يتسبّب سرطان الرئة في وفاة أمريكيين أكثر من أي نوع آخر من السرطان، إذ يحصد أرواحًا تفوق تلك التي يحصدها سرطان البروستاتا وسرطان القولون مجتمعَين، وتقارب ثلاثة أضعاف الوفيات الناجمة عن سرطان الثدي.
ومع أنّ الشرائط الوردية باتت مشهدًا مألوفًا للتوعية بسرطان الثدي، وأنّ 4 من كل 5 نساء يخضعن لفحوص تصوير الثدي الشعاعي في المواعيد الموصى بها، فإنّ الإقبال على فحوص الكشف المبكر عن سرطان الرئة لا يزال أقل بكثير. وغالبًا ما يُنظر إلى هذا المرض على أنه يصيب المدخنين الشرهين بالدرجة الأولى، لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
تُتيح التقنيات الحديثة فرصًا جديدة للكشف عن سرطان الرئة في مراحله المبكرة، فيكون علاجه أسهل. لكن الإرشادات الرسمية للفحص التي تؤدي دورًا أساسيًا في تحديد ما إذا كان التأمين سيغطي تكلفته، غالبًا ما تعجز عن تحديد الأشخاص المعرضين للخطر بدقة. وأكثر من ذلك، 20% فقط من الأشخاص المؤهلين لإجراء الفحص يخضعون له بالفعل. ومردّ هذا التقصير إلى استمرار انتشار مفاهيم مغلوطة عن سرطان الرئة.
الخرافة 1: سرطان الرئة يُصيب المدخنين فقط
تظهر نحو ربع حالات سرطان الرئة لدى أشخاص لم يسبق لهم التدخين، ويُعرَّفون بأنهم من دخّنوا أقل من 100 سيجارة طوال حياتهم. ويشيع سرطان الرئة لدى غير المدخنين بين النساء أكثر من الرجال، لا سيّما النساء من أصول شرق آسيوية أو جنوب آسيوية. ووجدت إحدى الدراسات أنّ 83% من النساء المصابات بسرطان الرئة في جنوب آسيا لم يسبق لهن التدخين.
الخرافة 2: المدخنون وحدهم في دائرة الخطر
تبحث دراسة “INSPIRE”، التي أطلقها الدكتور تشي-فو جيفري يانغ، جرّاح الصدر في معهد ماس جنرال بريغهام للسرطان، بالتعاون مع طالبَي الطب أليكس بوتر وديبتي سرينيفاسان، في إمكانية إجراء فحوص الكشف المبكر عن سرطان الرئة للمرضى ذوي البشرة السوداء الذين سبق لهم التدخين، حتى إن لم يستوفوا معيار التدخين لمدة 20 سنة بعلبة سجائر يوميًا.
ويواجه هؤلاء المرضى خطرًا أكبر، إذ تقل احتمالات خضوعهم لفحوص الكشف المبكر عن سرطان الرئة، رغم ارتفاع احتمال وفاتهم جراء المرض. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى ميلهم إلى التدخين بكميات قليلة أو بصورة متقطعة، ما يعني أنهم لا يدخنون بالقدر “الكافي” لاستيفاء شروط الفحص.
وخلال المرحلة الأولى من دراسة “INSPIRE”، اكتُشفت حالات عدة من سرطان الرئة لدى مشاركين لا يستوفون معايير الأهلية الحالية للفحص.
وعمومًا، تبيّن أن أكثر من نصف حالات سرطان الرئة تُشخَّص لدى أشخاص لا يستوفون شروط الخضوع لفحوص الكشف المبكر. ولا يُكتشف المرض لدى هؤلاء إلا بعد ظهور الأعراض، أو مصادفةً أثناء خضوعهم للتصوير المقطعي المحوسب لسبب آخر، مثل إصابة في أحد الأضلاع أو إجراء فحص للقلب.
وقال يانغ إن خطر الإصابة بسرطان الرئة يتأثر بعوامل بيئية، مثل تلوث الهواء وغاز الرادون، وبعوامل وراثية، فضلًا عن التدخين. لكنه يرى أن معيار التدخين لمدة 20 سنة بعلبة سجائر يوميًا يستثني كثيرًا من الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، مضيفًا: “أعتقد أن عدد السنوات التي دخّن فيها الشخص أهم من كثافة التدخين”.
