حسم وزير الداخلية الأردني مازن الفراية الهوية السياسية لمنفّذي الهجوم الدموي على الكنيسة في محافظة الكرك الأردنية، وكشف عن إلقاء القبض على ثلاثة أشخاص.
واتجهت التحقيقات إلى معرفة ما إذا كان الأشخاص الثلاثة المتهمين بتنفيذ لهجوم على الكنيسة، والذين تم وصفهم بأنهم متطرّفين، ينتمون إلى تنظيم أو جهة.
وأكدت مصادر أردنية أن منفذي عملية كنيسة حمود الذين قُبض عليهم فجر الاثنين، كانوا متحصنين بمنزل مهجور في قرية (جديّدة) المتاخمة لقرية حمود، وهي مكان تنفيذ العملية التي راح ضحيتها 9 قتلى وعشرات المصابين من روّاد الكنيسة حيث كانوا يشاركون بواجب عزاء.
وأفادت مصادر أن الأشخاص الثلاثة تحصنوا في المنزل المهجور لمدة 60 ساعة، واستطاعوا الاختباء والتخفي، حيث لم يشعر السكان المجاورون بأي حركة في المنزل المهجور الذي يبعد (6 كيلومترات) عن قرية حمود.
وقالت المصادر نفسها إن منفذي الاعتداء على الكنيسة شاهدوا من موقع تحصّنهم موكب تشييع جثامين ضحايا كنيسة حمود في أثناء مروره. وأضافت أن المنفذين هم شقيقان ومعهم أحد أبناء عمومتهم.
وأوضحت المصادر أن العملية الأمنية لإلقاء القبض على المسلحين الثلاثة، استُخدمت فيها طائرات مسيّرة و”روبوتات” موجهة من بعد، وقد أطلق المسلحون خلالها النار من سطح المنزل المتحصنين به على طائرات “الدرون” لمنعها من تحديد موقعهم على الخرائط الجوية، في حين أن الأجهزة الأمنية لجأت إلى إدخال “روبوتات” إلى مكان المواجهة للتأكد من إصابة الأهداف.
وكانت أجهزة أمنية قد ساعدت في إخلاء السكان حول مكان تحصّن منفذي العملية، من دون لفت الانتباه، ليطمئن المسلّحون الذين أقاموا في منزل هجره أهله بعد إجلائهم منه بعد جريمة قتل وسعي أهل المتوفى للثأر أو المصالحة. وكان الهدف من اختيار المنزل ضمان نجاح خطتهم في التواري عن الأجهزة الأمنية.
وأكد وزير الداخلية الأردني مازن الفراية، الإثنين، محاسبة المتورطين في الهجوم على كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، والذي أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 25 آخرين، وفق الحصيلة الواردة في البيانات والتقارير الأولية.
وقال الفراية: “ضبطنا القتلة، ونراجع كل الظروف التي توصل الشباب إلى التطرف، ونحاسب كل من تثبت مشاركته”، مؤكداً أن الحكومة ستعمل على تحويل المأساة إلى إجراءات من شأنها حماية أرواح المواطنين.
وأعلنت مديرية الأمن العام الأردنية أن فرق التحقيق والمداهمة الخاصة المشتركة والأجهزة الأمنية تمكنت، فجر الإثنين، من تحديد مكان وجود منفذي الهجوم الثلاثة. وأوضحت أن المشتبه بهم تحصنوا داخل منزل مهجور ورفضوا الاستسلام، قبل أن يطلقوا النار باتجاه القوة الأمنية، التي طبقت قواعد الاشتباك وتمكنت من السيطرة عليهم وإلقاء القبض عليهم بعد إصابتهم جميعاً، من دون تسجيل إصابات في صفوف عناصرها.
وأضافت المديرية أنه عُثر بحوزة الموقوفين، بعد تفتيش مكان وجودهم، على مجموعة من الأسلحة النارية والذخائر، فيما أفاد التلفزيون الرسمي الأردني بأن العملية الأمنية المشتركة انتهت بإلقاء القبض على المنفذين الثلاثة.
