
| حسين الأمين |
بعد 14 شهراً من الإعراض المتعمّد عن زيارة مستوطنات «خطّ المواجهة» عند الحدود مع لبنان، وعلى رأسها مستوطنة كريات شمونة، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قبل أيام، خلال خطاب أمام «الكنيست»، عن نيّته عقد جلسة خاصة للحكومة في المدينة الشمالية التي ترنّحت بفعل تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان. وجاء الإعلان المفاجئ، بعد ضغط مكثّف من سكان المدينة ومسؤوليها المحليين، الذين استمروا بالمطالبة بحضور رسمي، وتفعيل الوعود الحكومية الكثيرة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وبحسب ما أوردته «هيئة البث الإسرائيلية»، فقد أعطى نتنياهو «الضوء الأخضر» لإعداد قرار حكومي شامل لصالح كريات شمونة، يُتوقّع إقراره في جلسة خاصة تُعقد خلال الأسابيع المقبلة داخل المستوطنة.
لكن إعلان نتنياهو، لم يكن مفاجئاً بشكل كامل، إذ دخل كيان العدو أجواء الحملة الانتخابية الكبرى المتوقّعة الصيف المقبل. ويرتبط حراك نتنياهو الجديد، ولو جزئياً، بمحاولة حزب «الليكود»، الاستثمار انتخابياً في مستوطنات الشمال. على الرغم من أن مستوطنة كريات شمونة، بشكل خاص، تعرّضت لتهميش كبير من نتنياهو ووزراء «الليكود» عامة، بسبب خسارة مرشّح الحزب إيلي زفراني في الانتخابات البلدية أمام المستقلّ أفيحاي شتيرن، رغم دعم ستة وزراء على الأقل لحملة الأول. وقد زار سياسيون المستوطنة، بهدف استعراض دعمهم عشية الانتخابات المقبلة، لكنّ وزراء «الليكود» غابوا جميعاً عن تلك الجولات.
ويؤشّر إلى مركزية مسألة الانتخابات في مقاربة حكومة نتنياهو لتحدّيات مستوطنات الشمال، ما أظهرته أجواء التوتر الأخيرة خلال جلسات مختلفة في «الكنيست»، حيث عبّر مستوطنو كريات شمونة عن غضبهم الشديد من تجاهلهم. ففي إحدى الجلسات، قال نائب رئيس البلدية أليكس كرتشون إنه تلقّى رداً من أحد المستشارين السياسيين مفاده أن كريات شمونة «ليست قوة انتخابية أصلاً»، بينما قال أحد سكان المدينة لعضو «الكنيست» عميت هليفي: «لو كنا بضعة مقاعد (في الكنيست)، لكنتَ أتيت».
تقاعس على خلفية سياسية
كما أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أنه سيزور المدينة برفقة كبار مسؤولي وزارته، في إشارة إلى ما تصفه الحكومة بـ«الجدّية» في التعامل مع الموقف. كذلك من المتوقّع مشاركة رئيسة «مديرية تأهيل الشمال» عيناف بيرتس في الجلسة، حيث ستعرض مع فريقها الخطط والقرارات المُقترحة. ووفق ما تداولته وسائل إعلام عبرية، فإن جدول أعمال الجلسة يشمل إقرار «حزمة إنقاذ» لكريات شمونة ومحيطها، تتضمّن مشاريع «تأهيل البنية التحتية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الأمن المجتمعي». وفي المقابل، سلّط تقرير صادر عن «مراقب الدولة»، الضوء على ما سمّاه «التقاعس الرسمي»، محمّلاً مكتب رئيس الحكومة مسؤولية مباشرة عن التأخير في تنفيذ خطط إعادة الإعمار بسبب «فشله في أداء المهام».
كما انتقد التقرير وزارة المالية على غياب خطة ميزانية مفصّلة، وأوصى التقرير بتفعيل اللجنة الوزارية برئاسة نتنياهو بصورة منتظمة لضمان حلّ الخلافات البيروقراطية ودفع السياسات المقرّرة، علماً أن الحكومة كانت خصّصت ميزانية بقيمة 15 مليار شيكل لإعادة إعمار الشمال منتصف عام 2024، إلا أن نحو ثلثي هذا المبلغ لم يُستغل حتى أواخر عام 2025، بحسب صحيفة «هآرتس». في حين كشف تقرير لصحيفة «ذي ماركر» أن نحو 2.9 مليار شيكل من ميزانيات إعادة إعمار الشمال، «خُصّص لأغراض أخرى خلال سنة الانتخابات الجارية»، ووُضع تحت تصرّف ديوان رئيس الحكومة، ما أثار انتقادات حادّة بأن «الاعتبارات السياسية أخّرت المشاريع الحيوية في الشمال وزادت من شعور التهميش لدى مستوطني الشمال».
