتُمدت لصياغة مشروع القانون، ومن أجل تمويل أول 100 ألف دولار لكل مودع بكلفة تتجاوز 20 مليار دولار، لا بدّ من تسديد كل السيولة النقدية بالعملات الأجنبية المتوافرة لدى مصرف لبنان والمصارف، بالإضافة إلى تسييل كل ملكياتهم من عقارات وشركات وأصول أخرى من بينها جزء من الذهب (حتى الآن الحسابات تشير إلى ربع كمية الذهب)، على أن تدفع الخزينة 500 مليون دولار سنوياً لمصرف لبنان. هذه كلفة هائلة لتسديد أول 100 ألف دولار في أربع سنوات.

أما الباقي المفترض للمودعين، وهو سيكون على شكل شهادات إيداع بقيمة مقدرة بأكثر من 40 مليار دولار، فسيُصدر من مصرف لبنان مقابل وعود بالتسديد تمتدّ على عشرين سنة وتبدأ بـ 2% سنوياً وتدفع منها المصارف 20%… كل هذا يعني أن سيولة لبنان بالعملات الأجنبية ستُستنفد اعتباراً من السنة الثانية من برنامج التسديد للمودعين، ومعها يُستنفد أي أمل بإنقاذ اقتصادي – اجتماعي.

بُني مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع على أساس تقديرات مالية غير دقيقة. فالمصارف لديها الآن التزامات تجاه المودعين بقيمة 82 مليار دولار، وهي أقرضت مصرف لبنان مبلغاً مماثلاً، وهذا الأخير، كما بات معروفاً، أقرض جزءاً من الأموال للخزينة العامة واستعمل جزءاً آخر في الدفاع عن ثبات سعر الصرف وفي دعم القروض الاستهلاكية وتمويل شراء الفيول وغيرها. عملياً، ما يملكه القطاع المالي من هذه الأموال الآن، هو على النحو الآتي:

– مصرف لبنان: يملك سيولة جاهزة بالعملة الأجنبية قيمتها 11.98 مليار دولار مسجّلة في ميزانيته تحت عنوان التوظيفات الإلزامية، إلى جانب مجموعة من الملكيات العقارية والتجارية مثل ميدل إيست، كازينو لبنان، وإنترا، بقيمة مقدّرة بنحو 5 مليارات دولار، وكمية من الذهب، آخر تحديث لقيمتها بلغ 40 مليار دولار (لا يمكن لأحد أن يفترض أن تقييم الذهب سيكون على أساس السعر الرائج حالياً، بل سيكون أدنى بكثير).

– الدولة: تملك مبلغاً فائضاً في حساباتها لدى مصرف لبنان يوازي ما قيمته 3.5 مليارات دولار.
المصارف: تملك سيولة حرّة مقدّرة بنحو 2.5 مليار دولار في حساباتها لدى مصارف المراسلة خارج لبنان، ولديها مجموعة من الملكيات العقارية بقيمة مقدرة تبلغ 5 مليارات دولار.

بحسب فرضيات مشروع قانون الفجوة المالية، فإن أول 100 ألف دولار من مجموع حسابات كل مودع لدى كل المصارف (سيتم جمع كل حسابات المودع في كل المصارف في حساب واحد)، هي مضمونة السداد من ثلاثة مصادر: التوظيفات الإلزامية، مصرف لبنان، المصارف. وفق التقديرات الأولوية هو مبلغ يتراوح بين 20 مليار دولار و26 مليار دولار (ليس واضحاً كيف ستكون الكلفة النهائية بعد جمع الحسابات)، أي بمتوسط 23 مليار دولار. أما الباقي من الودائع، فسيستحوذ عليها مصرف لبنان ويصدر شهادات إيداع «معزّزة» أو «مسنّدة» بمجموعة الأصول التي يملكها مصرف لبنان، أي إنها لن تكون مرهونة بهذه الأصول.

قبل أي سداد، ستجرى دراسة وتقييم جودة الأصول لدى مصرف لبنان والمصارف من أجل تحديد الخسائر المتوقعة أو المحققة في ميزانية كلّ منها. يقدّر أن تُحدّد الخسائر المتوقّعة أو المسجّلة في التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف بنحو 10 مليارات دولار ستشطب من الميزانية، ما يعني أن التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف ستصبح 72 مليار دولار بدلاً من 82 مليار دولار، وستبقى التزامات المصارف تجاه المودعين 82 مليار دولار.

