تتجه الولايات المتحدة، الثلاثاء المقبل، إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في استحقاق يتجاوز بأهميته مجرد تجديد مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، ليشكّل اختباراً سياسياً للرئيس دونالد ترامب وإدارته، ومؤشراً إلى اتجاهات الرأي العام الأميركي بعد نحو عامين من عودته إلى البيت الأبيض. فالنتائج ستحدد طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية خلال النصف الأخير من الولاية الرئاسية، وما إذا كان ترامب سيواصل إدارة البلاد بأغلبية جمهورية توفر له هامشاً واسعاً، أم سيواجه كونغرس معارضاً يضع العراقيل أمام أجندته.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية من ضيق الفارق الذي يفصل الجمهوريين عن خصومهم في المجلسين، ما يجعل عدداً محدوداً من المقاعد كفيلاً بتغيير موازين القوى. وبينما تشير استطلاعات الرأي والتقديرات الانتخابية إلى تقدم الديمقراطيين في سباق مجلس النواب، تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً، مع احتدام المواجهة في ولايات عدة، بعضها كان يُصنّف تقليدياً ضمن مناطق النفوذ الجمهوري. وقد أشارت تقديرات صحيفة “واشنطن بوست” في الأيام الأخيرة إلى اتساع خريطة المقاعد التي بات الديمقراطيون قادرين على المنافسة عليها، فيما لا تزال السيطرة على مجلس الشيوخ رهناً بنتائج عدد من السباقات المتقاربة.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن تراجع شعبية ترامب، والضغوط الاقتصادية التي تواجه الناخب الأميركي، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وأسعار الوقود، فضلاً عن ملف الهجرة والحرب مع إيران. وقد أظهر استطلاع “رويترز ـ إبسوس” في 26 تشرين الأول أن نسبة التأييد لأداء ترامب بلغت 32 في المئة، فيما تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين في السؤال المتعلق بالتصويت للكونغرس. لكن هذه المؤشرات لا تعني حسم النتائج، خصوصاً أن الانتخابات النصفية تتأثر بعوامل محلية وشخصية، وبقدرة كل حزب على حشد أنصاره في الولايات والدوائر المتأرجحة.
وفي محاولة لتفادي خسارة الأغلبية، وضع ترامب ثقله الشخصي في الحملة الانتخابية، متنقلاً بين الولايات ومشاركاً في تجمعات لحشد الناخبين الجمهوريين، في مشهد يعكس إدراكه أن نتائج الانتخابات ستُقرأ باعتبارها حكماً على أدائه، حتى وإن لم يكن اسمه مدرجاً على بطاقات الاقتراع. وفي المقابل، يستعيد الديمقراطيون حضورهم السياسي، مستفيدين من حالة الاعتراض على عدد من سياسات الإدارة، ومن رغبتهم في استعادة موقعهم الرقابي والتشريعي بعد عامين من هيمنة الجمهوريين على الكونغرس.
ولعل ما يميز هذه الانتخابات أيضاً هو المناخ المتوتر الذي يحيط بعملية الاقتراع نفسها. فقد تجاوز عدد الأميركيين الذين أدلوا بأصواتهم مبكراً 46 مليوناً، وفق بيانات مختبر الانتخابات في جامعة فلوريدا، في رقم قياسي لانتخابات نصفية. لكن هذا الإقبال، على أهميته، لا يسمح باستنتاج اتجاه النتيجة، إذ إن تسجيل الناخبين بحسب انتماءاتهم الحزبية لا يكشف بالضرورة لمن صوّتوا. وفي موازاة ذلك، تصاعدت المواجهات القانونية بين الإدارة الفدرالية ومسؤولين انتخابيين في عدد من الولايات، وسط مخاوف من أن تتحول الطعون والاتهامات المتعلقة بنزاهة التصويت إلى عنصر إضافي في أزمة الثقة بالعملية الانتخابية، ولا سيما في ظل سوابق تشكيك ترامب بنتائج انتخابات عام 2020.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فإن خسارة الجمهوريين مجلس النواب ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع البيت الأبيض، من خلال التحقيقات والاستدعاءات والرقابة على أداء الإدارة، فضلاً عن التأثير في إقرار الموازنات والإنفاق الحكومي. وإذا امتدت الخسارة إلى مجلس الشيوخ، فستكون التداعيات أوسع، إذ سيصبح الديمقراطيون في موقع يسمح لهم بتعطيل أو تأخير المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما فيها المناصب الحكومية والقضائية. ومع ذلك، فإن انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين لا يعني شلّ الإدارة الأميركية أو انتزاع صلاحيات الرئيس، الذي سيحتفظ بحق النقض وبصلاحيات تنفيذية واسعة، ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التجاذب بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية.
وتتجاوز تداعيات هذا الاستحقاق حدود الولايات المتحدة، لتصل إلى الملفات الخارجية التي تحتل موقعاً متقدماً في حسابات الإدارة الأميركية، وفي مقدمتها الحرب مع إيران، وما يتصل بها من جبهات في الشرق الأوسط. فخسارة الجمهوريين إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما قد ترفع منسوب الضغوط الداخلية على ترامب، وتزيد كلفة قراراته العسكرية والمالية والسياسية، لكنها لا تعني بالضرورة تغييراً فورياً في توجهاته الخارجية أو فرض وقف للحرب. وفي المقابل، فإن احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية سيمنح الإدارة هامشاً تشريعياً وسياسياً أوسع، من دون أن يلغي الضغوط الاقتصادية والشعبية أو القيود المرتبطة بحسابات الحلفاء والخصوم.
وفي هذا السياق، تكتسب المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية أهمية خاصة، بعدما نقلت “رويترز” عن مسؤولين أن طهران تطيل أمد المفاوضات في ظل الجمود القائم، بما قد يرتبط بحسابات تتصل بالانتخابات الأميركية. وهذا يسلّط الضوء على أن أطرافاً إقليمية ودولية تراقب بدورها نتائج الاستحقاق، وتحاول تقدير ما إذا كان ترامب سيدخل عاميه الأخيرين بقدرة أكبر على مواصلة سياسة الضغط والمواجهة، أم سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته تحت وطأة الانقسام الداخلي.
وبالنسبة إلى لبنان، لا تقل أهمية هذه الانتخابات عن انعكاساتها على الملفات الإقليمية الأخرى، في ظل ارتباط الوضع اللبناني بمسار المواجهة مع إيران، وبالموقف الأميركي من الحرب والضغوط على السلطة اللبنانية و”حزب الله”. لكن التعويل على أن تبدّل الأكثرية في الكونغرس سيؤدي تلقائياً إلى تبدّل السياسة الأميركية تجاه لبنان يبقى مبالغاً فيه؛ فهذه السياسة لا تصنعها الانتخابات وحدها، بل تتداخل فيها حسابات البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون، ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. وقد يتغير هامش الحركة أو أسلوب إدارة الملفات، فيما تبقى الثوابت الاستراتيجية قائمة.
وعليه، فإن انتخابات الثالث من تشرين الثاني ليست مجرد معركة بين الجمهوريين والديمقراطيين على مقاعد الكونغرس، بل اختبار لمدى قدرة ترامب على الاحتفاظ بالتفويض السياسي الذي يستند إليه، ولطبيعة التوازن الذي سيحكم علاقته بالمؤسسات الأميركية خلال العامين الأخيرين من ولايته. أما ما ستتركه النتائج من أثر خارج الولايات المتحدة، فسيبقى مرتبطاً بمدى استعداد الإدارة للتكيف مع موازين القوى الجديدة، وبما ستفرضه التطورات الإقليمية والدولية من استحقاقات.


