| سامية اسماعيل |
من منفاه الأميركي، يعود اسم رضا بهلوي ليتصدر المشهد الإيراني مع كل اهتزاز يصيب الجمهورية الإسلامية. وريث العرش المخلوع يظهر اليوم بصفته رمزاً بديلاً لنظام حالي، يجمع بين إرث ملكي ثقيل وتحالفات خارجية مثيرة للجدل. وبين دعم يتعاظم في الشارع وتشكيك لا يهدأ داخل إيران، يبقى السؤال: هل يتهيّأ نجل الشاه لفرصة العودة؟
وُلد بهلوي عام 1960 في طهران، ونشأ منذ طفولته كوريث متوقع لعرش إيران، وتدرّب منذ صغره على تحمّل مسؤولية الحكم.
وقد تنقل والده الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي بين الدول باحثاً عن ملجأ، قبل أن يتوفى في مصر متأثراً بالسرطان، تاركاً ابنه وعائلته بلا وطن أو جنسية.
يعيش بهلوي في الولايات المتحدة، متزوجًا من محامية أميركية من أصل إيراني، وقد أنجب منها ثلاث بنات: نور، وإيمان، وفرح.
واليوم، يحاول تقديم نفسه ليس كملك منتظر، بل كرمز للمصالحة الوطنية، داعياً إلى انتخابات حرة، واستفتاء شعبي يحدد مستقبل النظام السياسي.
يتواصل بهلوي يوميًا مع المتظاهرين من الولايات المتحدة، حيث يقيم في المنفى منذ ما يقارب نصف قرن. وفي سلسلة من الرسائل المصورة، يحثّهم على مواصلة الضغط في الشوارع، وإقامة الحواجز، مؤكدا أن “النصر قريب”.
كما يحدد بهلوي أماكن تجمع رمزية لأنصاره، ويدعوهم إلى ترديد شعارات في ساعات وأيام محددة، حيثما كانوا، ويدعو إلى تحركات جديدة. وقد تجسدت هذه التعبئة على نطاق واسع مساء الخميس الماضي.
وقد ظهر رضا بهلوي خلال مداخلة الأربعاء الماضي، مرتديًا بدلة وربطة عنق أمام علم إيران ما قبل الثورة الإسلامية، الذي يحمل شعار “الأسد والشمس”، مخاطبًا قوات الأمن مباشرة.
وقد حثهم بنبرة رسمية على الانفصال والانضمام إليه، قائلًا: “هذه فرصتكم الأخيرة للالتفاف حول الوطن وفصل مصيركم عن مصير الجمهورية الإسلامية، السفينة الغارق”. وعلى الرغم من تزايد الهتافات باسمه في المظاهرات، وارتفاع شعبيته خلال السنوات الثلاث الماضية، يبقى من الصعب قياس مدى تأثيرها.
وأكد المؤرخ المتخصص في الشأن الإيراني بمركز “إيتوبيا للأبحاث” في بروكسل، جوناثان بيرون، أن “هذه المناشدات للشاه موجودة بالفعل، لكن يجب أن نتوخى الحذر، لأن الملكيين يمتلكون آلة تواصل سياسي فعّالة، ومن المستحيل التحقق بدقة من مدى انتشار شعاراتهم على أرض الواقع، لعدم قدرتنا على الوصول إلى عين المكان”.
ومن الصحيح أن معظم هذه الفيديوهات منشورة على منصة “إكس”، لكن يذكر الباحث أن منصة إيلون ماسك تخضع لخوارزمية قد تُدخل تحيّزات لتعمل كـ”مرآة مُشوِّهة”.
ومن جانبه، أشار الصحفي في مجلة “لو بوان”، أرمين عارفي، في حديث صحفي إلى أن “هذه الشعارات تُضخّمها بعض قنوات المعارضة الناطقة بالفارسية كـ “إيران إنترناشونال”.
ومنذ عدة سنوات، سعى بهلوي لإعادة سلالته العائلية إلى الحكم في إيران، من منفاه في الولايات المتحدة التي سافر إليها عام 1978، وهو يبلغ من العمر 19 عامًا، لمزاولة تكوينه كطيار، قبيل سقوط والده.
وفي العام 2007، قالت والدته فرح ديبا المقيمة في باريس، وهي آخر إمبراطورة لإيران، إنه “تلقى تربية تمهده ليخلف والده كولي للعهد”.