وبالتالي سيكون مطلوباً من المصارف تغطية مبلغ 10 مليارات دولار من رساميلها. حالياً، لم يبقَ لدى المصارف أكثر من 4.5 مليارات دولار من الرساميل، لكنها سبق أن أخذت مؤونات مقابل خسائر متوقعة بنسبة 75% مما تحمله من سندات اليوروبوندز وبنسبة 1.89% مما وظّفته لدى مصرف لبنان. في المحصّلة يقدّر أن يبقى لديها رساميل بنحو 4 مليارات دولار يتم نقلها إلى حساب الشريحة الثانية من الرساميل حيث لا يمكن استعمالها إلا بهدف احتساب نسب الملاءة. وبحسب ما يردّد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مجالسه، فإن الرسملة الإضافية المطلوبة من المصارف ستكون على الأقل 100 مليون دولار لكل مصرف.

قبل أي رسملة جديدة، سيترتب على المصارف ومصرف لبنان، من أجل تسديد حصّتهما من أول 100 ألف دولار لكل مودع، استعمال التوظيفات الإلزامية، وسائر السيولة بالعملة الأجنبية. وستحتسب التوظيفات الإلزامية بين مصرف لبنان وكل مصرف على حدة على أن تكون لمصرف لبنان قدرة على السداد الإضافي حتى 60%، وتسدّد المصارف حصّتها البالغة 40%.

بمعنى أن مصرف لبنان سيحسب التوظيفات الإلزامية لكل مصرف على حدة، وسيُنظر إلى وضع سيولة كل مصرف وحساب التبادلات بينهما لا سيما في أولى فترات الأزمة لتحديد نسبة تدخّله ضمن هامش الـ60%. طبعاً، سيترتّب على المصارف أن تسيّل ملكياتها وتستعمل سيولتها الجاهزة أيضاً. ستبيع المصارف ما تملكه من يوروبوندز بسعر السوق، وستبيع ملكياتها العقارية، لا سيما العقارات التي حصلت عليها من الزبائن استرداداً للدين، وستعمل على استرداد جزء مهم مما تبقى من القروض التي يمكن تحصيلها.

ومع كل هذه الخطوات، يصعب القول إنه يمكن أن تكفي كل هذه السيولة لسداد برنامج تسديد أول 100 ألف دولار للمودعين. فمصرف لبنان لا يمكنه استخدام كل سيولته بالعملة الأجنبية، إذ سيتوجب عليه أن يبقي احتياطاً كبيراً لديه يُفترض أن يوازي ستة أشهر من الاستيراد (حالياً متوسط الاستيراد الشهري يبلغ 1.6 مليار دولار)، وهذا مبلغ ضخم ولا يملكه المصرف. أما الدولة، فستدفع لمصرف لبنان تسديداً للديون المتوجبة عليها (16.5 مليار دولار تصدر مقابل سندات دائمة بفائدة تصل إلى 7%) مبلغ 500 مليون دولار سنوياً.

وكل ما تملكه المصارف من أصول قابلة للتسييل قد لا يتخطّى 5 مليارات دولار. في المحصّلة، يقول أحد المعنيين بإعداد المشروع، إنه قد يكون ممكناً تأمين السيولة اللازمة لسداد أول 100 ألف دولار للمودعين، لكن الاستحقاقات الإضافية تبدأ في السنة السادسة حتى السنة العاشرة بمبالغ هائلة لا يمكن تأمينها من دون تسييل مصرف لبنان لكل أصوله في الميدل إيست وإنترا والعقارات والكازينو وغيرها ومن دون بيع ربع كمية الذهب.

وبهذا يكون لبنان قد استنفد غالبية سيولته بالعملة الأجنبية على مدى عشر سنوات، فما الذي يمكن أن تقوم به السلطة في سياق الإصلاح الاقتصادي؟ حرفياً، لن تجد السلطة سوى أن تبيع ملكياتها السيادية، من حقوق الإنتاج والنقل والتوزيع في الكهرباء والاتصالات والمياه… اللائحة طويلة، لكن نتيجتها واضحة: لبنان سيباع بثمن بخس. فهل يجب البحث في كيفية إنقاذ لبنان، أم إنقاذ القطاع المالي؟ المشروع الراهن يؤدي إلى إفلاس لبنان وإنقاذ القطاع المالي، وإن زعمت المصارف أن المشروع يؤدي إلى إفلاسها ويكبّدها ما لا طاقة لها على تحمّله.

