الرئيسيةSliderالانتخابات الإسرائيلية: هل يتغيّر المشهد أم تتبدّل الوجوه؟

الانتخابات الإسرائيلية: هل يتغيّر المشهد أم تتبدّل الوجوه؟

تتجه الأنظار اليوم إلى صناديق الاقتراع في “إسرائيل”، في انتخابات تتجاوز أهميتها حدود الصراع الداخلي على السلطة، لتلامس مستقبل المواجهة في الشرق الأوسط، من لبنان وغزة والضفة الغربية إلى إيران، في منطقة لم تستعد بعد توازناتها بعد سنوات من الحروب والتصعيد. لكن السؤال الذي يشغل العواصم المعنية لا يقتصر على هوية الفائز، بل يتصل بما إذا كانت نتائج الانتخابات ستفتح الباب أمام تغيير فعلي في السياسات الإسرائيلية، أم ستقتصر على إعادة توزيع الأدوار داخل منظومة سياسية وأمنية لا تزال ترى في القوة العسكرية أداة أساسية لإدارة الصراعات.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية من طبيعة المنافسة بين بنيامين نتنياهو ومعارضيه، وفي مقدّمهم رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، في ظل الانقسامات الداخلية وتراجع الثقة بقيادة نتنياهو لدى قطاعات من الإسرائيليين، على خلفية الإخفاقات الأمنية وحروب السنوات الأخيرة. إلا أن تعقيدات النظام البرلماني الإسرائيلي تجعل نتائج الصناديق بداية معركة أخرى على تشكيل الحكومة، لا نهايتها بالضرورة، إذ إن غياب أكثرية واضحة قد يطيل مرحلة التجاذب السياسي ويترك البلاد أمام حكومة تصريف أعمال إلى حين التوصل إلى تسوية ائتلافية.

ولا تبدو هذه التفاصيل شأناً إسرائيلياً داخلياً فحسب. فالحرب على غزة، والتصعيد في لبنان، والمواجهة مع إيران، والعلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة بشأن إدارة الصراعات الإقليمية، كلها ملفات تجعل من هوية الحكومة المقبلة عاملاً مؤثراً في اتجاهات المرحلة، وإن لم يكن العامل الوحيد الذي يحكمها.

وتتمثل إحدى أبرز المفارقات في أن الانتخابات قد تفضي إلى تغيير سياسي في تل أبيب من دون أن تنتج تغييراً مماثلاً في العقيدة الأمنية والعسكرية، فتبدّل القيادة لا يعني بالضرورة تحولاً جوهرياً في الاستراتيجية الإسرائيلية، بعدما رسّخت الحروب المتعاقبة أولوية مواجهة إيران، والإبقاء على مناطق عازلة خارج الحدود، واستخدام القوة لردع الخصوم.

ولا يعني ذلك أن الفوارق بين نتنياهو ومنافسيه معدومة، أو أن نتائج الانتخابات لن تكون لها انعكاسات. فاختلاف التحالفات الحاكمة، وحسابات الأحزاب، وطبيعة العلاقة مع واشنطن، ومدى الاستعداد للانخراط في مسارات سياسية، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في توقيت العمليات العسكرية وحدّتها، وفي القدرة على التوصل إلى تفاهمات أو المحافظة عليها. لكن تحويل هذا الاحتمال إلى رهان على تحول استراتيجي شامل قد يكون سابقاً لأوانه.

وحتى داخل معسكر المعارضة، لا يبدو أن هناك توافقاً على مراجعة جذرية لكل السياسات التي حكمت التعامل مع الفلسطينيين أو مع لبنان. وقد تتبدل طريقة إدارة الصراع، أو تتغير الأولويات والأدوات، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الأهداف الأمنية التي تتقاطع حولها قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.

من هنا، لا تكمن أهمية الانتخابات في مجرد معرفة من سيجلس في رئاسة الحكومة، بل في اختبار مدى استعداد القيادة الجديدة، إن حصل التغيير، لإعادة النظر في كلفة الحروب وحدود القوة وإمكانات التسويات السياسية.

لبنان بين التفاوض واستمرار التصعيد

بالنسبة إلى لبنان، تبدو هذه المعادلة أكثر إلحاحاً. فالجنوب لا ينتظر نتائج الانتخابات من موقع المراقب البعيد، بل من واقع ميداني يتسم باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وبقاء الاحتلال في مناطق لبنانية، وتعثر الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء الثقة بالمسار التفاوضي.

وتجد السلطة اللبنانية نفسها أمام معادلة صعبة: مواصلة السعي إلى تثبيت التهدئة وتنفيذ الالتزامات القائمة، في مقابل واقع لا يضمن أن يؤدي المسار التفاوضي إلى وقف الاعتداءات أو الانسحاب الإسرائيلي. وفي هذه الظروف، لا يكفي أن تتغير الحكومة في تل أبيب حتى يصبح الانسحاب من الأراضي اللبنانية نتيجة تلقائية، كما لا يكفي تبدّل الخطاب السياسي لتغيير الوقائع الميدانية.