خرافة 3: تستند جميع إرشادات الفحص إلى أحدث الأبحاث
يُجرى فحص سرطان الرئة بالتصوير المقطعي المحوسب بجرعة منخفضة من الإشعاع، لكن التوصيات توصي به فقط للفئات الأكثر عرضة للخطر، نظرًا إلى تكلفته واحتمال أن يؤدي إلى إجراءات طبية غير ضرورية.
وترى الدكتورة جيسيكا دونينغتون، المتخصصة في جراحة الصدر، أن المعايير الحالية لم تعد مواكبة للأبحاث الحديثة، قائلةً: “المعايير محدودة للغاية”.
وحتى العام 2022، كانت الإرشادات توصي بالفحص للأشخاص بين 50 و80 عامًا ممن لديهم تاريخ طويل من التدخين، وما زالوا يدخنون أو أقلعوا عنه منذ أقل من 15 عامًا. ثم توسّعت التوصيات كي تشمل فئات أوسع من المدخنين الحاليين والسابقين، ضمنًا من أقلعوا عن التدخين قبل أكثر من 15 عامًا.
لكن الجهة الأمريكية الرئيسية المعنية بالتوصيات الوقائية لم تقيّم الأدلة العلمية الجديدة منذ العام 2021، رغم أن الإرشادات تُراجع عادةً كل خمس سنوات، وكان متوقعًا تحديثها هذا العام. ولم يُعلن عن أي مراجعة حتى الآن، فيما يعود آخر تقييم للأدلة إلى مارس/آذار 2025.
خرافة 4: الفحص لا ينقذ الأرواح
أظهرت الدراسات الأولى في التسعينيات ومطلع الألفية أن التصوير المقطعي المحوسب بجرعة منخفضة يكشف عن سرطان الرئة في مراحل مبكرة أكثر من التصوير التقليدي أو الأشعة السينية، لكنه لم يخفّض معدلات الوفيات بشكل ملحوظ، ما أثار شكوكًا بشأن جدوى الفحص مقارنة بمخاطره.
لكن دراسة نُشرت عام 2011، شملت أكثر من 50 ألف مريض أظهرت أن الفحص يخفض معدلات الوفيات بنسبة 20%، ما عزّز التوصية باستخدامه على نطاق أوسع.
خرافة 5: سرطان الرئة يصيب كبار السن فقط
نحو مريض واحد من كل عشرة يُشخّصون حديثًا بسرطان الرئة يقل عمره عن 55 عامًا. وتُشكّل النساء 52% من الحالات الجديدة بين من تقل أعمارهم عن 40 عامًا، وترتفع نسبتهنّ أكثر بين من لم يدخّنوا قط.
وغالبًا ما يُكتشف المرض لدى الأصغر سنًا في مراحل متقدّمة، إذ لا يراجع كثيرون الأطباء إلا بعد ظهور أعراض، مثل نوبات الصرع أو آلام الأضلاع.
وتصل نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة 20 عامًا إلى 80% عند اكتشاف سرطان الرئة مبكرًا، مقابل 8% فقط للبقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات عند تشخيصه في مرحلة متأخرة.
خرافة 6: تبدأ الأعراض بالسعال
صحيح أنّ السعال المستمر من الأعراض الشائعة لسرطان الرئة، وكذلك ضيق التنفس، وألم الصدر، وفقدان الوزن غير المبرر، والإرهاق المستمر وسعال الدم. لكن الالتهاب الشديد أو الأعراض العصبية قد تكون أيضًا من العلامات المبكرة للمرض، لا سيما لدى البالغين الأصغر سنًا.
خرافة 7: لا يمكن التنبؤ بسرطان الرئة
يرى يانغ أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تتفوّق على الإرشادات المعتمدة في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بسرطان الرئة. ومن بينها أداة “سيبيل”، التي تحلّل صورة واحدة للتصوير المقطعي المحوسب لتقدير خطر الإصابة خلال السنوات الست التالية. وفي العام 2023، بلغت دقتها بين 86% و94% في تحديد مستوى الخطر خلال عام.
وتوضح الدكتورة ليتشيا سيكويست أن الكشف المبكر يهدف إلى رصد الأورام عندما تكون صغيرة، لكن اكتشافها بالتصوير يظل مرتبطًا بمرحلة ظهورها في الصور.
وتتميز “سيبيل” بأنها برنامج مفتوح المصدر، يُستخدم في الأبحاث بأكثر من 30 دولة. ويستعد يانغ وسيكويست لدراسة إمكان استخدامه لتحديد مستوى الخطر لدى أشخاص خضعوا للتصوير لأسباب أخرى، ثم تكثيف الفحوص لدى الأكثر عرضة للإصابة.


