الرئيسيةSlider“المستقبل” يختبر الأرض قبل قرار العودة

“المستقبل” يختبر الأرض قبل قرار العودة

| نجلة حمود |

بدأ “تيار المستقبل” اختبار الأرض تمهيداً لعودة مُحتملة إلى الحياة السياسية، من دون أن يكون رئيسه سعد الحريري قد حسم قراره بعد. فالجولات المناطقية التي يقودها الأمين العام للتيار أحمد الحريري، وانطلقت من بيروت في 18 الشهر الماضي، قبل أن تصل إلى عكار، على أن تشمل تباعاً سائر المنسّقيات، لا تبدو مجرد مراجعة تنظيمية لأداء المرحلة السابقة، بقدر ما تشكّل محاولة لقياس ما تبقّى من نفوذ “المستقبل” في الشارع السنّي، بعد أكثر من أربع سنوات على تعليق الحريري نشاطه السياسي، وما رافق غيابه من تبدّل في التحالفات وتوزّع الولاءات وصعود شخصيات سعت إلى ملء الفراغ الذي تركه.

فاللقاءات التي تُعقد تحت عنوان “المراجعة” تتجاوز في دلالاتها إعادة التواصل مع المنسّقين والكوادر، إلى محاولة استنهاض الشارع الأزرق، ورصد التحوّلات التي طرأت على الساحة السنّية خلال سنوات الغياب.

كما أنّ توقيت هذا الحراك لا ينفصل عن الحسابات الإقليمية التي لا تزال تتحكّم بخيارات سعد الحريري، بين انتظار تبدّل الموقف السعودي، والتساؤلات حول إمكان توظيف علاقاته الإماراتية لتوسيع هامش حركته. وفي انتظار اتضاح هذه الحسابات، يبدو أنّ “المستقبل” قرّر ترتيب بيته الداخلي، سواء أكان ذلك استعداداً لعودة محتملة، أم منعاً لتكريس زعامات بديلة في الساحة السنّية.

وفي عكار تحديداً، إحدى أبرز قواعد الحريرية السياسية، لم يقتصر التحرّك على الاجتماعات التنظيمية، بل سبقته اتصالات ودعوات من بيروت شملت فاعليات سياسية وناشطين ومرشّحين محتملين. وتوزّعت زيارة الحريري على ثلاثة لقاءات حوارية، بحضور المنسّق العام للتيار في المحافظة عبد الإله زكريا، وأمين سر هيئة الإشراف والرقابة النقيب محمد المراد، إلى جانب كوادر وفاعليات محلية، بهدف تكوين صورة مباشرة عن الواقع السياسي وإمكانات إعادة ترميم العلاقات.

وحرص زكريا على توسيع دائرة المدعوّين لتشمل رؤساء اتحادات بلدية وعدداً كبيراً من رؤساء البلديات المحسوبين على “المستقبل” أو القريبين منه، فضلاً عن شخصيات من مختلف الطوائف. واتخذت بعض النقاشات طابعاً استشارياً حول آفاق العمل والتنسيق، في محاولة لاستطلاع مواقف الفاعليات المحلية ومدى استعدادها للتعاون في المرحلة المقبلة. لكنّ هذا الانفتاح لم يشمل الأحزاب السياسية، في ما يوحي بتفضيل التيار إعادة وصل علاقاته المباشرة مع القوى المحلية المؤثّرة، بعيداً عن تفاهمات حزبية أو التزامات انتخابية مبكرة.

في المقابل، سُجّل غياب رئيس اتحاد بلديات جرد القيطع وعدد من رؤساء البلديات المحسوبين على النائب وليد البعريني، في مؤشر إلى التحوّلات التي شهدتها الساحة العكارية خلال غياب الحريري، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود قطيعة سياسية.

ولا ينفصل هذا المشهد عن محاولات شخصيات سنّية توسيع نفوذها مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه “المستقبل”. وفي هذا السياق، تبرز الجولات التي كثّفها البعريني أخيراً، من عكار إلى البقاع وخارج لبنان، وما رافقها من استقبالات وارتداء العباءة، بما يعكس طموحاً إلى دور يتجاوز حدود تمثيله النيابي. غير أنّ إعادة تحريك منسّقيات “المستقبل” تحمل، في المقابل، رسالة إلى الطامحين بوراثة نفوذ الحريري، مفادها أنّ تعليق العمل السياسي لا يعني التخلّي عن القاعدة الشعبية، وأنّ الرهانات على استمرار الغياب قد لا تكون في محلّها.

ومن مفارقات لقاء عكار مشاركة شخصيات سنّية وطامحين إلى أدوار سياسية، تربط بعضهم قنوات تواصل مع “القوات اللبنانية”. وقد بدت مداخلات بعض هؤلاء أكثر حماسة في الدفاع عن “المستقبل” من مداخلات كوادره أنفسهم، في ما يشبه المزايدة السياسية داخل بيئته التنظيمية، ويعكس حرصاً على إبقاء الخيارات مفتوحة تحسّباً لعودة الحريرية السياسية.

من جهته، ركّز أحمد الحريري في مداخلاته على المصارحة ومراجعة الأخطاء وإعادة بناء الثقة، مستعيداً عبارة سعد الحريري “كل شيء في وقته حلو”، من دون حسم موعد العودة أو شكلها. فيما شدّد زكريا على أهمية وضع القيادة في صورة الواقع العكاري، والحاجة إلى تنظيم فاعل وقريب من الناس.

لكنّ التحدّي الأكبر أمام “المستقبل” لا يقتصر على إعادة جمع كوادره أو استنهاض الحنين إلى مرحلة سابقة، بل في قدرته على استعادة ثقة جمهور تبدّلت أولوياته، بعدما أتاحت سنوات الغياب لقوى وشخصيات أخرى بناء شبكاتها الانتخابية والخدماتية. ولذلك، تبدو الجولات المناطقية أقرب إلى عملية مسح سياسي وتنظيمي، لاختبار حجم التأييد الشعبي، قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تقدّماً.

شريط الأحداث