ما مصير ودائع الفريش؟

إذا امتنع أي مصرف، أو تبيّن بأنه غير قادر، على تسديد أول 100 ألف دولار وإعادة رسملة نفسه، فإنه سيحال قطعاً إلى التصفية وفق قانون معالجة أوضاع المصارف. وهناك ليس واضحاً من سيتحمل كلفة تسديد أول 100 ألف دولار، ولا مصير الودائع الفريش التي يحملها في ميزانيته. فعندما يحال المصرف إلى التصفية تصبح الأولوية للمودعين متساوية وفق القانون، أي تصفّى أصوله لتسديد الودائع وفق ما يسمّى «القرش الداير»، وبالتالي لا حماية لودائع الفريش المحمية الآن بموجب تعاميم مصرف لبنان، وذلك في حال قرّر المصرف الذهاب نحو التصفية.

كلفة أول 100 ألف دولار أقلّها 20 ملياراً

هو العدد المفترض للمودعين بعد جمع حساباتهم المختلفة في كل المصارف في حساب واحد يدفع منه أول 100 ألف دولار. في أيلول 2025، بلغ العدد الإجمالي للحسابات المصرفية نحو 927363 حساباً فيها 82.27 مليار دولار. وفي الشريحة الأولى للحسابات التي يقلّ ما فيها عن 100 ألف دولار، هناك 782462 حساباً فيها 14.8 مليار دولار بمتوسط 19 ألف دولار لكل حساب، ويقدّر بأن 30% من عدد الحسابات سيتم جمعه في حساب واحد، ما يعني أن الكلفة الإجمالية لهذه الشريحة لتسديد أول 100 ألف دولار يبلغ 10.4 مليارات دولار لنحو 547 ألف حساب.

أما باقي الحسابات ويصل عددها إلى 145 ألف حساب، فقد يبقى منها بعد جمع الحسابات نحو 101 ألف حساب سيسدّد لها نحو 10 مليارات دولار. أي إن الكلفة النهائية لأول 100 ألف دولار ستعتمد على عدد الحسابات التي سيتم جمعها ومتوسط الموجود في حساب الشريحة الأولى (أقل من 100 ألف دولار).

صعوبات إجرائية

حتى الآن لا تعرف المصارف كيف سيتم تطبيق القانون الذي أقرّه مجلس الوزراء، على افتراض أن مجلس النواب أقرّه من دون تعديلات جوهرية. وهذا الأمر يفرض على لجنة الرقابة على المصارف تحدياً كبيراً، مع أن رئيسها وأعضاءها ليسوا من ذوي الخبرة الواسعة في عمليات الرقابة. فمن الآن، يترتب على اللجنة أن تبتدع طريقة لجمع حسابات المودعين، وعليها أن تبتدع طريقة لنقل المبالغ التي تفوق الـ100 ألف دولار المضمونة، إلى حساب لدى مصرف لبنان. هذه العمليات الإجرائية ليست سهلة، لأنها ليست عملية تصفية، بل هي عملية نقل مرتبطة بأصول وباستحقاقات طويلة المدى.

السحوبات السابقة لن تحتسب

يقول أحد المعنيين بإعداد مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، إن كل ما سحبه المودعون من حساباتهم نقداً في الفترة الماضية لن يحتسب وفق آليات المشروع الذي أقرّه مجلس الوزراء، بمعنى أن الـ100 ألف دولار المضمونة ستدفع بكاملها مهما كان المبلغ المسحوب سابقاً. ويبرّر الأمر بأن كل ما حصل عليه المودعون سابقاً هو من حقّهم ومن أموالهم التي لا يمكن أن يحرمهم منها أحد رغم أنه لن يكون عادلاً بين من تمكّن من سحب أموال له سابقاً وستضاف إليها 100 ألف دولار وفق القانون وبين من سيحصل على الـ100 ألف دولار فقط.

لا خيار إلّا مقاومة الوحش.. فالكلفة واحدة!

| ابراهيم الأمين |

لا أُحجيات مع القاتل الكبير، ولا أسئلة تستدعي منجّمين أو ضاربي رمل. فالصورة في غاية الوضوح، بل لعلّها الأوضح في تاريخنا الحديث: هناك مجرم يقود عصابة عابرة للحدود، يعلن منطقه بلا مواربة: أنا ربّكم الأعلى، وما أريده عليكم تنفيذه. إن فعلتم سلماً منحْتُكم حياة العبيد، وإن رفضتم قتلتُكم وأبَدتُ نسلكم.

