قدّمت الوساطة القطرية إلى إيران مسودة اتفاق جديدة تهدف إلى إنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على البلاد، في خطوة دبلوماسية جديدة تسعى إلى احتواء التصعيد ومنع استئناف الهجمات، وسط استمرار الخلافات بشأن شروط التسوية وترتيب الالتزامات المتبادلة.
ونقلت وكالة “رويترز”، الأربعاء، عن مسؤول مطلع على المفاوضات أن الوسطاء القطريين سلّموا طهران المسودة يوم الأحد، مشيراً إلى أن الجانب الإيراني يدرسها، ومن المتوقع أن يرسل رده خلال الأيام القليلة المقبلة، قبل نهاية الأسبوع.
وأوضح المسؤول أن المقترح يتضمن جدولاً زمنياً يمتد على سبعة أيام، يهدف إلى معالجة المخاوف الأميركية والإيرانية، من خلال خطوات يومية لبناء الثقة يلتزم كل طرف بتنفيذها. ومن الممكن أن يبدأ تطبيق الجدول في مطلع الأسبوع المقبل، على أن تتولى عدة دول دور الضامن للاتفاق.
وتكثفت الاتصالات الدبلوماسية خلال الأسابيع الأخيرة، في محاولة لإيجاد صيغة توافقية بين واشنطن وطهران، بعدما أخفقت الجهود السابقة في تثبيت التهدئة. وكانت وساطات سابقة قد ساهمت في التوصل إلى تفاهم مؤقت في حزيران، إلا أن الاتفاق لم يصمد طويلاً، وعادت المواجهة والتوترات لتلقي بظلالها على المسار السياسي.
وتشير المعطيات المرتبطة بالمفاوضات السابقة إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بمضمون التفاهمات المحتملة، بل أيضاً بتسلسل تنفيذها، ولا سيما ما يتصل بفتح الممرات البحرية وتخفيف القيود الأميركية على إيران والانتقال إلى مناقشة الملف النووي.
مضيق هرمز
يُعدّ مضيق هرمز أحد أبرز الملفات المؤثرة في مسار التفاوض، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية لحركة ناقلات النفط والغاز والتجارة الدولية. وقد ربطت طهران في مقترح سابق إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الملاحة بتلبية مجموعة من الشروط الأميركية، بينها رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، وتخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف الأعمال القتالية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان.
وبحسب تفاصيل المقترح الإيراني الذي نُقل إلى واشنطن عبر الوسطاء في أيلول، كان من المفترض تنفيذ الإجراءات الأولية خلال الأيام الأربعة أو الخمسة الأولى، على أن يُعاد فتح المضيق في اليوم السادس، وتبدأ المفاوضات بشأن اتفاق نهائي في اليوم السابع.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني السابق، معتبراً أنه غير كافٍ، فيما واصلت قطر نقل الرسائل بين الجانبين سعياً إلى تقريب وجهات النظر. كما ظل الملف النووي نقطة خلاف أساسية، إذ تمسكت واشنطن بضرورة معالجة القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بينما أصرت طهران على أن تكون الأولوية لإنهاء المواجهة ورفع القيود المفروضة عليها.
ولا يعني تقديم المسودة الجديدة أن الطرفين توصلا إلى اتفاق نهائي، إذ لا تزال تفاصيل الالتزامات المتبادلة وآليات تنفيذها بحاجة إلى تفاهم، فيما لم تُعلن حتى الآن البنود الكاملة للمقترح الذي تسلّمته إيران.
مفاوضات وتهديدات!
تتزامن التحركات الدبلوماسية مع استمرار التهديدات العسكرية. ووفق المسؤول المطلع على المفاوضات، سادت مخاوف قبل اجتماع طهران يوم الأحد من احتمال استئناف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الهجمات على إيران خلال الأسبوع الجاري، في ظل انعدام الثقة بإمكان تثبيت التهدئة.
وكان ترامب قد كرر، يوم الجمعة، تهديداته بتوجيه ضربات جديدة إلى إيران، ما أبقى احتمال التصعيد قائماً رغم الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية.
وفي تطور يعكس اتساع نطاق المخاطر المحتملة، نقلت رويترز عن مسؤولين أمنيين إيرانيين أن طهران وضعت خططاً تفصيلية لاستهداف كابلات الاتصالات البحرية في الخليج إذا استأنفت الولايات المتحدة والكيان هجماتهما. ويثير هذا الاحتمال مخاوف تتجاوز قطاع الطاقة، نظراً إلى الدور الحيوي الذي تؤديه الكابلات البحرية في نقل البيانات والاتصالات الدولية.
حرب اليمن
ولا تقتصر تداعيات الحرب على المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة هجمات متكررة نفذتها جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن ضد السعودية، أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، وفق ما أوردته رويترز.
ويضيف هذا التطور بُعداً إقليمياً آخر إلى جهود التسوية، في ظل المخاوف من انتقال المواجهة إلى مسارات بحرية وتجارية إضافية، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب في إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
كما أن اتساع نطاق التوتر يجعل أي اتفاق محتمل مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على احتواء التصعيد خارج ساحة المواجهة المباشرة، ومنع تحول التهدئة إلى تفاهم محدود لا يعالج مصادر التوتر الإقليمي.
نافذة تسوية
تعكس المسودة القطرية الجديدة محاولة لإعادة إحياء المسار الدبلوماسي عبر خطوات متدرجة لبناء الثقة، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى اتفاق شامل في ظل الخلافات القائمة. ويتيح الجدول الزمني المقترح، إذا وافق عليه الطرفان، اختبار مدى استعداد كل منهما لتنفيذ التزاماته قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة.
لكن نجاح هذه المبادرة سيبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل أساسية: قبول طهران وواشنطن صيغة متفقاً عليها، والتوصل إلى ترتيب واضح لتسلسل الإجراءات المتبادلة، وضمان عدم استئناف العمليات العسكرية خلال فترة التنفيذ.
وفي انتظار الرد الإيراني، لا تزال المسودة في مرحلة الدراسة، ولم يصدر إعلان عن اتفاق نهائي أو موعد مؤكد لبدء تطبيقها. وبذلك، تمثل المبادرة تطوراً جديداً في جهود الوساطة، لكنها لا تبدد حتى الآن مخاطر عودة المواجهة، في ظل استمرار التهديدات العسكرية والخلافات بشأن العقوبات ومضيق هرمز والملف النووي.