احتجاجات وتصعيد ميداني
خلال العام الماضي (2024)، واصل رؤساء السلطات المحلية في الشمال مطالبة نتنياهو بزيارة المنطقة والاستماع مباشرة إلى «معاناتهم». وأكّدوا أن ما يقارب 25% من سكان كريات شمونة لم يعودوا إليها بعد الحرب، فيما أُغلِق نحو 40% من المصالح التجارية. وخرج المستوطنون في تظاهرات متكرّرة داعين الحكومة إلى إظهار «التزام فعلي». وأعلن رئيس البلدية، في فيديو نشره عقب إعلان نتنياهو، أن «البلدية تواصل العمل مع الوزارات المعنية على مسوّدة القرار الحكومي»، مؤكداً أن «المدينة ستستضيف جلسة الحكومة المقبلة بعد إنجاز هذا العمل». وبحسب موقع «واينت»، فإنه من المُقرّر أن يتولّى طاقم عمل من وزارتي المالية والنقب والجليل، بالتعاون مع البلدية، إعداد مسوّدة القرار، بحيث يُستكمل العمل عليها قبل نهاية الشهر الجاري. ومن المتوقّع أن تتضمن الخطة إنشاء «هيئة خاصة لإعادة الإعمار»، تتمتّع بصلاحيات واسعة.
تحدّيات أمنية واجتماعية
على الصعيد الأمني، أُعلن في كانون الثاني 2026 عن تصنيف كريات شمونة رسمياً كمدينة «مستحقّة للسلاح»، ما يتيح لسكانها حيازة الأسلحة الفردية للدفاع الذاتي، بعدما كان ذلك متاحاً فقط لأحياء محدّدة قريبة من السياج الحدودي. واعتبر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هذا القرار «تصحيحاً متأخّراً لوضع أمني شاذ». ومن جهة أخرى، لا تزال الآثار الاجتماعية للحرب حاضرة بوضوح. فبحسب التقارير، لم يعد ما بين 25 إلى 30% من المستوطنين إلى منازلهم حتى بعد مرور عام على انتهاء القتال، في حين فقدت المدارس طلابها، وتشتّت النسيج المجتمعي بسبب النزوح إلى أكثر من 560 نقطة سكنية في أنحاء الكيان. وعبّر رئيس البلدية عن هول المأساة بقوله: «ربما أصبحت مدينتنا تشبه تشرنوبيل»، في إشارة إلى الخراب والفراغ.
تحدّيات اقتصادية
أما التحدّي الاقتصادي فيبقى الأشدّ خطورة بعد الحرب، حيث خلّف شللاً شبه كامل في النشاط التجاري والسياحي والزراعي في الشمال. وبحسب «واينت»، فإن حوالى 40% من الأعمال التجارية في كريات شمونة لم تُعِد فتح أبوابها، فيما يبدي نصف المستوطنين تردّداً في العودة إلى المدينة، وتفكّر نسبة منهم في مغادرتها نهائياً نحو مناطق أكثر استقراراً في المركز. ولتدارك هذا الوضع، طرحت الحكومة «حزمة تحفيز اقتصادي» تشمل: إنشاء صندوق قروض ميسّرة بقيمة 172.5 مليون شيكل (54 مليون دولار )، وتقديم منح للشركات التي تنقل نشاطها إلى الشمال، وتطوير المناطق الصناعية، إضافة إلى بناء مبنيين لحاضنات شركات التكنولوجيا في الجليل. ورغم أهمية هذه الإجراءات، إلا أن التجربة السابقة مع وعود حكومية مماثلة تُثير شكوكاً واسعة حول مدى التزام الحكومة بتنفيذها، ما يجعل اجتماع اللجنة الوزارية المرتقب محطة اختبار مفصلية.
تحدّيات معقّدة
وتواجه حكومة العدو جملة تحدّيات أمنية واقتصادية واجتماعية، ناتجة من «حرب استنزاف طويلة صامتة مع حزب الله»، بحسب توصيف التقارير العبرية، دفعت الحكومة في تشرين الأول 2023 إلى اتخاذ قرار بإخلاء 42 مستوطنة بينها كريات شمونة. واستمرّ هذا الإخلاء لأشهر، ما أحدث فراغاً سكانياً شبه تام، حوّلها إلى «مدينة أشباح». ورغم وقف إطلاق النار نهاية 2024، ظل التوتر قائماً، مع قلق متصاعد من تجدّد المواجهة. ويقف هذا الواقع الأمني المهتزّ عائقاً أمام إعادة المستوطنين والمستثمرين، فيما لا تزال هناك ثغرات في الجهوزية الأمنية وعلى مستوى «الجبهة الداخلية»، من نقص في الملاجئ الحديثة إلى غياب خطط الطوارئ المتكاملة.