في مواجهة هذا الوحش، ينقسم الناس. فريق غير قليل يرى أن النجاة تمرّ عبر الإذعان لمطالبه، مع تعلّقٍ بوهم تغيّرٍ ما في زمنٍ لاحق. في المقابل، قلّة تدرك أن ما يُطرح ليس بحثاً عن تسوية، بل مشروع قتل شامل، سواء وقفنا مرفوعي الرأس أو زاحفين تحت الأرض. ولهؤلاء منطقهم الواضح: فلنقاوم، ولنحرمه شرط الاستسلام، وهناك أمل بأن مقاومة الوحش قادرة على إحداث التغيير الكبير.

أنصار الاستسلام ينطلقون من التسليم بالهزيمة قبل إطلاق الرصاصة الأولى، بحجّة أن قوة الوحش لا تُضاهى. وهم، في العادة، يميلون إلى القوي ويعجبون به ولو كان قاتلاً، رغم أن التاريخ يثبت أنهم جرّبوا هذا الخيار قروناً طويلة، ولم ينجُ منه إلا قلّة تحوّلت اليوم إلى أدوات جباية لمصلحة الوحش نفسه.

أمّا الفريق الآخر، فليس واهماً ولا فاقداً للعقل. بل يعرف أن التاريخ يعلّم الشعوب أن المقاومة القائمة على المعرفة والقدرة والإرادة قادرة على تخريب أخطر المشاريع. ألم تسقط إمبراطوريات عاشت قروناً تحت ضغط المقاومة؟ ألم تخسر أوروبا المتوحّشة معظم نفوذها في أقل من قرن بسبب مقاومات جدّية؟ ألم تنتهِ حروب أميركا في مطلع هذه الألفية بخسائر فادحة أصابت مشروعها من أفريقيا إلى الخليج والعراق وأفغانستان؟ كل ذلك لم يكن ثمرة ذكاء المستسلمين، بل نتيجة مقاومة ذكية.

سيخرج من يقول إن أميركا، حين كانت تخسر، كانت تخلّف الفوضى خلفها. وهذا صحيح. لكنّ الصحيح أيضاً أنها لم تكن تتوقف عن الحرب، بل كانت تنقلها إلى مسافات أبعد. أليس الحصار الاقتصادي، وسياسات القتل بالنار أو بالوباء أو بالتجويع، شكلاً من أشكال الحروب المفتوحة؟ إنها أدوات أخرى يملكها الوحش ذاته، الذي لا يقيم وزناً لأيّ قواعد أخلاقية، ويجاهر بذلك علناً، كما يفعل سيّد وحوش عصرنا، دونالد ترامب.

في بلادنا ومنطقتنا، ثمّة من يجلس مترقّباً نصيبه من المسلسل المفتوح للوحش. وهنا أيضاً، توجد غالبية تدعو إلى الاستسلام، وتهلّل للوحش ظنّاً منها أن في ذلك ما يرفع من شأنها، كأنها لا ترى ما يجري اليوم من حروب «صغار الوحوش» في الجزيرة العربية، وشمال أفريقيا وشرقها.

في المقابل، توجد في بلادنا أقلية مقتنعة ومنخرطة في مشروع مقاومة هذا الوحش. أقلية تعرف جيداً أنها كلما تقدّمت، انضمّ إليها كثيرون من أولئك الذين يرزحون اليوم تحت وطأة الخوف على حياتهم.
علي أيّ حال، لن يكون النقاش في الخيارات الكبرى مُجدِياً هنا. لكن ما ينفع، وهو ضروري للجميع، إدراك أن ليس في بلادنا من يملك القدرة على فرض رؤيته على الآخرين قسراً. في حالتنا، يمكن للجميع أن يواصلوا صراعاتهم حول الوجهة وطريقة التصرّف، غير أنّ هذا الجدل كلّه يتبدّد في لحظة واحدة، لأن قرار الحرب ليس بيد أيٍّ منا اليوم، بل هو حصراً بيد الوحش نفسه؛ ذلك الوحش الذي لا يشبع من الحروب، لأنه لا يكتفي بما راكمه من ثروات وقدرات، بل يريد كل شيء.

وحين تكون الحرب محكومة بإرادة الوحش، يصبح السؤال الحقيقي المطروح أمام الناس المنقسمين حول الخيار الأنسب سؤالاً وجودياً. فلا يمكن لمن اختار الاستسلام أن يفرض خياره على الآخرين؛ وإذا حاول فرضه، فلن يجد من يسانده سوى الوحش ذاته، فهو الطرف الوحيد المستعدّ لتقديم «المساعدة».

