
| محمد وهبة |
يزعم كل المعنيين بإعداد وإقرار مشروع توزيع الخسائر (قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع)، أن الأولوية القصوى هي للمودعين ولسداد ودائعهم. هذا ما حصل في سياق مناقشات المشروع في مجلس الوزراء، وإحالته إلى مجلس النواب. هناك أيضاً، حيث سيناقش المشروع على مستوى لجانٍ مصغّرة ثم لجانٍ أوسع وصولاً إلى عرضه على الهيئة العامة، سيدّعي النواب بكل تنوّعاتهم السياسية، وبلجانهم المؤسساتية، وبتناقض المصالح المزروعة بينهم، وبالضغط الشعبي على بعد بضعة أشهر من الانتخابات النيابية، وبالضغوط السياسية الدولية، أن المودعين لهم الأولوية القصوى.
لكن الواقع، أن أياً من رجال السلطة لا يملك الجرأة على الإقرار بما هو واضح للعيان: حجم الخسائر هائل إلى درجة أن كل ما يُطرح من سيناريوهات ومعالجات يعمّق خسائر المجتمع والاقتصاد، وأن لبنان مشوب بسوء إدارة تاريخي من أركان النظام، أي قوى السلطة وأصحاب المصارف. فلا أموال المودعين قابلة للردّ بلا شطب، وليس هناك دولة أصابتها أزمة مصرفية ثم بدأت تركّز على إبقاء المصارف بهياكلها القديمة في الملكية والإدارة، وليس منطقياً استخدام كل السيولة بالعملة الأجنبية من أجل إنقاذ فئة واحدة من اللبنانيين.
ففي سيناريوهات الحكومة وتقديراتها التي اعتُمدت لصياغة مشروع القانون، ومن أجل تمويل أول 100 ألف دولار لكل مودع بكلفة تتجاوز 20 مليار دولار، لا بدّ من تسديد كل السيولة النقدية بالعملات الأجنبية المتوافرة لدى مصرف لبنان والمصارف، بالإضافة إلى تسييل كل ملكياتهم من عقارات وشركات وأصول أخرى من بينها جزء من الذهب (حتى الآن الحسابات تشير إلى ربع كمية الذهب)، على أن تدفع الخزينة 500 مليون دولار سنوياً لمصرف لبنان. هذه كلفة هائلة لتسديد أول 100 ألف دولار في أربع سنوات.
أما الباقي المفترض للمودعين، وهو سيكون على شكل شهادات إيداع بقيمة مقدرة بأكثر من 40 مليار دولار، فسيُصدر من مصرف لبنان مقابل وعود بالتسديد تمتدّ على عشرين سنة وتبدأ بـ 2% سنوياً وتدفع منها المصارف 20%… كل هذا يعني أن سيولة لبنان بالعملات الأجنبية ستُستنفد اعتباراً من السنة الثانية من برنامج التسديد للمودعين، ومعها يُستنفد أي أمل بإنقاذ اقتصادي – اجتماعي.
بُني مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع على أساس تقديرات مالية غير دقيقة. فالمصارف لديها الآن التزامات تجاه المودعين بقيمة 82 مليار دولار، وهي أقرضت مصرف لبنان مبلغاً مماثلاً، وهذا الأخير، كما بات معروفاً، أقرض جزءاً من الأموال للخزينة العامة واستعمل جزءاً آخر في الدفاع عن ثبات سعر الصرف وفي دعم القروض الاستهلاكية وتمويل شراء الفيول وغيرها. عملياً، ما يملكه القطاع المالي من هذه الأموال الآن، هو على النحو الآتي:
– مصرف لبنان: يملك سيولة جاهزة بالعملة الأجنبية قيمتها 11.98 مليار دولار مسجّلة في ميزانيته تحت عنوان التوظيفات الإلزامية، إلى جانب مجموعة من الملكيات العقارية والتجارية مثل ميدل إيست، كازينو لبنان، وإنترا، بقيمة مقدّرة بنحو 5 مليارات دولار، وكمية من الذهب، آخر تحديث لقيمتها بلغ 40 مليار دولار (لا يمكن لأحد أن يفترض أن تقييم الذهب سيكون على أساس السعر الرائج حالياً، بل سيكون أدنى بكثير).
– الدولة: تملك مبلغاً فائضاً في حساباتها لدى مصرف لبنان يوازي ما قيمته 3.5 مليارات دولار.
المصارف: تملك سيولة حرّة مقدّرة بنحو 2.5 مليار دولار في حساباتها لدى مصارف المراسلة خارج لبنان، ولديها مجموعة من الملكيات العقارية بقيمة مقدرة تبلغ 5 مليارات دولار.