وقد بدأ بهلوي يثير الاهتمام أكثر فأكثر، وأصبحت شخصيته تكتسب الثقة مع كل أزمة تُضعف الجمهورية الإسلامية.
منذ مطلع العام 2009، وخلال الاحتجاجات التي أعقبت إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد المثيرة للجدل، دعا نجل الشاه الإيرانيين إلى “مواصلة النضال متحلين بالانضباط”، وحثّ “قوات الأمن على ممارسة العصيان المدني والحياد”.
كما برز اسمه فعليا، في العام 2023 عندما انطلقت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” إثر وفاة مهسا أميني على يد “شرطة الأخلاق”، مقترحًا تشكيل جبهة موحدة ضد النظام، إلى جانب شخصيات معارضة أخرى، مثل الحائزة على جائزة نوبل شيرين عبادي والصحفية مسيح علي نجاد.
وأطلق أنصاره عريضة إلكترونية ضخمة تحمل رسالة “الأمير رضا بهلوي هو ممثلي”. وفي الأيام التالية، وفي مقابلة مع قناة “مانوتو تي في”، وهي قناة إيرانية موالية للملكية مقرها لندن، دعا الوريث إلى إجراء انتخابات حرة وتشكيل جمعية تأسيسية.
وانطلاقا من هذا، جال رضا بهلوي الأوساط الدبلوماسية لحشد مزيد من التأييد وإيصال رسالة مفادها استعداده لتولي السلطة.
وقد لاقت مبادرته ترحيبًا كبيرًا من العدو الإسرائيلي، وقد ظهر في صورة مع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نيسان 2023 خلال رحلة “إعادة العلاقات التاريخية بين إيران و”إسرائيل”.
ويذكر أنه عندما شن الكيان الإسرائيلي عدوانه على إيران في حزيران 2025، أُطلق على العملية العسكرية الإسرائيلية اسم “الأسد الصاعد”، في إشارة إلى الحيوان الذي يرمز إلى سلالة بهلوي.
وخلال حرب الـ 12 يوما، والتي أسفرت عن مقتل مئات المدنيين جراء الغارات الإسرائيلية، كشف بهلوي عن طموحاته، واصفًا القصف بأنه “فرصة”، مؤكدًا أن نية حكومة الكيان “ليست استهداف المدنيين الإيرانيين”.
أما زوجته، ياسمين بهلوي، فكانت أقل تحفظا، إذ نشرت على “إنستاغرام” صورة لجدار كُتب عليه: “اضربوهم يا إسرائيل، الإيرانيون يدعمونكم”. وقد أثارت هذه المواقف استياء بعض من مؤيديه.
ووفقا لصحيفة “هآرتس الإسرائيلية”، فقد تم تنظيم عملية نفوذ “إسرائيلية” واسعة النطاق باللغة الفارسية خلال الحرب الإيرانية-الإسرائيلية الأخيرة لتقديم نجل الشاه على أنه الشخصية الشرعية لإيران ما بعد الجمهورية الإسلامية، في الوقت الذي كانت تشتد فيه ويلات الحرب على النظام الإيراني. والرجل الذي يُلقب نفسه بـ”الأمير” أثناء مداخلاته العلنية، ينتظر دوره بفارغ الصبر. وقد اقترح “خطة لمستقبل إيران” تتمثل في فترة انتقالية تدوم مئة يوم بعد سقوط النظام الحالي.
وفي مقابلة مع صحيفة “بيلد” الألمانية بتاريخ 29 تموز الماضي، قال بهلوي إن مسألة “سقوط النظام لن تُطرح بـ “هل” بل بـ “متى”، في إشارة منه إلى اقتراب موعد سقوط النظام.
وفي 28 أيلول الماضي، رحّب بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران، واصفا الإجراء بأنه “انتصار لكل من طالبوا منذ زمن طويل بممارسة أقصى الضغوط على هذا النظام”، في وقت يشهد فيه اقتصاد البلاد انهيارا متواصلا.
ومنذ استئناف الاحتجاجات، كثّف نجل الشاه ظهوره الإعلامي. وفي صحيفة “واشنطن بوست”، تحدث عن “معارضة منسقة”، مشيدًا بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشعب الإيراني، في حين أرسل الرئيس الأميركي تحذيرا من أنه سيضرب إيران “بقسوة بالغة” إذا قتلت السلطات مدنيين مجددًا.