في المقابل، من يختار المقاومة لا ينتظر عوناً من أحد. هكذا علّمتنا تجارب لبنان مع الاحتلال، إذ لم يقف العالم يوماً إلى جانبنا ما دامت لذلك كلفة كبيرة. لذلك، من يقرّر المقاومة يدرك مُسبقاً أنه سيُجبر على تحمّل الأثمان وحده، وأن عليه في الوقت نفسه أن يأخذ في الاعتبار عدم جرّ الجميع إلى دفع الثمن المباشر لخيار المقاومة. وهذا تحديداً ما دأبت عليه المقاومة في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي. فأيّ ضرر أصاب البلاد عموماً كان سببه الاحتلال والحصار من قبل الأميركي، لا خيار المقاومة بحدّ ذاته. لا لأن هذا الخيار بلا كلفة، بل لأن المقاومة ليست الطرف القادر على شنّ الحروب أو فرض الحصار. كل ما تفعله هو مقاومة هذا الوحش: لأنها تجيد قراءة التاريخ، ولأنها ببساطة ترفض الاستسلام، ولأنها فهمت أن القتل سيكون عقابها سواء وقفت منتصبة أم ركعت، لكنها تعرف أيضاً أن لديها فرصة حقيقية لإفشال أهداف الوحش، وفتح نافذة أمل تتيح لمن بقي من أهلها أن يعيشوا حياة أفضل.

المثير للشفقة في لبنان هو مشهد أولئك الذين يهلّلون للعدوان الأميركي على فنزويلا، وهم أنفسهم من هلّلوا سابقاً للعدوان على إيران والعراق وسوريا، بل وعلى لبنان نفسه. يرفعون الكؤوس ابتهاجاً، متمنّين نجاح الوحش في القضاء على كل من يرونه خصماً لهم، فيما يعجزون اليوم، أو لا يجرؤون، أو لا يملكون حتى الحق الأخلاقي، على إعلان موقف واضح من الصراع القائم بين السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ ذلك الصراع العسكري الذي يدور على أرض دولة ثالثة اسمها اليمن.

أليس هؤلاء الصامتون أنفسهم هم من كانوا يعلون أصواتهم اعتراضاً عندما أرسل حزب الله من يساعد ثلثي الشعب اليمني في مواجهة العدوان الذي نفّذه المتصارعان السعودي – الإماراتي؟ أم أن حفنة من الخبراء، قادهم الشهيد البطل هيثم الطبطبائي في اليمن، تشكّل خطراً على اليمن وأهله، وعلى لبنان والمنطقة، أكثر مما تشكّله جيوش جرّارة من المرتزقة تقودها السعودية والإمارات في تلك المنطقة؟
مرة جديدة، لا جدوى من النقاش مع الخائفين من الوحش في كل مكان. وغبيّ، أو «مسطول»، من يواصل الحديث عن القوانين الدولية وسيادة الدول وحقوق الإنسان. النقاش الوحيد المُتاح أمامنا اليوم هو سؤال أنفسنا: هل أعددنا أنفسنا بما يكفي للحرب الآتية بكل نيرانها، أم أننا بتنا قادرين على مباغتة العدو من دون الحاجة إلى انتظاره؟

ما بين مادورو وخامنئي و”حزب الله”

| جوني منيّر |

هزّت عملية قوة «الدلتا» التابعة للجيش الأميركي لأعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أرجاء العالم. ومردّ ذلك، ليس فقط للعملية المذهلة التي تمّ تنفيذها بدقة متناهية، ولا أيضاً بسبب تجاوز الأعراف والقوانين الدولية، بل خصوصاً لدلالاتها الكبرى والنتائج التي رست عليها، والرسائل المتعددة التي حملتها. فما حصل لا ينحصر فقط داخل إطار أميركا الجنوبية، بل هو يطاول إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد، وموازين القوى العريضة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين.