بحسب فرضيات مشروع قانون الفجوة المالية، فإن أول 100 ألف دولار من مجموع حسابات كل مودع لدى كل المصارف (سيتم جمع كل حسابات المودع في كل المصارف في حساب واحد)، هي مضمونة السداد من ثلاثة مصادر: التوظيفات الإلزامية، مصرف لبنان، المصارف. وفق التقديرات الأولوية هو مبلغ يتراوح بين 20 مليار دولار و26 مليار دولار (ليس واضحاً كيف ستكون الكلفة النهائية بعد جمع الحسابات)، أي بمتوسط 23 مليار دولار. أما الباقي من الودائع، فسيستحوذ عليها مصرف لبنان ويصدر شهادات إيداع «معزّزة» أو «مسنّدة» بمجموعة الأصول التي يملكها مصرف لبنان، أي إنها لن تكون مرهونة بهذه الأصول.
قبل أي سداد، ستجرى دراسة وتقييم جودة الأصول لدى مصرف لبنان والمصارف من أجل تحديد الخسائر المتوقعة أو المحققة في ميزانية كلّ منها. يقدّر أن تُحدّد الخسائر المتوقّعة أو المسجّلة في التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف بنحو 10 مليارات دولار ستشطب من الميزانية، ما يعني أن التزامات مصرف لبنان تجاه المصارف ستصبح 72 مليار دولار بدلاً من 82 مليار دولار، وستبقى التزامات المصارف تجاه المودعين 82 مليار دولار.
وبالتالي سيكون مطلوباً من المصارف تغطية مبلغ 10 مليارات دولار من رساميلها. حالياً، لم يبقَ لدى المصارف أكثر من 4.5 مليارات دولار من الرساميل، لكنها سبق أن أخذت مؤونات مقابل خسائر متوقعة بنسبة 75% مما تحمله من سندات اليوروبوندز وبنسبة 1.89% مما وظّفته لدى مصرف لبنان. في المحصّلة يقدّر أن يبقى لديها رساميل بنحو 4 مليارات دولار يتم نقلها إلى حساب الشريحة الثانية من الرساميل حيث لا يمكن استعمالها إلا بهدف احتساب نسب الملاءة. وبحسب ما يردّد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مجالسه، فإن الرسملة الإضافية المطلوبة من المصارف ستكون على الأقل 100 مليون دولار لكل مصرف.

قبل أي رسملة جديدة، سيترتب على المصارف ومصرف لبنان، من أجل تسديد حصّتهما من أول 100 ألف دولار لكل مودع، استعمال التوظيفات الإلزامية، وسائر السيولة بالعملة الأجنبية. وستحتسب التوظيفات الإلزامية بين مصرف لبنان وكل مصرف على حدة على أن تكون لمصرف لبنان قدرة على السداد الإضافي حتى 60%، وتسدّد المصارف حصّتها البالغة 40%.
بمعنى أن مصرف لبنان سيحسب التوظيفات الإلزامية لكل مصرف على حدة، وسيُنظر إلى وضع سيولة كل مصرف وحساب التبادلات بينهما لا سيما في أولى فترات الأزمة لتحديد نسبة تدخّله ضمن هامش الـ60%. طبعاً، سيترتّب على المصارف أن تسيّل ملكياتها وتستعمل سيولتها الجاهزة أيضاً. ستبيع المصارف ما تملكه من يوروبوندز بسعر السوق، وستبيع ملكياتها العقارية، لا سيما العقارات التي حصلت عليها من الزبائن استرداداً للدين، وستعمل على استرداد جزء مهم مما تبقى من القروض التي يمكن تحصيلها.
ومع كل هذه الخطوات، يصعب القول إنه يمكن أن تكفي كل هذه السيولة لسداد برنامج تسديد أول 100 ألف دولار للمودعين. فمصرف لبنان لا يمكنه استخدام كل سيولته بالعملة الأجنبية، إذ سيتوجب عليه أن يبقي احتياطاً كبيراً لديه يُفترض أن يوازي ستة أشهر من الاستيراد (حالياً متوسط الاستيراد الشهري يبلغ 1.6 مليار دولار)، وهذا مبلغ ضخم ولا يملكه المصرف. أما الدولة، فستدفع لمصرف لبنان تسديداً للديون المتوجبة عليها (16.5 مليار دولار تصدر مقابل سندات دائمة بفائدة تصل إلى 7%) مبلغ 500 مليون دولار سنوياً.
وكل ما تملكه المصارف من أصول قابلة للتسييل قد لا يتخطّى 5 مليارات دولار. في المحصّلة، يقول أحد المعنيين بإعداد المشروع، إنه قد يكون ممكناً تأمين السيولة اللازمة لسداد أول 100 ألف دولار للمودعين، لكن الاستحقاقات الإضافية تبدأ في السنة السادسة حتى السنة العاشرة بمبالغ هائلة لا يمكن تأمينها من دون تسييل مصرف لبنان لكل أصوله في الميدل إيست وإنترا والعقارات والكازينو وغيرها ومن دون بيع ربع كمية الذهب.