وتزداد المخاوف مع اقتراب انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل” وفق القرار الدولي الذي ينظم المرحلة المقبلة، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول ترتيبات الأمن في الجنوب، وآليات مراقبة الحدود، ودور القوات الدولية في المرحلة الانتقالية. فالمسألة لا تتعلق فقط بمغادرة قوات دولية أو استمرار وجودها، بل بما إذا كانت هناك ترتيبات بديلة واضحة تحول دون نشوء فراغ أمني، أو تكريس واقع ميداني يسمح باستمرار الاحتلال والعمليات العسكرية.

وفي حال بقيت المناطق التي تحتلها “إسرائيل” خارج أي تسوية واضحة، فقد يتحول هذا الواقع إلى مصدر دائم للاحتكاك والتصعيد، حتى من دون قرار معلن بالذهاب إلى حرب واسعة.

لذلك، لا يستطيع لبنان أن يبني حساباته على احتمال خسارة نتنياهو الانتخابات، كما لا يستطيع افتراض أن فوزه سيقود حتماً إلى تصعيد أكبر. المطلوب هو التعامل مع الاحتمالين انطلاقاً من الوقائع، والاستعداد لمرحلة قد لا تحمل انفراجاً سريعاً، أياً تكن هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

إيران والولايات المتحدة: جبهة أخرى مفتوحة على الاحتمالات

ولا تنفصل الحسابات اللبنانية عن مسار المواجهة بين واشنطن وطهران. فالملف الإيراني يشكل أحد أبرز العوامل التي قد تحدد اتجاهات السياسة الإسرائيلية بعد الانتخابات، في وقت تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية الأميركية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقد أظهرت المرحلة الماضية أن التهديدات العسكرية لا تعني بالضرورة أن الضربة باتت وشيكة، كما أن الحديث عن مفاوضات أو تبادل رسائل لا يكفي وحده لاستبعاد التصعيد. فالمساران الدبلوماسي والعسكري قد يستمران بالتوازي، فيما تستخدم الأطراف المعنية الضغط والتهديد لتحسين شروطها التفاوضية أو انتزاع تنازلات من خصومها.

وتشير التحليلات الدولية إلى أن الانتخابات الإسرائيلية تجري في ظل توتر إقليمي متشابك، لا يمكن فصل نتائجه عن مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، أو عن الحسابات المتعلقة بغزة ولبنان. لكن يبقى من الصعب الجزم بأن أي تطور عسكري سيُربط حصراً بنتيجة الانتخابات الإسرائيلية أو الأميركية؛ فقرار الحرب، إن اتُخذ، تحكمه أيضاً تقديرات عسكرية ومصالح استراتيجية وتوازنات إقليمية قد تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة.

ومع ذلك، فإن تزامن الاستحقاقين الإسرائيلي والأميركي يجعل الأيام والأسابيع المقبلة مرحلة حساسة، إذ قد تحاول الأطراف المعنية استثمار الوقت المتاح لتعديل مواقعها، أو تحسين شروط التفاوض، أو فرض وقائع جديدة قبل اتضاح اتجاهات السياسة في واشنطن وتل أبيب.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال دور الوسطاء الإقليميين والدوليين في منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع. فاستمرار الاتصالات وتبادل المقترحات، إن اقترنا باستعداد سياسي لتقديم تنازلات متبادلة، قد يفتحان نافذة لاحتواء التصعيد. أما إذا بقيت الدبلوماسية مجرد وسيلة لكسب الوقت، من دون معالجة أسباب النزاع، فإن احتمالات تجدد المواجهة ستظل قائمة.

المنطقة في انتظار ما بعد الصناديق

لا تقتصر تداعيات الانتخابات على لبنان وإيران. فغزة والضفة الغربية تواجهان بدورهما أسئلة مصيرية تتصل باستمرار العمليات العسكرية، والتوسع الاستيطاني، واحتمالات فرض وقائع جديدة على الأرض، في وقت لا يظهر فيه أفق سياسي واضح لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. كما أن أي توسع في العمليات أو تغيير في الوقائع الحدودية قد ينعكس على دول الجوار، ويزيد الضغوط على منظومة إقليمية تعاني أصلاً من هشاشة التوازنات.

وإذا بقيت الحسابات الأمنية نفسها، واستمرت أولوية المواجهة على حساب التسويات، فإن تبدّل الأسماء قد لا يكون كافياً لإحداث تحول ملموس. أما إذا أفضت الانتخابات إلى حكومة أكثر استعداداً لإعادة تقييم كلفة الصراع، والتجاوب مع الضغوط الدولية، والبحث عن ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار، فقد تنشأ فرص جديدة، وإن لم تكن مضمونة النتائج.

لكن حتى هذا الاحتمال سيبقى مرتبطاً بعوامل تتجاوز الداخل الإسرائيلي، من موقف الإدارة الأميركية إلى حسابات إيران، مروراً بأوضاع الجبهات المفتوحة وقدرة الأطراف المعنية على الالتزام بأي تفاهمات.

وفي المحصلة، لا تقدم الانتخابات الإسرائيلية ضمانة للحرب ولا وعداً بالسلام. إنها محطة سياسية مهمة في منطقة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع المصالح الأمنية، لكن نتائجها لن تحسم وحدها مستقبل الصراعات. وقد تكون المرحلة التي تلي الاقتراع أكثر أهمية من يوم التصويت نفسه، لأنها ستكشف ما إذا كانت القيادة المقبلة ستستخدم ما تملكه من خيارات لتوسيع المواجهة، أم لإعادة رسم حدودها.

شريط الأحداث