لم يخف الرئيس الأميركي دونالد ترامب موضوع النفط كأحد الأهداف الأساسية للعملية التي حصلت. والمسألة هنا تتعدّى كونها تشكّل مصدراً للثروة الاقتصادية، لتدخل إلى واقع النزاع البارد على الرقعة العالمية الدائر بين واشنطن وبكين. فالصين والتي نجحت في فرض نفسها كقوة اقتصادية كبرى، تعمل بهدوء على ترجمة قوتها الاقتصادية إلى نفوذ دولي، وبموازاة بناء قوة عسكرية تقارع القوة العسكرية الأميركية. ولأجل ذلك عملت القيادة الصينية على تمتين علاقات مفيدة لها ولاقتصادها على المستوى العالمي، ما سيسمح لها بتكريس دورها كقطب موازٍ لواشنطن، مع السعي لتطويق النفوذ الأميركي. لذلك، نسجت علاقات مميزة في أميركا الجنوبية، حيث تشهد علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة نفوراً لا بل عداءً تاريخياً، ما يفتح الباب أمام التمدّد الصيني لتركيز قواعده في منطقة تُعتبر الحديقة الخلفية لواشنطن. وعمدت في الوقت نفسه إلى التعاون مع روسيا (الطامحة لفرض سطوتها على القارة الأوروبية العجوز) لملء الفراغ في أفريقيا، والناتج من تهالك النفوذ الأوروبي ولا سيما منه الفرنسي وانهياره. ومع التحالف الذي حصل في العمق بين الصين وإيران الساعية لفرض سيطرتها على الشرق الأوسط، تصبح الطريق مفتوحة أمام بكين لمدّ نفوذها من الشرق الأوسط إلى أفريقيا فأميركا الجنوبية. أو بشيء من التفصيل، من طهران إلى وسط أفريقيا وغربها وصولاً إلى أميركا الجنوبية، فيما ترسّخ موسكو نفوذها بحراً عند الشاطئ السوري ومنه إلى الساحلين الشمالي والشرقي لأفريقيا. وركّزت الصين علاقاتها في أميركا الجنوبية مع فنزويلا وكوبا على وجه الخصوص.

وتكفي الإشارة إلى أنّ ما بين 60% إلى 90% من النفط الفنزويلي تشتريه الصين ويستفيد اقتصادها ومصانعها من أسعاره المنخفضة بسبب العقوبات الأميركية. وهو ما يعني استفادة مزدوجة ومربحة إقتصادياً وسياسياً. وفي الوقت نفسه تشتري الصين ما بين 85% إلى 90% من الخام الإيراني. والنفط الفنزويلي والخام الإيراني يمثلان معاً ما يقارب 35% من إجمالي واردات الصين. وفي حال نجحت واشنطن في وضع يدها على النفط الفنزويلي وربما لاحقاً على الصادرات النفطية الإيرانية، فعندها سيصبح النمو الصيني مهدّداً، وبالتالي ستكون قدرة بكين على إطلاق عملية عسكرية ضدّ تايوان، والتي كانت مرجحة خلال العام 2026، مسألة بالغة الصعوبة. كما ستصبح التحضيرات العسكرية الصينية في منطقتي المحيط الهندي والمحيط الهادئ صعبة جداً. ما يعني أنّ «ضربة» مادورو تشكّل فعلياً صفعة في وجه الطموح الصيني، وتؤدي عملياً إلى تعطيل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى ترسيخ نفوذها على الرقعة العالمية. ومن هنا فإنّ فنزويلا ليست مسألة جانبية ومحدودة، بل نقطة ارتكاز في نظام عالمي جديد كان آخذاً في التشكل.

ومن الزاوية نفسها، من الواجب قراءة الضربات الجوية التي نفّذها الجيش الأميركي في شمال نيجيريا. صحيح أنّ تنظيم «داعش» كما دائماً، وفّر الذريعة لترامب للتدخّل في «مهمّة» حماية المسيحيين من الإستهدافات التي تطاولهم، إلّا أنّ الحقيقة هي أنّ ترامب يريد ملء الفراغات الحاصلة في أفريقيا، واحتواء التمدّد الصيني، وبالتالي قطع فرض سيطرة بلاده على الموارد الأفريقية من جهة، ومن جهة أخرى قطع طريق التواصل الصيني مع دول أميركا الجنوبية والتي يؤمّنها الممر الأفريقي. ففي فنزويلا لا تشكّل ذريعة «محاربة المخدرات» حافزاً ضاغطاً للقيام بعملية بهذا الحجم. وللتذكير فإنّ فضيحة «ثوار الكونترا» واعترافات الضابط الأميركي أوليفر نورث في ثمانينات القرن الماضي، تضمنت تأمين التمويل من خلال عائدات تهريب المخدرات إلى داخل الولايات المتحدة الأميركية. وتمّ ذلك خلال ولاية الرئيس رونالد ريغان الجمهوري. وهذا ما يؤكّد وجود خلفية أكبر بكثير مما أُعلن حول «اعتقال» مادورو.

وبعد نجاح عملية اعتقال مادورو، وجّه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسالة تحذير إلى كوبا، وهو ما يتوافق مع سردية احتواء وخنق القواعد التي ترتكز إليها الصين في سياق مشروع تمدّدها على الخريطة العالمية. وهنا يصبح منطقياً وضع دائرة حمراء حول إيران، والتي تقع على تقاطع مصالح أميركي ـ إسرائيلي.

