تنعقد اليوم في مقر القيادة المركزية الأميركية مدينة تامبا بولاية فلوريدا، جولة جديدة من المفاوضات العسكرية المباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي برعاية أميركية، وسط أجواء لا توحي بإمكان تحقيق اختراق جدي في مسار تنفيذ “اتفاق الإطار”، ولا سيما أن الجولة تأتي قبل نحو أسبوع من الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعودة المسيّرات إلى أجواء بيروت والضاحية الجنوبية، فيما تتواصل الغارات وأعمال التجريف في مناطق جنوب لبنان.
وترى مصادر رسمية، أن هذه الجولة تشكّل فرصة جديدة أمام لبنان لتأكيد ثوابت موقفه، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والتعجيل في تنفيذ مندرجات “اتفاق الإطار”، والعودة إلى مسار “المناطق التجريبية” وتوسيع نطاق المناطق المشمولة به، بعيداً من المماطلة التي تعوق تقدّمه.
لكن هذه المصادر لا تبدي تفاؤلاً حيال نتائج الاجتماع، إذ ترى أن واشنطن هي التي دفعت نحو انعقاده، في محاولة لإبقاء مسار المفاوضات قائماً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر الظروف اللازمة لتحقيق نتائج عملية. ووصف مسؤول رفيع الجولة بأنها تأتي في “الوقت الميت”، معتبراً أن “إسرائيل”، التي لم تقدّم للبنان أي خطوات ملموسة منذ توقيع “اتفاق الإطار”، لا يُتوقع أن تغيّر موقفها في الأيام الفاصلة عن الانتخابات الإسرائيلية، ولا في المرحلة التي تليها، في ظل إصرارها على مواصلة عملياتها العسكرية وعدم الانسحاب من منطقة جنوب الليطاني، وهو ما جدّد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده في تصريحاته الأخيرة.
وتزداد صعوبة التوصل إلى تفاهمات في ظل تباعد المواقف بين الجانبين، وغياب ضغوط أميركية فاعلة على “إسرائيل” لدفعها إلى تنفيذ التزامات واضحة. ووفق معلومات ديبلوماسية، سيعيد الوفد الإسرائيلي طرح شكوكه في قدرة الجيش اللبناني ورغبته في نزع سلاح “حزب الله”، مطالباً بدعم أميركي لترجمة هذه المطالب إلى خطوات ميدانية ملموسة.
كما تسعى “إسرائيل”، بحسب المعلومات نفسها، إلى انتزاع موافقة لبنانية على إقامة تنسيق مباشر مع الجيش اللبناني، من دون وسيط، لمعالجة المشكلات الميدانية. غير أن هذا الطرح يصطدم بتحفظات لبنانية، في ظل تمسك بيروت بمرجعية الترتيبات المتفق عليها، ورفضها تجاوز الأطر التي تنظّم المفاوضات وآليات تنفيذ الاتفاق.
في المقابل، تتركز التوجيهات اللبنانية على تثبيت وقف الغارات الجوية وأعمال التجريف في القرى الحدودية، وتحديد المواقع التي يمكن للجيش اللبناني تسلّم مسؤوليتها في المرحلة المقبلة، والحصول على التزامات واضحة بشأن الانسحاب الإسرائيلي ومراحله.
وتشمل المقترحات اللبنانية اعتماد إجراءات متزامنة للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، وتوثيق المواقع التي يتسلّمها الجيش، ووضع آلية واضحة لمعالجة الخروقات الأمنية، بما يمنع استئناف الغارات على المناطق التي تستكمل فيها المؤسسات الرسمية انتشارها.
وفي حين تركز واشنطن على ضمان انتشار الجيش اللبناني ومنع عودة “حزب الله” إلى المواقع التي تتسلّمها الدولة، لم تتبلور، حتى الآن، آلية تنفيذية وجدول زمني واضحان، أو صيغة للتحقق تحظى بقبول الأطراف المعنية. ويتمسك لبنان بأن يكون الجيش الجهة الوحيدة المسؤولة عن التحقق الأمني وتنفيذ الإجراءات المتعلقة بالسلاح، مع استمرار التنسيق الأميركي لمعالجة الاعتراضات الإسرائيلية، ولا سيما في المناطق التي تتطلب عمليات تفتيش وإزالة معدات عسكرية.
وعليه، تبدو جولة تامبا أقرب إلى محاولة إبقاء باب التفاوض مفتوحاً منها إلى محطة يُنتظر أن تنتج اتفاقات عملية. فالفجوة لا تقتصر على المواقف السياسية، بل تشمل أيضاً ترتيب الخطوات الميدانية، وتحديد المسؤوليات، وضمان التزامن بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، فضلاً عن الجهة المخوّلة التحقق من التنفيذ.
وبينما تراهن واشنطن على استمرار المسار التفاوضي، يتمسك لبنان بأن يكون أي تقدم مرتبطاً بخطوات ملموسة تنهي الاعتداءات وتفتح الطريق أمام استعادة الدولة مسؤولياتها على كامل أراضيها. أما في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية وغياب ضمانات التنفيذ، فتبقى نتائج الجولة محدودة الاحتمالات، ويظل السؤال الأساسي متعلقاً بمدى استعداد “إسرائيل” للانتقال من التفاوض إلى الالتزام الفعلي بما يُتفق عليه.


