/ جورج علم /
بدأ “الكرنفال” الإنتخابي. نشاط يدبّ في الأقضية، والمحافظات.. وورش عمل تتحضّر.
ازدحام أمام شبّاك التذاكر، لكن المسرح مسكون بخفر كبير. المسرحية لا تزال غير متطابقة المواصفات، والمواصفات غير متطابقة مع المزاج العام، والمزاج العام مخنوق بالأزمات، ومخفوق بتدخلات خارجية.
التغييريّون يقرعون الطبول، ويسرجون الخيول، ويستنهضون الهمم، النفير الإنتخابي عندهم إنقلابي – تغييري بسلاح الديمقراطيّة، والمواجهة عند صندوقة الإقتراع.
التقليديّون محصّنون في قلاع الديموقراطيّة المحاصصاتيّة، أو “البيوتات السياسيّة” التقليديّة المدعّمة بالمال، والرجال، والعيال. إرث معظمهم بورجوازيّة طائفيّة مذهبيّة خارقة لكل التحصينات، وعابرة لكل الإصلاحات.
أما المتحمّسون، فيحملون – بغالبيتهم – لقب “سعادة السفير”. تحمي أناملهم قفّازات حريريّة. وتشدّ أيديهم على محفظات جلديّة، أما ما في داخلها فمحميّ بـ”الحصانة الدبلوماسيّة!”.
كان للأمين العام لوزارة الخارجيّة والمغتربين، السفير فؤاد الترك، تعريف خاص، سألته يوما: “شو فيها الشنطة الدبلوماسيّة عادة؟”، فضحك طويلاً لسذاجة السؤال، وقال بعفويته الزحليّة: “ولوووه.. ما بدها هالقد.. شو فيها مدفع رشاش؟!… أكيد فيها وراق… وبقي عليك أن تعرف شو لون الوراق، هل هي خضرا، أم صفرا، أو ما بين بين”!
أصحاب السعادة، بغالبيتهم، يريدون الإنتخابات، يصروّن على إجرائها في مواعيدها الدستوريّة. حجتهم أن مجلس الأمن الدولي قال كلمته، وهم مؤتمنون على تنفيذها، يريدونها حرّة، نزيهة، شفّافة، تحت إشراف “هيئة دوليّة عليا”.
الهيئة هذه، جاهزة، مكتملة المواصفات، ينقصها فقط قرار رسمي. وهذا يساوره شكوك، لأن مثيلتها كانت في ليبيا، ولم تحصل الإنتخابات التي كانت مقررة في 24 كانون الأول الماضي، وكانت برئاسة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة يان كوبيتش ـ (الذي سبق وعمل في بيروت) ـ وعندما إستقال حلّت مكانه الأميركيّة ستيفاني وليامز، وحتى الآن، لا انتخابات، بل حراك سياسي صاخب.
كانت في العراق، وأشرفت على الإنتخابات، ووصفتها بـ”النزيهة والشفافة”، لكنها لم تنتج حكومة بعد، ولا انتقالاً سلسا للسلطة. المشكلة أن الشعارات تولّد “خيبات” في مجتمعات محكومة بالعصبيات. والدبلوماسيّون المتحمسون للإستحقاق تحت شعار “المساعدة، وتوفير الدعم” ، تنقصهم الحجّة.
نزل معظمهم الى ساحات 17 تشرين داعمين مؤيدين، فاين أصبحت الانتفاضة؟ اتهمت دولهم معظم الطبقة السياسيّة بالفساد، ومع ذلك لم ينقطع حبل الود، ولا تزال المجالس عامرة باللقاءات، والاجتماعات. ينادي أصحاب السعادة بالتغيير، ولكن حتى الآن لم يتضح المضمون، تغيير ماذا؟ تغيير في الوجوه، أم في الممارسة السياسية الراهنة، أم في النظام، والدستور، أو التركيبة المجتمعيّة القائمة على توازنات دقيقة وحسّاسة؟!
يبقى القول بأن عامل الثقة يعاني من خلل كبير. أصحاب السعادة، ممثلو “المجموعة الدولية لدعم لبنان”، يحرصون، بمناسبة، أو بغير مناسبة، على التأكيد على سيادة لبنان. هذه السيادة انتهكتها إسرائيل، وصدر عن مجلس الأمن الدولي في 19 أذار 1978، القراران 425 و 426، ولكن المجتمع الدولي الحريص لم يبادر الى تنفيذهما، وبقيت السيادة منتهكة حتى العام 2000 عندما نجحت الهمّة الوطنيّة في تحرير الأرض… حتى القرار1701، يريد المجتمع الدولي الحريص على السيادة، تطبيقه من جانب واحد، ويتغافل تماماً عن الخروقات الإسرائيليّة اليوميّة: الجويّة، والبحريّة، والبريّة!
هذا المجتمع الحريص على التغيير من خلال الإنتخابات، فاتته الشفافية في التعاطي، وهو الذي يطالب بها. لقد حصر الأزمة بالفساد، والفاسدين، والإنهيار الأخلاقي الذي أدى الى الانهيار المالي، الاقتصادي، الاجتماعي، المعيشي. ولكن جوهر الأزمة ليس الفساد وحده، بل نتيجة تحميل لبنان من تداعيات الأزمتين الفلسطينية والسورية أكثر من طاقته. وقد كان هذا المجتمع، ولا يزال، شريكاً في التخطيط، والإعداد، والتنفيذ، والإخراج!
إن إنعدام الثقة ما بين القول والفعل، يضع المجتمع الدولي في قفص الإتهام. هل فعلاً يريد إنتخابات حرّة، نزيهة، شفافة؟! وكيف السبيل الى ذلك، وهو على المسرح “المايسترو، والأوركسترا، والسمنفونيّة الموسيقيّة؟”. وهل يريد إحداث التغيير من خلال دعمه للتغييريين في هذه الإنتخابات؟ عال، لا بأس، لكن ما هو البرنامج؟ وأين هو؟ هل في الحقيبة الجلدية التي تحوي على “أوراق خضرا، وصفرا.. وما بين بين؟!… رحمك الله يا فؤاد الترك.