أظهر استطلاع أجرته “ميرسي كور” أنّ 19% من الأسر لا تملك أيّ شبكة دعم، وأفادت 43% بأنّ شبكاتها تقلّصت خلال السنة الماضية، فيما لم يتجاوز متوسّط عدد الأشخاص الذين تستطيع الأسرة اللجوء إليهم طلباً للمساعدة 1.13 شخص. هذه الشبكة تتشكّل من العائلة والأصدقاء، وعلى مدى العقود الماضية كانوا يقدّمون دعماً مالياً في ظلّ ضعف بنية الحماية الاجتماعية الرسمية، إلا أن هذه القدرات بدأت تتآكل تحت وطأة الحرب والأزمة الاقتصادية اللتين استنزفتا مداخيل الأسر ومُدّخراتها ووصل الأمر إلى شبكة أمانها أيضاً.
أعدّ فريق تحليل الأزمات في لبنان التابع لمنظمة “ميرسي كور”، هذا الاستطلاع بعنوان “الحماية الاجتماعية غير الرسمية في ظلّ النزاع في لبنان”. وشمل بيانات 1082 أسرة مستفيدة من برنامج للمساعدات النقدية في جنوب لبنان وبعلبك ــ الهرمل وعكّار، إضافة إلى بيانات منفصلة تعود لـ 321 أسرة نازحة في تموز 2026.
كان الهدف الأساسي من الاستطلاع يتعلق بقدرة الأسر على الحصول على المساعدة من شبكات علاقاتها، وطبيعة هذه المساعدة، ومدى استمرارها، وقدرة المستفيدين على تقديم الدعم للآخرين، ولا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية والحروب والنزوح المتكرّر، التي استنزفت موارد الأسر وقلّصت قدرتها على تقاسم ما تملكه.
تشير النتائج إلى أنّ الحماية الاجتماعية في لبنان لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الروابط العائلية والشخصية. فقد شكّل الأقارب وأفراد العائلة المصدر الأكثر شيوعاً للمساعدة، بنسبة 52%، تلاهم الأصدقاء بنسبة 23%، ثمّ المتطوّعون في المجتمع المحلي بنسبة 12%. وفي المقابل، شكّلت المؤسّسات الدينية والأحزاب السياسية والمؤسّسات التجارية، كلّ على حدة، أقلّ من 4% من مصادر الدعم المذكورة.
لكنّ هذا الاعتماد على العائلة لا يوفّر حماية متساوية للجميع. فإمكان الحصول على المساعدة يرتبط بحجم شبكة العلاقات التي تمتلكها الأسرة، وبقدرة أفرادها على تقديم الدعم، أكثر ممّا يرتبط بمستوى حاجتها الفعلية. وتشير الدراسة إلى أنّ نظام الرعاية الاجتماعية في لبنان ارتبط تاريخياً بالانتماءات السياسية والطائفية والاجتماعية، ما يجعل الفئات الأفقر وغير المرتبطة بهذه الشبكات أكثر عرضة للهشاشة.
وتبيّن أنه كلّما ازدادت حاجة العائلات إلى الدعم، تقلّصت قدرة محيطها الاجتماعي على توفيره، ما يهدّد باستنزاف شبكات التضامن التي اعتمدت عليها الأسر طويلاً لتعويض غياب الحماية الاجتماعية الرسمية. فقد أفادت 43% من الأسر بأن شبكات الأمان لديها تقلّصت.
وكشف الاستطلاع أيضاً عن تراجع قدرة الأسر على مساعدة الآخرين. ففي جنوب لبنان، لم تتجاوز نسبة الأسر التي قدّمت أيّ شكل من أشكال الدعم 24%، مقابل 34% في بعلبك ــ الهرمل و32% في عكّار. بمعنى أوضح، إنّ شبكات التضامن التي سدّت طوال سنوات جزءاً من الفراغ الذي تركته الدولة باتت هي نفسها مُهدّدة بالتآكل.
