| جورج علم |
ليس في الأمر تهمة، بل مجرّد سؤال تتداوله أوساط دبلوماسية فرنسية عن دور كلّ من إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو في تأجيج الاضطرابات التي مزّقت النسيج السياسي والاجتماعي والاقتصادي الفرنسي، وروّجت لانطباعات تشاؤمية حول مسار الأمور من الآن وحتى أيار المقبل، موعد الانتخابات الرئاسية، وعرّت الدولة الأوروبية الكبرى من هيبتها، وأظهرتها من المنظار الدولي وكأنها دولة من العالم الثالث.
هناك ما يُبنى عليه، في الشكل قبل المضمون. ذلك أن الرئيس ترامب وجّه انتقادات ساخرة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، وحمّله مسؤولية ما يجري في الداخل الفرنسي، وأيضاً الأوروبي. وفنّد المآخذ على سياسته، متوقفاً عند أربعة محاور: سياسته المتسامحة مع الهجرة غير الشرعية وأفواج المهاجرين نحو فرنسا وأوروبا؛ وموقفه “الشعبوي” من الحرب الأوكرانية؛ وغياب الوضوح حول ما يبتغيه من أزمة الشرق الأوسط والحرب ضد إيران؛ وموقفه من غزة، وغياب أي دور فعلي لفرنسا في “التحالف الدولي” في البحر الأحمر، وإمدادات الطاقة، وأمن المضائق والممرات.
وتشعر شريحة واسعة من الفرنسيين بأن ما يجري أشبه بمحاولة انقلابية على الجمهورية الخامسة، لم تتضح بعد كامل مواصفاتها وأهدافها. وقد بدأت طلائعها عندما انسحب وفد الولايات المتحدة من جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، احتجاجاً على تصريحات فرنسية انتقدت بشدّة السياسة الأميركية وسجلّها في مجال حقوق الإنسان.
وجرى ذلك عقب تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على تجديد ولاية المفوّض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك. وصوّتت واشنطن ضد التجديد بسبب مواقفه المنتقدة لـ”إسرائيل” وبعض السياسات الأميركية، بينما صوّتت فرنسا، مع أغلبية ساحقة من الدول، لصالح التجديد له.
وعقب التصويت، نشرت البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة في جنيف بياناً انتقدت فيه الموقف الأميركي بشدّة، وجاء فيه: “كانت الولايات المتحدة ذات يوم منارة لحقوق الإنسان. لم تعد كذلك اليوم. اليوم تقف معزولة إلى جانب كوريا الشمالية ونيكاراغوا ومالي وروسيا، ولم يعد العالم يصغي إليها”.
وردّ مساعد السفير الأميركي، دان نيغريا، مهاجماً الموقف الفرنسي، واصفاً إياه بأنه “منافق ومحبّ للظهور الزائف”.
ولا يحتاج الموقف الإسرائيلي إلى دليل للتأكيد على اغتنام المناسبة للمشاركة في عملية “تصفية الحسابات”.
لقد ساءت العلاقة بين بنيامين نتنياهو وإيمانويل ماكرون بشكل حاد نتيجة تراكم عدد من الأزمات السياسية والقانونية والميدانية منذ اندلاع حرب غزة في تشرين الأول 2023، والاتهامات المتبادلة على خلفية الوضع الإنساني، وحجب المساعدات، والمجازر بحق الغزّيين العزّل. وشمل الخلاف موقف فرنسا من المحكمة الجنائية الدولية، وتأييد باريس تحرّك المحكمة ضد قيادات إسرائيلية، وتصعيد نتنياهو حملاته الإعلامية ضد ماكرون، زاعماً أن فرنسا “استسلمت للإسلام المتطرّف”، وأن “حركة حماس أصبحت حاضرة في قلب العاصمة الفرنسية، وتقف وراء الاحتجاجات والاضطرابات”. وقد أثار ذلك غضباً واسعاً في الأوساط الفرنسية.