وقال مدير الأمن العام الأردني اللواء عبيد الله المعايطة، إن “المنفّذين لا يمثلون إلا أنفسهم وهم من عائلة واحدة ولهم ميول تكفيرية، وهم الشقيقان هزاع (المخطط والعقل المدبر)، ومشعل زيدان محمد، ونسيبهم أحمد سامي حسين”.

وكان الهجوم قد وقع الجمعة، عندما أطلق ثلاثة مسلحين النار على المشاركين في جنازة داخل كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود جنوب الأردن، ما أدى إلى سقوط 9 قتلى و25 جريحاً، قبل فرار المهاجمين من المكان. ووصفت السلطات المنفذين بأنهم متطرفون، فيما وصف العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني العملية بالإرهابية، متوعداً بإنزال أشد العقوبات بالمتورطين.
التحقيقات تتجه إلى خلفيات التطرف
ولا تقتصر متابعة السلطات للحادثة على توقيف المشتبه بهم، إذ أكد الفراية أن الجهات المعنية تراجع الظروف التي دفعت الشباب إلى التطرف، في إشارة إلى أن التحقيقات ستتناول، إلى جانب المسؤولية الجنائية للمنفذين، العوامل التي قد تكون أسهمت في وصولهم إلى تنفيذ الهجوم.
وتبقى نتائج التحقيقات المرتقبة أساسية لتحديد دوافع العملية، وما إذا كان المنفذون مرتبطين بجهة أو تنظيم محدد، فضلاً عن الكشف عن طبيعة التخطيط للهجوم والظروف التي سبقته. وحتى تتضح هذه المعطيات، لا يمكن الجزم بوجود ارتباط تنظيمي أو تحديد خلفيات نهائية للعملية.
وتعيد الحادثة كذلك طرح مسألة حماية دور العبادة والتجمعات المدنية، ولا سيما المناسبات التي تشهد حضوراً واسعاً، مثل الجنازات، وما تتطلبه من إجراءات وقائية تحول دون استهداف المشاركين فيها. كما تبرز أهمية مراجعة التدابير الأمنية واستخلاص الدروس من الهجوم، بما يعزز القدرة على رصد التهديدات ومنع تكرارها.
الكرك وذاكرة الهجمات الأمنية
ويكتسب الهجوم دلالة إضافية بالنظر إلى الخلفية الأمنية لمحافظة الكرك، التي شهدت عام 2016 سلسلة هجمات نُسب معظمها إلى تنظيم “داعش”. وكان أبرزها هجوم استهدف مركزاً أمنياً ودوريات للشرطة في كانون الأول من ذلك العام، وأسفر عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم سبعة من عناصر الأمن وسائحة.
لكن استحضار تلك الأحداث لا يعني بالضرورة وجود صلة بينها وبين الهجوم الأخير، إذ يبقى تحديد أي ارتباط محتمل رهناً بما ستكشفه التحقيقات الحالية.
وعلى المستوى الاجتماعي، يضع استهداف جنازة داخل كنيسة مسألة الحفاظ على التماسك بين مكونات المجتمع الأردني في صلب تداعيات الحادثة. ويشكّل المسيحيون قرابة 3% من سكان الأردن البالغ عددهم نحو 11 مليون نسمة، فيما تضم محافظة الكرك، التي يناهز عدد سكانها 375 ألفاً، حضوراً مسيحياً تاريخياً لعشائر من بينها الهلسا والحجازين.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية احتواء تداعيات الهجوم ومنع استغلاله لإثارة الانقسامات، بالتوازي مع محاسبة المسؤولين عنه ومواصلة التحقيقات لكشف ملابساته. وبين توقيف المنفذين والإجراءات التي وعدت الحكومة باتخاذها، تبقى النتائج العملية للتحقيقات والتدابير الوقائية المقبلة معياراً أساسياً لقياس مدى قدرة السلطات على الحد من مخاطر التطرف وحماية المواطنين.