وتختلف مصادر الدعم بين المناطق. ففي عكار، اعتمدت 61% من الأسر على الأقارب، بينما لم تتجاوز نسبة الأسر التي تلقّت مساعدة من المنظمات غير الحكومية 3%. في المقابل، بلغت نسبة الاعتماد على هذه المنظمات 46% في جنوب لبنان و23% في بعلبك ــ الهرمل. هذا التفاوت مرتبط بتركّز الاستجابة الإنسانية في المناطق الأكثر تضرّراً من حرب 2024، ما ترك الأسر في عكّار تعتمد بصورة شبه كاملة على علاقاتها العائلية والاجتماعية.
كذلك تبيّن أنّ القدرة على تبادل المساعدة تتراجع أيضاً، إذ إن نحو ثلث الأسر فقط أفاد بأنّه قدّم أيّ شكل من أشكال الدعم إلى الآخرين، فيما سجّل جنوب لبنان النسبة الدنيا، عند 24%.
إضافة إلى ذلك، لا تبدو الموارد التي تحصل عليها الأسر من شبكاتها كافية لمساعدتها على التعافي. فقد كانت الأموال النقدية والغذاء أكثر أشكال الدعم شيوعاً، بنسبة 25% و23% على التوالي، تلاهما الدعم العاطفي بنسبة 15%، ثمّ الائتمان والقروض بنسبة 10%. وهذا يعني أنّ المساعدات تتّجه أساساً إلى تلبية الاحتياجات اليومية، فيما تبقى الموارد المخصّصة لاستعادة مصادر الرزق محدودة.
وتتّضح هذه الصورة أكثر في نتائج الاستطلاع المنفصل المتعلق بالأسر النازحة. فرغم الاعتماد الشائع على تحويلات المغتربين بوصفها أحد مصادر الدعم في لبنان، لم تتلقَّ سوى 5% من الأسر النازحة المُستطلعة تحويلات نقدية من الخارج بين نيسان وحزيران 2026. وكانت 59% من التحويلات التي تلقّاها المستفيدون تُراوِح بين 50 و99 دولاراً، فيما لم يحصل سوى 12% منهم على الأموال بصورة منتظمة.
أمّا أوجه الإنفاق، فتعكس حجم الضغوط المعيشية. فقد استخدم جميع متلقّي التحويلات جزءاً منها لشراء الغذاء أثناء النزوح، مقابل 71% قبل النزوح. كذلك، ارتفعت نسبة الذين استخدموها لتغطية نفقات الرعاية الصحية من 14% إلى 53%. وفي المقابل، لم تُخصّص سوى موارد ضئيلة جداً لإعادة تشغيل الأعمال أو إعادة الإعمار.
وإذا كانت الأسر لا تزال تحصل على بعض المساعدة، فإنّ ثقتها باستمرار هذا الدعم تبدو ضعيفة. ففي عكار، أفادت 45% من الأسر بأنّها غير واثقة إطلاقاً من قدرة شبكاتها داخل لبنان على مساعدتها خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، مقابل 37% في جنوب لبنان و28% في بعلبك ــ الهرمل. أمّا الثقة بالحصول على الدعم من الخارج، فكانت أقلّ بكثير، إذ أفادت 6% فقط من الأسر بوجود شخص واحد على الأقل خارج لبنان يمكن الاعتماد عليه.
ويخلص الاستطلاع إلى أنّ شبكات الحماية الاجتماعية غير الرسمية، رغم أهميتها، تبقى هشّة وتعتمد بدرجة أساسية على العائلة، وتتفاوت قدرتها على تقديم المساعدة بين منطقة وأخرى، كما أنّها موجّهة أساساً لتأمين الاستهلاك اليومي، وتتآكل مع تكرار النزاعات. لذلك، المطلوب الجمع بين المساعدات النقدية الطارئة ودعم سبل العيش واستعادة الأصول الإنتاجية، وتأمين مصادر دخل أكثر استقراراً للأسر، بما يحافظ أيضاً على قدرتها على مساعدة الآخرين، وإعطاء الأولوية للأسر التي لا تملك شبكات دعم، باعتبار أنّ هذه الفئة قد لا تظهر هشاشتها كاملة في التقييمات التقليدية القائمة على الدخل والاستهلاك.


