تتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مع تصاعد الخلاف حول تجنيد اليهود الحريديم في جيش الاحتلال، بالتزامن مع خروج آلاف المستوطنين إلى الشوارع احتجاجاً على حكومته، ومطالبتهم بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، في ظل احتدام الخلافات الداخلية داخل الكيان.
ويشكّل ملف تجنيد الحريديم إحدى أبرز الأزمات الداخلية التي تواجه حكومة الاحتلال، في ظل استمرار الحروب على جبهات متعددة، وتزايد حاجة الجيش إلى الجنود، مقابل تكرار استدعاء قوات الاحتياط وما يرافقه من أعباء اجتماعية واقتصادية على الجنود وعائلاتهم. ويعيد هذا الواقع فتح النقاش حول المساواة في تحمل الأعباء العسكرية، بعدما استمر إعفاء قطاعات واسعة من الحريديم من الخدمة لعقود، مقابل تفرغهم لدراسة التعاليم الدينية.
وتعود جذور هذا الترتيب إلى عام 1948، حين أُرست معادلة تسمح لطلاب المعاهد الدينية الحريدية بتجنب الخدمة العسكرية. إلا أن تداعيات هجوم السابع من تشرين الأول وما تلاه من حروب أعادت القضية إلى واجهة النقاش داخل الكيان، وسط مطالبات بتوسيع قاعدة التجنيد لتلبية احتياجات جيش الاحتلال. في المقابل، يرفض الحريديم الخدمة، معتبرين أنها تتعارض مع نمط حياتهم الديني، فيما يحاول نتنياهو التوفيق بين مطالب المؤسسة العسكرية والضغوط التي تمارسها الأحزاب الحريدية المشاركة في ائتلافه الحكومي.
وتكمن حساسية الأزمة في اعتماد حكومة نتنياهو على حزبي “شاس” و”يهدوت هتوراه”، اللذين يتمسكان بضمانات تتعلق بوضع طلاب المعاهد الدينية والإعفاءات من الخدمة. وفي حين تتهم المعارضة الحكومة بالسعي إلى تكريس الإعفاءات ومواصلة تقديم الدعم المالي للمؤسسات الدينية، يقدّم نتنياهو مشروع قانون التجنيد باعتباره خطوة نحو دمج الحريديم في الجيش والأجهزة الأمنية. ومع تصاعد الخلافات، بات الملف عاملاً مؤثراً في حسابات الأحزاب ومستقبل الائتلاف الحاكم.
وفي موازاة أزمة التجنيد، شهدت تل أبيب، مساء السبت، تظاهرة شارك فيها آلاف المستوطنين ضد حكومة نتنياهو، بدعوة من “مجلس أكتوبر”، الذي يضم عائلات قتلى وأسرى هجوم السابع من تشرين الأول. وطالب المشاركون بتشكيل لجنة تحقيق رسمية ومستقلة ومحايدة لكشف ملابسات الإخفاقات الأمنية والاستخبارية التي سبقت الهجوم، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المعنيين.
وشهدت التظاهرة مشاركة شخصيات بارزة من المعارضة، بينها يائير لبيد وأفيغدور ليبرمان وغادي آيزنكوت ويائير غولان. وأكد المنظمون أن التحرك مدني تقوده العائلات، ولا يهدف إلى دعم حزب أو قائمة انتخابية بعينها، فيما تتهم المعارضة حكومة نتنياهو برفض تشكيل لجنة تحقيق مستقلة. وكان حزب “الليكود” قد طلب منع بث التظاهرة عبر القنوات التلفزيونية الرئيسية، بحجة أنها تشكل دعاية انتخابية، لكن رئيس لجنة الانتخابات المركزية رفض الطلب لعدم توافر أساس واقعي كافٍ له.
وتعكس الاحتجاجات استمرار الضغوط الداخلية على رئيس حكومة الاحتلال، الذي يواجه انتقادات بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من تشرين الأول، فضلاً عن الخلافات داخل ائتلافه حول التجنيد والامتيازات الممنوحة للأحزاب الحريدية. وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تقارب بين معسكر نتنياهو ومنافسيه، من دون حصول أي منهما على أغلبية برلمانية واضحة، وفق المعطيات الواردة في التقارير.
وبذلك، تتداخل أمام نتنياهو ثلاثة ملفات رئيسية: المحاسبة على إخفاقات السابع من أكتوبر، والخلاف حول توزيع أعباء الخدمة العسكرية، ومستقبل التحالفات الحزبية. وهي ملفات تتجاوز تأثيراتها المنافسة السياسية، لتطال شكل الحكومة المقبلة وقدرتها على الحفاظ على ائتلاف متماسك، في ظل استمرار الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل الكيان.