فقبل أيام معدودة، حصل الإجتماع الخامس في أقل من عام بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وكان السؤال الأبرز حول الضرورة القصوى التي فرضت حصول هذه السابقة، على رغم من عطلة الأعياد ووجود ترامب في منتجعه الخاص «مارالاغو» في فلوريدا. ولم يكن ذلك هو مبعث الغرابة الوحيد. فزيارة نتنياهو كانت طويلة وامتدت لأيام خمسة، وهو اصطحب معه وفداً موسعاً شمل عسكريين. وهنالك مزيد من المؤشرات الغريبة. فالمؤتمر الصحافي الذي أعقب الإجتماع بدا وكأنّه تمّ التحضير له مسبقاً بعناية، وأحاطته بعض الألغاز. فلقد احتكر ترامب الكلام معظم الوقت، وهو تولّى الإجابة عن معظم الأسئلة وبموافقة ضمنية من نتنياهو. وتعمّد ترامب إبقاء إجاباته ضمن الإطار العمومي متجنباً الإنزلاق إلى التفصيل. أما إجابات نتنياهو المعدودة فكانت قصيرة وموجزة على غير عادته. وهو ما بعث على الإعتقاد بتعمدهما إخفاء أي إجابة يمكن أن تفتح شهية الإستنتاجات.

وفي ذلك المؤتمر الصحافي بدا أنّ ترامب يتمسك بالإنتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة والذي يعتبره إنجازاً له، وأنّه يعارض أي خطوة إسرائيلية توسعية في الضفة. كما كرّر إشادته بالرئيس السوري أحمد الشرع، ما يعني ضمناً معارضة العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتي تؤدي إلى إضعاف سلطة دمشق. كذلك تأييده لتعاون إسرائيلي مع الرئيس التركي أردوغان.

لكن ما لفت أكثر هو منح ترامب لنتنياهو جرعات دعم إنتخابية واضحة ومبالغ بها أحياناً. أما التوافق «المقلق» فكان قائماً حول إيران ولبنان، والذي تصدّرته عبارة كرّرها ترامب أكثر من مرّة: «سنرى ما سيحدث». وهو ما اعتبره البعض بمثابة الضوء الأخضر لأحداث ستحصل، ولكن مع الحفاظ على سرّية تفاصيلها. فإذا كانت أولوية نتنياهو ومعه اليمين الإسرائيلي القضاء على ما تبقّى من نفوذ إيراني إقليمي، وتوجيه ضربة لإيران تنتج تغييراً للنظام القائم، فإنّ ترامب وفي إطار مشروعه الدولي الهادف لاحتواء مراكز قوة الصين على الرقعة الدولية، لا بدّ أنّه يريد استكمال ما بدأه في فنزويلا ونيجيريا وصولاً إلى إيران.

