الرئيسيةSlider"شهد الخليج".. وهيجان الدبابير حول القفير!

“شهد الخليج”.. وهيجان الدبابير حول القفير!

| جورج علم |

وصلت رسائل “غير مطمئنة” من واشنطن إلى أنقرة حول تطورات الأوضاع في الخليج، فبادر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى الإعلان عن أن بلاده “لن ترسل قوات عسكرية لضرب الحوثيين في اليمن”، مؤكداً أن أنقرة لن ترسل قواتها إلى أراضي بلد آخر لشنّ هجوم.

وأوضح، بشأن “اتفاقية الدفاع المشترك” الثلاثية، أنها “اتفاقية دفاعية إذا تعرّض بلد موقّع عليها لهجوم، فسوف نسانده لتأمين دفاعه، وليست اتفاقية هجومية”.

وعطّل هذا الموقف لغة الكلام حول أهمية البعد الأمني والعسكري الاستراتيجي لـ”اتفاقية مكة”، الموقّعة في آب الماضي بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، حول “الدفاع المشترك”.

ولم يفاجئ الموقف التركي الولايات المتحدة، بل كان متوقعاً بعدما خيّرت إدارة الرئيس دونالد ترامب الرئيس رجب طيب أردوغان بين الاستجابة لنتائج القمة الأميركية ـ التركية التي عُقدت في إسطنبول على هامش قمة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبين الانزلاق نحو محاور جديدة.

كان واضحاً أن إدارة ترامب عارضت، منذ البداية، “الحلف الثلاثي” التركي والسعودي والباكستاني، لاعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية وعسكرية عدة. وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” بصريح العبارة إن ترامب لا يريد للآخرين ما يريده في منطقة الشرق الأوسط والخليج، ولا يريد شريكاً أو منافساً لاستراتيجيته المرسومة.

واختار أردوغان أهون الشرّين. يريد أن يأكل عنباً، لا أن يقتل الناطور. يريد دوراً حيوياً مرناً في الشرق الأوسط، بعيداً عن المواجهة والاستقطاب. يريد أن يرتاح في شمال سوريا من الإزعاج الكردي، وألا يغلق الباب مع “إسرائيل”، رغم العلاقة المتوترة، وأن ينقذ الاتفاقيات البالغة الأهمية التي وقّعها مع نظيره الأميركي. إنها تشكّل رافعة للاقتصاد التركي، ومساراً حيوياً مختلفاً في المنطقة.

هناك 50 مليار دولار مجموع عائدات الصفقات والاتفاقيات التجارية والاقتصادية الموقّعة بين أنقرة وواشنطن. وهناك صفقة طائرات “بوينغ” التي تزيد قيمتها على 10 مليارات دولار، واتفاقيات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، واتفاقية عسكرية تشمل مقاتلات “أف ـ 16” و”أف ـ 35″، مقابل التخلّي عن منظومة صواريخ “أس 400” الروسية.

أما في الشأن السوري، فكان هناك تفاهم حول “تخفيف العقوبات، وتحديد مناطق خفض التصعيد، ومكافحة التنظيمات المسلحة”.

وحول موقع تركيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، كان هناك تفاهم بين الرئيسين التركي والأميركي على “تعزيز دور أنقرة في التعاون ضمن الحلف، وضبط التباينات في وجهات النظر بخصوص العلاقة مع روسيا والملف الإيراني”.

أمام هذه المكاسب والطموحات، اختار أردوغان “طريق النحل التي تجني رحيقاً وتدرّ عسلاً”، بديلاً عن المسار الذي تخترقه “دبابير” كثيرة، والمفخّخ بعلامات استفهام مريبة، والمؤدي إلى مجاهل غامضة تفتقر إلى الوضوح، من بينها حقيقة الموقف الأميركي من السعودية و”الحوثيين”، وباب المندب، وحركة الناقلات في البحر الأحمر التي يستفيد منها الاقتصاد الصيني على نطاق واسع.

ولا يمكن التنبؤ بمستقبل العلاقات السعودية ـ الأميركية في حال ارتفعت درجة الحماوة في الخليج، ولا حتى بمواصفات “اليوم التالي” إذا تعثّرت المفاوضات مع إيران ولم تنتج “صفقة مريحة” للجميع. هل تتدخل واشنطن وتشارك في الحرب على “الحوثيين”، أم تبقى مستقرة في “المنطقة الرمادية”؟

البدايات لم تكن مشجّعة. ولم يستجب ترامب لطلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قصف مواقع “الحوثيين” حول باب المندب، على الرغم من أن الطلب تكرّر مرات عدة. وتعود الأسباب إلى الإصرار السعودي على رفض الاستراتيجية الأميركية ـ الإسرائيلية الهادفة إلى “التطبيع، والانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، والتخلّي عن مطلب الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين”.

وبات من الواضح أن ترامب وبنيامين نتنياهو يحاولان “ضرب الحديد وهو حامٍ” على أبواب انتخاباتهما التشريعية والنصفية. ويوجّهان “رسائل مشفّرة” إلى الرياض وبعض عواصم دول الخليج، ويمارسان ضغوطاً لحمل بن سلمان على تليين موقفه، والانسجام مع الحملات الدبلوماسية الهادفة إلى “التطبيع”، وحتمية دخوله من الباب الواسع.

ومع سقوط مدماك أساسي من جدار “اتفاق مكة”، وامتناع أنقرة عن الذهاب عسكرياً إلى اليمن دفاعاً عن الرياض وحاضناتها المدنية وبناها التحتية المهمة، تتغيّر الحسابات، وينهار القديم منها بشكل دراماتيكي، لينكشف الجديد المؤدي إلى ثلاثة خيارات:

الأول: ممارسة ما يكفي من الضغط لوقف الحرب الأميركية ـ الإيرانية، لأن الخليج يدفع فاتورتها الباهظة. وما يجري حول باب المندب يشكّل حافزاً لدول الخليج لممارسة مزيد من الضغوط على إدارة الرئيس ترامب لوقف هذا النزف المميت.

الثاني: الحوار والعودة إلى “خريطة الطريق”، والعمل على تنفيذ الترتيبات الأممية التي ينصّ عليها قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2216، وتشكيل حكومة “وحدة وطنية” تتولّى مسؤولية الإعداد لحوار سياسي يحدّد الخطوات الهادفة إلى حل شامل.

الثالث: تحقيق مصالحة فعلية بين دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً بين السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بعد النزاع غير المسبوق الذي اندلع في أواخر كانون الأول 2025 على خلفية تباين الأجندات حول مستقبل اليمن، ما أدى إلى تصعيد ميداني وسياسي، وإعلان أبوظبي سحب ما تبقّى من قواتها في اليمن.

إن تحقيق هذه المصالحة، التي لا بدّ منها، يشكّل الأساس والقاعدة لقيام تحرّك خليجي فاعل ومؤثر على مستوى عواصم دول القرار شرقاً وغرباً، لوقف منهجية التدمير التي تستهدف الحجر والبشر والطاقات والإمكانات، وحثّ المجتمع الدولي على الانخراط في ورشة عمل جدية تنهي الصراع، عن طريق التوصّل إلى “صفقة شاملة عادلة ومقبولة من كل الأطراف المعنية أو المتورطة”.

تقول صحيفة “ذي إيكونوميست” في إحدى مقالاتها: “الخليجيون يملكون، إن وحّدوا صفوفهم وأحسنوا التدبير، سلاحاً يكاد يوازي مفعوله على المستوى الاقتصادي السلاح النووي. إنه النفط!”

شريط الأحداث