| جوزيف القصيفي | (نقيب محرري الصحافة اللبنانية)
ارتدت زيارة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى لبنان في السابع والثامن من هذا الشهر أهمية كبيرة. وهي تُقرأ بالتوازي مع الإعلان عن حزمة مساعدات بقيمة 505 ملايين دولار للدولة اللبنانية. وتشير المعلومات، إلى وجود اتصالات حثيثة في ما بين دول الاتحاد، والدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، لتشكيل قوّة أوروبية ذات صلاحيات ومهمّات تحدّدها الدولة اللبنانية، لدعم القوات المسلّحة، بغرض بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، لا يزال البحث جارياً في أروقة الأمم المتحدة، للبحث عن إطار ما لقوّة بديلة من “اليونيفيل”، من دون أن تتضح النتائج حتى الساعة.
لكن إلى جانب المساعي المبذولة من أجل إيجاد حل للفراغ الذي يخلفه رحيل قوّة “اليونيفيل”، هناك عمل داخلي مواكب، يتركّز على بناء قاعدة توافق وطني، حول البديل ومدى التزام الأفرقاء بالصيغة التي يتمّ التوصُّل إليها. بيد أنّ هذه الصيغة لا تزال قيد التداول، وسيكون للجيش اللبناني رأي فيها، لأنّه سيتعيَّن عليه أن يضطلع بدور كبير ورئيس في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في الجنوب.
وتجزم مصادر ديبلوماسية أوروبية، أنّ الفصل السابع ليس من الخيارات المتاحة حالياً، وأنّ الحديث عن قوّة أممية أو اوروبية تُشكّل تحت هذا الفصل، هو مجرّد تكهّنات واستنتاجات أو تمنّيات. لكن ذلك لا يعني أنّ مثل هذه الصيغة لن تُطرَح خلال المداولات بين الجهات المعنية. على أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تعارض التمديد لـ”اليونيفيل”، وهي لن تقبل به في أي حال من الأحوال، وإذا قبلت فضمن شروط قد لا تلائم مصلحة لبنان، وتتسبَّب في خلافات داخلية أكثر حدّة ممّا هي عليه الخلافات القائمة حالياً بين الأطراف السياسية.
ويقول ديبلوماسي لبناني سابق، مّثل بلاده طويلاً في عدد من الدول الأوروبية برتب مختلفة، إنّ أوروبا هي الأكثر قرباً للبنان وفهماً لقضاياه، ولا سيما فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، وتعرف التحدّيات التي تواجهه، نظراً لعلاقاتها الممتدة معه منذ قرون. وتوقف هذا الديبلوماسي عند حضور باريس في المشهد السياسي، الاقتصادي، الثقافي والاجتماعي والعسكري منذ مئات السنين، وخصوصاً منذ إعلان دولة لبنان الكبير في العام 1920 إلى اليوم. لكنّ القدرة على التأثير المباشر قد تقلّصت، بسبب تبدُّل موازين القوى الدولية، وبات العالم يستظل أحادية القطب، بعد انهيار جدار برلين وسقوط الإتحاد السوفياتي.
وفي المعلومات، أنّ الإتحاد الأوروبي يخشى مرحلة ما بعد انسحاب “اليونيفيل” من الجنوب، لأنّ هذه القوّة تمثل العين الأمنية في هذه المنطقة الاستراتيجية من لبنان، بل على الساحل المتوسطي، والتي لا يمكن التسليم بأن تكون بين فكَّي كماشة الدولة العبرية و”حزب الله”، في حين تسجِّل الدولة اللبنانية عجزها عن بَتّ هذا الموضوع، في ضوء رفض “إسرائيل” تطبيق القرار الدولي 1701، وعدم تمكّن الدولة حتى الآن من حسم بند حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية الممثلة بالجيش، كما نصّ عليه قرار مجلس الوزراء.
من هنا، فإنّ الجهود ستتكثف مع واشنطن للقبول بقوّة أوروبية تحل محل “اليونيفيل”، إذا تعذّر تليين موقفها من موضوع التمديد لها قبل انصرام هذا العام. وإذا تمّ القبول بهذه القوّة، ثمة عمل ستقوم به دول أوروبية لها صلات جيدة مع تل أبيب، لحملها على الموافقة على هذه القوّة، وإسقاط الفيتو الذي تضعه على فرنسا وإسبانيا. فـ”إسرائيل” التي ترفض أي دور لهاتَين الدولتَين بسبب موقفَيهما من حرب الإبادة التي شنّتها في غزة، والحرب الظالمة على لبنان وما خلّفته من كوارث إنسانية وأضرار مادية جسيمة، تريد أن يبقى الجنوب قفراً خالياً من أي وجود بشري ومعالم حضرية، في إطار خطتها الرامية إلى تحويل حدودها مع دول الطوق إلى زنّار من ركام ونار بغرض حمايتها.
خلال الشهرَين المقبلَين، سيشهد الوضع اللبنانيّ مخاضاً مفتوحاً على كل الاحتمالات. فهل يأتي الترياق أوروبياً هذه المرّة؟ سؤال يبقى الجواب عليه سؤالاً.