وامتدّ الخلاف إلى التراشق بشأن الماضي الاستعماري، حيث وصل الأمر بنتنياهو إلى تذكير فرنسا وبريطانيا بماضيهما الاستعماري، فيما جاء ردّ الفعل الفرنسي عنيفاً على “المجازر التي يرتكبها في غزة والضفة ولبنان وسوريا”. وتطوّر الأمر إلى فرض قيود اقتصادية ودفاعية متبادلة.
وما يهمّ اللبنانيين من هذا المشهد القاتم أربعة أمور يُفترض التوقف عندها.
أولاً، إن الولايات المتحدة، بالتنسيق والتفاهم مع “إسرائيل”، عزلت فرنسا عن لجنة “الميكانيزم”، وأبطلت أي دور تنفيذي لها. وهذه خسارة معنوية كبيرة للبنان.
ثانياً، لقد تمكّنت واشنطن وتل أبيب من محاصرة باريس في لبنان، ومنعها من القيام بـ”دور الرافعة” للموقف اللبناني في مواجهة العدوان الإسرائيلي على الجنوب والضاحية. وتحولت زيارات المسؤولين الفرنسيين للعاصمة اللبنانية إلى مجرد زيارات بروتوكولية وتفقّدية، لرفع العتب.
ثالثاً، تعطيل مفاعيل كل المؤتمرات الدولية التي عقدها ماكرون، سواء لدعم الجيش اللبناني أو لدعم مسيرة النهوض وإعادة الإعمار من قِبل “الدول المانحة”. وقد بقيت معظم القرارات التي اتُّخذت مجرد حبر على ورق، تفتقر إلى صدقية التنفيذ وحرارته.
أما رابعاً، وهو الأهم، فيتمحور حول السؤال الآتي: هل تغتنم الولايات المتحدة و”إسرائيل” التظاهرات الاحتجاجية في فرنسا وإيطاليا وبعض الدول الأوروبية لإسقاط المحاولات الناشطة والهادفة إلى تشكيل قوة فرنسية ـ إيطالية ـ أوروبية مشتركة تحلّ مكان قوات “اليونيفيل” في الجنوب، لمنع “إسرائيل” من ملء الفراغ وفرض ترتيبات أمنية تكرّس احتلالها للجنوب، وتضع الدولة اللبنانية وراء قضبان الأمر الواقع؟
ليس هناك من تحليل أو اجتهاد حول هذا الموضوع الحيوي والمصيري والحساس، طالما أن “الرعاية” الترامبية ـ النتنياهوية للتظاهرات الفرنسية أبعد من مجرد اقتصاص وتصفية حسابات مع ماكرون. فالهدف الأول منها هو التدخل مباشرة، ومنذ الآن، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجري بعد أقل من مئة يوم.
أما الهدف الثاني، فهو التصويب المباشر على “الحلف” الثنائي الفرنسي ـ الإيطالي الذي تمّ في تموز الماضي بين ماكرون ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، والهادف إلى إنشاء قوة مشتركة تحلّ مكان “اليونيفيل” في الجنوب.
والهدف الثالث هو ترتيب وضع أمني وسياسي ومالي واقتصادي يفرض على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الصديقة والشقيقة وضع لبنان أمام خيارين: إما الرضوخ للترتيبات الأمنية التي تفرضها الولايات المتحدة بالتنسيق والتفاهم مع “إسرائيل” في الجنوب، بحيث يكون الجيش اللبناني حاضراً داخل “غرفة القيادة الأميركية ـ الإسرائيلية ـ اللبنانية المشتركة”، وإما، في حال الرفض وعدم الامتثال، التنصّل من كل الضمانات والالتزامات الأميركية، مع احتمال إفساح المجال أمام تل أبيب لشنّ هجوم واسع يضع لبنان أمام خيارات مصيرية صعبة، وتحولات ديموغرافية وجيوسياسية خطيرة.
ويختصر دبلوماسي أوروبي المشهد بنظرة تشاؤمية، فيقول: “لم يعد العلم اللبناني مشظّى أميركياً ـ إسرائيلياً، بل العلم الفرنسي أيضاً، الذي يتقدّم المظاهرات والاضطرابات”!