وبهذا يكون لبنان قد استنفد غالبية سيولته بالعملة الأجنبية على مدى عشر سنوات، فما الذي يمكن أن تقوم به السلطة في سياق الإصلاح الاقتصادي؟ حرفياً، لن تجد السلطة سوى أن تبيع ملكياتها السيادية، من حقوق الإنتاج والنقل والتوزيع في الكهرباء والاتصالات والمياه… اللائحة طويلة، لكن نتيجتها واضحة: لبنان سيباع بثمن بخس. فهل يجب البحث في كيفية إنقاذ لبنان، أم إنقاذ القطاع المالي؟ المشروع الراهن يؤدي إلى إفلاس لبنان وإنقاذ القطاع المالي، وإن زعمت المصارف أن المشروع يؤدي إلى إفلاسها ويكبّدها ما لا طاقة لها على تحمّله.
ما مصير ودائع الفريش؟
إذا امتنع أي مصرف، أو تبيّن بأنه غير قادر، على تسديد أول 100 ألف دولار وإعادة رسملة نفسه، فإنه سيحال قطعاً إلى التصفية وفق قانون معالجة أوضاع المصارف. وهناك ليس واضحاً من سيتحمل كلفة تسديد أول 100 ألف دولار، ولا مصير الودائع الفريش التي يحملها في ميزانيته. فعندما يحال المصرف إلى التصفية تصبح الأولوية للمودعين متساوية وفق القانون، أي تصفّى أصوله لتسديد الودائع وفق ما يسمّى «القرش الداير»، وبالتالي لا حماية لودائع الفريش المحمية الآن بموجب تعاميم مصرف لبنان، وذلك في حال قرّر المصرف الذهاب نحو التصفية.
كلفة أول 100 ألف دولار أقلّها 20 ملياراً
هو العدد المفترض للمودعين بعد جمع حساباتهم المختلفة في كل المصارف في حساب واحد يدفع منه أول 100 ألف دولار. في أيلول 2025، بلغ العدد الإجمالي للحسابات المصرفية نحو 927363 حساباً فيها 82.27 مليار دولار. وفي الشريحة الأولى للحسابات التي يقلّ ما فيها عن 100 ألف دولار، هناك 782462 حساباً فيها 14.8 مليار دولار بمتوسط 19 ألف دولار لكل حساب، ويقدّر بأن 30% من عدد الحسابات سيتم جمعه في حساب واحد، ما يعني أن الكلفة الإجمالية لهذه الشريحة لتسديد أول 100 ألف دولار يبلغ 10.4 مليارات دولار لنحو 547 ألف حساب.
أما باقي الحسابات ويصل عددها إلى 145 ألف حساب، فقد يبقى منها بعد جمع الحسابات نحو 101 ألف حساب سيسدّد لها نحو 10 مليارات دولار. أي إن الكلفة النهائية لأول 100 ألف دولار ستعتمد على عدد الحسابات التي سيتم جمعها ومتوسط الموجود في حساب الشريحة الأولى (أقل من 100 ألف دولار).
صعوبات إجرائية
حتى الآن لا تعرف المصارف كيف سيتم تطبيق القانون الذي أقرّه مجلس الوزراء، على افتراض أن مجلس النواب أقرّه من دون تعديلات جوهرية. وهذا الأمر يفرض على لجنة الرقابة على المصارف تحدياً كبيراً، مع أن رئيسها وأعضاءها ليسوا من ذوي الخبرة الواسعة في عمليات الرقابة. فمن الآن، يترتب على اللجنة أن تبتدع طريقة لجمع حسابات المودعين، وعليها أن تبتدع طريقة لنقل المبالغ التي تفوق الـ100 ألف دولار المضمونة، إلى حساب لدى مصرف لبنان. هذه العمليات الإجرائية ليست سهلة، لأنها ليست عملية تصفية، بل هي عملية نقل مرتبطة بأصول وباستحقاقات طويلة المدى.
السحوبات السابقة لن تحتسب
يقول أحد المعنيين بإعداد مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، إن كل ما سحبه المودعون من حساباتهم نقداً في الفترة الماضية لن يحتسب وفق آليات المشروع الذي أقرّه مجلس الوزراء، بمعنى أن الـ100 ألف دولار المضمونة ستدفع بكاملها مهما كان المبلغ المسحوب سابقاً. ويبرّر الأمر بأن كل ما حصل عليه المودعون سابقاً هو من حقّهم ومن أموالهم التي لا يمكن أن يحرمهم منها أحد رغم أنه لن يكون عادلاً بين من تمكّن من سحب أموال له سابقاً وستضاف إليها 100 ألف دولار وفق القانون وبين من سيحصل على الـ100 ألف دولار فقط.