وكتب بهلوي في مقال رأي بالصحيفة الأميركية قائلا إن “اللحظة الحاسمة تقترب”، مقدمًا نفسه فيه على أنه “ضامن الانتقال الوطني إلى الديمقراطية”.
وأضاف “يهتف المتظاهرون باسمي ويطالبون بالحرية والوحدة الوطنية.. لا أرى في ذلك دعوة للاستيلاء على السلطة، بل شعورا عميق بالمسؤولية”.
وفي قناة “فوكس نيوز”، اقترح إجراء استفتاء على “الشكل الديمقراطي المستقبلي للحكومة”، معلنًا استعداده للوقوف إلى جانب مواطنيه “لخوض المعركة الحاسمة”.
ومع ذلك، لا يحظى رضا بهلوي بالإجماع. ولا يزال شعار “لا شاه ولا ملا” يتردد صداه، لا سيما في مختلف جامعات البلاد.
وفي هذا الصدد، أشار المؤرخ جوناثان بيرون إلى أن “ظروف عودته تثير تساؤلات. فلو حدث ذلك نتيجة تدخل أجنبي، سيتم اعتباره شخصية مستوردة”.
وعلى الرغم من أنه يستمد هيبته الموروثة من اسمه، إلا أنه يعاني من إرث والده الثقيل، الذي كان دكتاتورًا غير محبوب في أواخر عهده. ولم يعتذر الوريث من الشعب الإيراني قطّ عن الاستبداد الذي مارسه نظام الشاه، والذي اتسم بالاعتقالات السياسية التي نفذتها “السافاك” (الشرطة السرية)، إضافة إلى حالات التعذيب والإعدام في حق المعارضين.
كما أنه لا يزال من بين مؤيديه بعض الشخصيات التابعة للأجهزة الأمنية لتلك السنوات المظلمة، بمن فيهم الرئيس السابق للمخابرات والمسؤول عن تعذيب وإعدام عديد المعارضين، برويز سابيتي.
إلى ذلك، ومع أن مقترحاته السياسية تبدو غامضة، يظهر إلى جانب شخصيات من الأوساط المحافظة الجديدة واليمين المتطرف الأوروبي.
وفي عام 2025، دُعي إلى مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC)، وهو التجمع الرئيسي للمحافظين الأميركيين، حيث ألقى كلمة أمام شخصيات دولية، على غرار خافيير ميلي ونايجل فاراج وجورجيا ميلوني وستيف بانون وإيلون ماسك وحتى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويُفضل مؤيدوه استخدام شعار “ميغا” (MIGA)، اختصارا لعبارة “لنجعل إيران عظيمة مجددا”، والذي استخدمه ترامب في مناسبات عديدة منها الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.
في صورة نشرها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، التُقطت على متن طائرة الرئاسة الأميركية، ظهر ترامب مرتديا قبعة كُتب عليها “لنجعل إيران عظيمة مجدداً”.
وقد التقطت الصورة يوم الأحد 4 كانون الثاني الماضي، في اليوم التالي لاختطاف القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حليف طهران.
لكن هذا التقارب مع حركة “ماغا الترامبية” غير منتشر بين مؤيديه. إذ ردّت إحدى مؤيدات رضا بهلوي، تم التواصل معها في طهران، قائلة: “أنا لستُ من مؤيدي ميغا”، مضيفةً “البهلوية لا تعني دعم رضا بهلوي، ولا تعني الرغبة في نظام ملكي جديد. بالنسبة لي، هي مرادفة للقومية والحداثة والعلمانية”.
على نطاق أوسع، أشار الصحفي أرمين عارفي، إلى وجود شعور طارئ ينتاب العديد من المتظاهرين، قائلًا: “هدفهم الأساسي اليوم هو التخلص من الملالي بأي ثمن”.
وأضاف: “بالنسبة لمن يهتفون باسمه، فإن رضا بهلوي هو الشخصية الأكثر شرعية، لذلك يدعمونه”.
وفي هذا السياق، يرون أن ابن الشاه الشخصية الأنسب لتجسيد بديل للنظام الحالي، ليس لهويته، بل لما يمثله: “القدرة على تغيير النظام أخيرًا”.
للانضمام إلى مجموعة “الجريدة” عبر “واتساب”، إضغط على الرابط: