مع حلول فصل الخريف، تتزايد التساؤلات في لبنان حول موجة من الإصابات التنفسية التي يصفها عدد من المواطنين بأنها أشبه بالزكام، لكن بأعراض أكثر شدة، تشمل سيلان الأنف واحتقانه، والتهاب الحلق، والصداع، والتعب، إلى جانب بحة في الصوت قد تصل أحياناً إلى صعوبة إصدار الكلام بصورة طبيعية.
ويتحدث مصابون عن استمرار الأعراض لعدة أيام، وعن شعور بالإرهاق يترافق مع الرشح والسعال وأوجاع الرأس، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الفيروس المنتشر، وما إذا كان الأمر مرتبطاً بالإنفلونزا الموسمية أو بكوفيد-19 أو بأحد الفيروسات التنفسية الأخرى التي تنشط عادة خلال هذه الفترة من العام.
لكن حتى الآن، لا تتوافر معطيات مخبرية منشورة كافية لتحديد فيروس واحد بوصفه المسؤول عن الأعراض التي يتحدث عنها المواطنون، كما أن تشابه الأعراض بين الإصابات التنفسية المختلفة يجعل التشخيص اعتماداً على الوصف وحده أمراً غير دقيق.
ماذا تكشف بيانات وزارة الصحة اللبنانية؟
تُظهر بيانات الترصد التنفسي المنشورة على موقع وزارة الصحة العامة، والمؤرخة في 16 تشرين الأول 2026، أن الفيروسات التنفسية لا تزال موضع متابعة صحية في لبنان.
ووفق التقرير، جُمعت خلال الأسابيع الأربعة السابقة عينات من 26 مريضاً أُدخلوا إلى المستشفى بسبب أعراض تنفسية حادة، وتبيّن أن ثلاثة منهم مصابون بكوفيد-19، فيما ظهرت نتيجة إيجابية للإنفلونزا لدى مريضين. وفي شبكة أخرى تضم تسعة مراكز طبية، شملت العينة 30 حالة شبيهة بالإنفلونزا، سُجلت بينها حالتان إيجابيتان لكوفيد-19، من دون تسجيل إصابات بالإنفلونزا ضمن تلك العينة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تخص عينات محددة من المرضى الذين شملهم نظام الترصد، ولا تمثل جميع الإصابات في لبنان، وبالتالي لا يمكن استخدامها وحدها لتحديد الفيروس الأكثر انتشاراً بين المواطنين أو تأكيد وجود موجة واسعة من فيروس بعينه.
الإنفلونزا وكوفيد-19 وفيروسات أخرى.. احتمالات متعددة!
تتعدد الفيروسات القادرة على التسبب بأعراض تشبه الزكام، ومن بينها فيروسات الأنف، والإنفلونزا، وفيروس كورونا، والفيروس المخلوي التنفسي، إضافة إلى فيروسات أخرى تصيب الجهاز التنفسي العلوي.
وتختلف شدة الأعراض من شخص إلى آخر تبعاً لنوع الفيروس، والحالة الصحية، والمناعة، والعمر. ففي حين قد تقتصر بعض الإصابات على الرشح والعطس والتهاب الحلق، يمكن أن تترافق إصابات أخرى مع صداع واضح، وآلام في الجسم، وإرهاق شديد، وسعال يستمر بعد تحسن بقية الأعراض.
وتتميز الإنفلونزا عادة ببداية مفاجئة، وقد تشمل ارتفاع الحرارة والقشعريرة وآلام العضلات والصداع والتعب والسعال. أما كوفيد-19، فقد يتشابه مع الإنفلونزا والزكام إلى درجة يصعب معها التمييز بينها اعتماداً على الأعراض فقط، ما يجعل الفحوص المخبرية ضرورية عند الحاجة إلى تحديد المسبب.
كذلك، ينشط الفيروس المخلوي التنفسي خلال مواسم معينة، ويمكن أن يسبب سيلان الأنف والسعال والتهاب الحلق والصداع والتعب، وتكون احتمالات المضاعفات أعلى لدى الرضع وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة.
لماذا يتأثر الصوت؟
من الأعراض اللافتة التي يصفها بعض المصابين بحة الصوت أو ضعفه، وهي حالة قد ترتبط بالتهاب الحنجرة والأحبال الصوتية خلال الإصابة بعدوى تنفسية.
ويوضح المرجع الطبي الخاص بالتهاب الحنجرة الحاد، المنشور عبر المكتبة الوطنية الأميركية للطب، أن الالتهاب غالباً ما يكون فيروسياً، وقد يظهر بعد الإصابة بعدوى في الجهاز التنفسي العلوي. ويمكن أن يؤدي إلى بحة الصوت، أو خشونته، أو فقدانه مؤقتاً، بالترافق مع تهيج الحلق والسعال.
وقد يزيد السعال المتكرر أو الإفراط في الكلام من تهيج الأحبال الصوتية، ما يجعل الراحة الصوتية وشرب السوائل وتجنب التدخين والدخان من الإجراءات المساعدة على التعافي.
إلا أن تأثر الصوت لا يشكل دليلاً على فيروس محدد، إذ يمكن أن يحدث مع أكثر من نوع من العدوى التنفسية.
مدة الاصابة
تختلف مدة الإصابة بحسب الفيروس وشدة الحالة. وغالباً ما تتحسن أعراض الزكام خلال نحو أسبوع، إلا أن السعال أو بحة الصوت قد يستمران مدة أطول. أما الإنفلونزا، فقد تترك شعوراً بالتعب والإرهاق حتى بعد تراجع الأعراض الأساسية.
وينبغي عدم إهمال الأعراض التي تتفاقم بدلاً من التحسن، أو التي تترافق مع ضيق التنفس، أو ألم الصدر، أو الجفاف الشديد، أو الصداع الشديد وغير المعتاد، أو اضطراب الوعي. كما تستدعي الحمى المستمرة أو عودة الحمى بعد تحسن أولي تقييماً طبياً.
ويُنصح الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات، ولا سيما كبار السن والحوامل والمصابون بأمراض مزمنة، بالتواصل المبكر مع الطبيب عند ظهور أعراض تنفسية واضحة. وينطبق ذلك أيضاً على الأطفال الرضع، خصوصاً عند ظهور صعوبة في التنفس أو ضعف الرضاعة أو علامات الجفاف.
الوقاية والعلاج
تظل إجراءات الوقاية الأساسية مهمة للحد من انتقال العدوى، ومنها غسل اليدين بانتظام، وتهوية الأماكن المغلقة، وتجنب الاختلاط القريب عند ظهور الأعراض، وتغطية الفم والأنف عند السعال أو العطس، وارتداء الكمامة عند الحاجة، ولا سيما عند مخالطة أشخاص أكثر عرضة للمضاعفات.
أما العلاج، فيعتمد على نوع الإصابة والحالة الصحية للمريض. وقد تساعد الراحة والسوائل وتخفيف الاحتقان والألم بوسائل مناسبة على السيطرة على الأعراض، لكن لا ينبغي تناول المضادات الحيوية من دون تقييم طبي، لأنها لا تعالج الفيروسات. كما يجب عدم استخدام الأدوية المضادة للإنفلونزا أو الكورتيزون بصورة عشوائية، بل وفق توجيه طبي.
وفي ظل الأعراض التي يتحدث عنها المواطنون، تبقى الخطوة الأهم هي عدم افتراض أن جميع الحالات ناجمة عن فيروس واحد، وانتظار أي بيانات مخبرية أو توضيحات رسمية إضافية تحدد طبيعة الفيروسات المتداولة في لبنان. فالتشابه في الأعراض لا يكفي لتحديد المسبب، فيما يساعد الفحص والتقييم الطبيان على اختيار العلاج المناسب والحد من المضاعفات.