فمنذ أيام عدة والإحتجاجات الشعبية تتوسع وتتمدّد لتصل إلى نحو 40 مدينة كبيرة ومتوسطة إيرانية. وعماد هذه التحركات هذه المرّة هو قطاع التجار أو البازار، وذلك رفضاً للتدهور الإقتصادي وللموازنة المتقشفة التي أقرّتها الحكومة. وعلى سبيل المثال، فإنّ سعر صرف الدولار الأميركي كان يبلغ مطلع العام المنصرم نحو 60 ألف تومان، ومع نهايته وصل سعره إلى 135 ألف تومان. وفي الوقت نفسه ووسط العقوبات القاسية التي تحاصر إيران، فإنّ السلطة عاجزة عن إيجاد الحلول الناجعة، وهو ما دفع الناس إلى الإحتجاج في الشوارع. وهي ليست المرّة الأولى التي تجتاح فيها الإحتجاجات الشعبية شوارع إيران. ففي السابق انتفض الشارع على القيود الإجتماعية وفق ما عُرف بثورة «مهسا أميني». ويومها باشرت السلطات الدينية بتطبيق سياسة غض النظر عن إلزامية وضع الحجاب، وذلك بهدف امتصاص النقمة الموجودة. لكن منطلق الإحتجاجات اليوم هو إقتصادي، وحيث لا وجود لحلول سحرية، إلّا في حال حصول تفاهمات جانبية مع واشنطن، تسمح بالتخفيف من القيود الإقتصادية الموضوعة. وقد تشكّل التحدّيات السياسية الخارجية مخرجاً لاستيعاب احتجاجات الشارع، عبر تقديم الأولوية الوطنية على الأولوية الإقتصادية. وربما لذلك طلب نتنياهو من وزرائه عدم الإدلاء بأي تصريحات تتعلق بالوضع في إيران إلّا بعد الحصول على إذن مسبق، وكذلك فعل ترامب مع أعضاء إدارته. وهذا ما يكشف جدّية الوضع في إيران. وفي الأروقة الديبلوماسية كلام كثير وسيناريوهات متعددة. فواشنطن تتمسك ببقاء النظام الديني القائم لحسابات تتعلق بأفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى والمحيط. لكن واشنطن ترفض تماماً أي نفوذ إيراني عند الساحل الشرقي للمتوسط، وكذلك أي تعاون إقتصادي واسع مع الصين وروسيا. ولكن طهران التي أدركت حاجة واشنطن لاستمرار النظام الديني القائم في إيران، عملت على الاستمرار في سياستها والقائمة على إعادة بناء نفوذها الإقليمي بعد الضربات التي تلقتها. وقد تكون حسابات طهران أنّ ما فعلته واشنطن وتل أبيب ضدّها هو الحدّ الأقصى الذي يمكن أن تذهب في اتجاهه. لكن ثمة همساً في الأروقة الديبلوماسية، بأنّه في حال عدم حصول تفاهم مباشر بين طهران وواشنطن فإنّه يمكن الرهان على حصول انقلاب داخل النظام القائم، ما سيؤدي إلى حلول وجوه تتحلّى بالمرونة بدل تلك الموجودة الآن. فالإحتجاجات المتتالية تؤكّد ما تتناقله الإستطلاعات بأنّ زهاء 80% من الإيرانيين باتوا بعيدين من السلطة القائمة، وبالتالي فإنّ هذه السلطة أصبحت ركائزها مخلخلة بعض الشيء. وبالتالي يمكن الوصول إلى واقع جديد يعطي الرئيس مسعود بزشكيان صلاحيات أوسع، تسمح له بنسج سياسة خارجية جديدة، أو ربما إعادة بعض الوجوه المعتدلة إلى دائرة القرار، مثل خاتمي أو روحاني. وبذلك يبقى النظام الديني قائماً، ولكن وفق سلوك سياسي مختلف. وهذه الأفكار قد تكون واقعية وقد لا تكون. فالشارع الإيراني أثبت تاريخياً أنّه عصي على التأثير بقراراته الوطنية. لكن المأزق أيضاً أنّ هذا الشعب الذي كان يحظى دائماً بمستوى علمي عالٍ ومستوى معيشي واقتصادي رفيع، أصبح في واقع مختلف.

وفي لبنان، تتقاطع واشنطن وتل أبيب على وجوب إنهاء ملف سلاح «حزب الله»، ولو احتاج ذلك لعملية عسكرية إسرائيلية واسعة يتمناها نتنياهو. وفي وقت ستراقب واشنطن انتقال لبنان إلى البدء بتطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش، والتي عارضها «حزب الله» بشدة، فإنّ التركيز الأكبر سيكون على الوضع الإيراني. وبالتالي، فإنّ العملية العسكرية التي ينشدها نتنياهو لا بدّ أن تكون بعد انقشاع المشهد في شوارع إيران. وهنا تصبح عبارة ترامب «سنرى ما سيحدث» أكثر وضوحاً.

ضربة فنزويلا وجّهت رسالة مباشرة إلى كل العواصم التي تعمل على إرساء خريطة دولية جديدة إلى جانب الصين. ولكن ثمة أولويات شكّلت أوراق قوة للإقتصاد الصيني الضخم، والذي يتطور بسرعة فائقة. وإذا كانت كاراكاس تشكّل شرياناً نفطياً حيوياً للمصانع والإقتصاد الصيني، فإنّ الخام الإيراني لا يقلّ أهمية لنمو القوة الصينية. فهل ستتحرك واشنطن لترسيخ معادلة جديدة في الشرق الأوسط، ولكن بأسلوب مختلف عمّا حصل في فنزويلا؟

الكتيبة الأندونيسية تُغادر

يزور لبنان اليوم وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا، ليتابع مهمّات قوات «اليونيفيل»، ويلتقي عدداً من المسؤولين اللبنانيين. إذ إنّه بعد مغادرة الكتيبة التركية البحرية والكتيبة اليونانية من قوات «اليونيفيل»، ستغادر الاثنين الكتيبة البحرية الأندونيسية من مرفأ بيروت، في إطار استكمال التحضيرات لإنهاء مهام «اليونيفيل» نهاية عام 2026.