تعمد الحكومة الحالية إلى الاستمرار بالصيغة القديمة للسلطات المتعاقبة على لبنان، التي تموّل موازناتها من جيوب اللبنانيين بشكل مباشر.
في مشروع موازنة 2027، تأتي 78.5% من الإيرادات الضريبية من الضرائب غير المباشرة، أي من الاستهلاك والاستيراد والمعاملات، مقابل 21.5% فقط من الضرائب المباشرة على الدخل والأرباح والأملاك. وبمعنى أبسط: كلما استهلك اللبناني أكثر، دفَع إلى الخزينة أكثر.
المشكلة ليست في مبدأ فرض الضرائب بحد ذاته، بل في شكل النظام الضريبي وفي توقيت تحميل الناس المزيد من الأعباء. ففي بلد لم تستقر فيه بعد كلفة المعيشة، ولم تُعالج فيه الأجور بما يتناسب مع الأسعار، يأتي مشروع الموازنة ليعمّق الاعتماد على الضريبة التي تصل إلى الجميع تقريباً بالطريقة الأسهل: عند شراء سلعة، أو تعبئة خزان السيارة، أو دفع فاتورة أو الحصول على خدمة، وإن كان الراتب يلامس الحد الأدنى، أو الأرباح تراكمها في خزنتك، فأنت ستدفع المبلغ ذاته ثمن أي قطعة استهلاكية.
الأرقام أكثر دلالة. ترتفع الإيرادات الضريبية في مشروع موازنة 2027 من نحو 4.94 مليارات دولار إلى 5.94 مليارات، أي بزيادة تقارب مليار دولار أو 20.2%.
أكثر من نصف هذه الزيادة، تحديداً 552.4 مليون دولار، يأتي من بندين مرتبطين مباشرة بالاستهلاك: 327.9 مليون دولار من زيادة إيرادات رسوم المحروقات والمواد القابلة للاشتعال، و224.5 مليون دولار من ضريبة القيمة المضافة. أي أن 55.2% من الزيادة الضريبية المتوقعة ستأتي من هذين المصدرين وحدهما.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تتعامل الدولة مع ارتفاع الأسعار بوصفه مشكلة اقتصادية واجتماعية تحتاج إلى سياسة متكاملة، أم بوصفه أيضاً فرصة لزيادة الإيرادات؟
الضريبة على الاستهلاك لا تأتي في فراغ. عندما ترتفع الضريبة على سلعة أو خدمة، فإن أثرها لا يتوقف عند الصندوق. يدخل في كلفة النقل، والتوزيع، والإنتاج، والخدمات، ثم يجد طريقه في النهاية إلى السعر الذي يدفعه المستهلك. وفي اقتصاد يعتمد إلى حدّ كبير على الاستيراد ويعاني أصلاً من ارتفاع كلفة التشغيل، يمكن لأي زيادة في كلفة أحد المدخلات أن تتحول إلى سلسلة من الزيادات المتتالية.
بحسب الإدارة المركزية للإحصاء، ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك في آب 2026 بنسبة 16.66% على أساس سنوي، وبنسبة 1.40% خلال شهر واحد.
لكن المتوسط العام لا يعكس وحده ما يشعر به اللبناني في حياته اليومية. فقد ارتفعت أسعار النقل بنسبة 31.72%، والمياه والكهرباء والغاز والمحروقات بنسبة 32.06%، والغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 11.65%.
أي أن البنود التي لا يستطيع المواطن ببساطة الاستغناء عنها هي من بين البنود التي تسجل ارتفاعات كبيرة. لا يستطيع العامل أن يلغي كلفة انتقاله إلى عمله، ولا الأسرة أن تتوقف عن شراء الطعام، ولا المؤسسة أن تتجاهل كلفة الطاقة والنقل. ولذلك، فإن ارتفاع الضرائب على الاستهلاك في هذا الظرف لا يعني فقط أن المواطن سيدفع ضريبة إضافية، بل يعني أن الضريبة نفسها يمكن أن تدخل في دورة جديدة من ارتفاع الأسعار.
من يتحمل الضريبة فعلياً؟
نظرياً، قد تبدو الضريبة مفروضة على المؤسسة أو المستورد أو التاجر. عملياً، يستطيع صاحب العمل أو التاجر، بحسب طبيعة السوق وقدرته على التسعير، أن ينقل جزءاً كبيراً من الزيادة إلى المستهلك. وفي هذه الحالة، لا تصبح الضريبة كلفة نهائية على من يدفعها قانوناً، بل كلفة تنتقل عبر سلسلة الأسعار حتى تستقر عند المستهلك.
رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس لخّص هذا المنطق بصراحة عندما قال: “كيف تفرض الدولة علينا ضرائب ثم تطالبنا بعدم رفع الأسعار؟”، مستعيناً بالمثل الشعبي: “ما تناموا بين القبور ما بتشوفوا منامات وحشة”. وفي كلامه اعتراف واضح بأن فرض كلفة إضافية على المؤسسات لا يعني بالضرورة اقتطاعها من الأرباح، بل يمكن أن تنتقل إلى الأسعار.
وهنا تحديداً يصبح الحديث عن “هوامش الربح” أساسياً، لأن السؤال لا يجب أن يكون فقط: كم ارتفعت كلفة المؤسسة؟ بل أيضاً: كم من هذه الزيادة انتقل إلى السعر؟ وكم منها تحمّله هامش الربح؟ وهل تختلف النسبة بين قطاع وآخر؟ وهل توجد أسواق تنافسية بما يكفي لمنع تحميل المستهلك كل زيادة في الكلفة؟
هذه الأسئلة هي التي تغيب غالباً عن النقاش العام. إذ يجري التعامل مع السعر النهائي كأنه نتيجة حتمية لكل ارتفاع في الكلفة، فيما لا يُفتح بالقدر نفسه نقاش حول بنية السوق، ومستويات المنافسة، وهوامش الربح، والتخزين، والاحتكار أو التركز في بعض القطاعات.
تكشف موازنة 2027 مفارقة إضافية. فبينما ترتفع حصة ضرائب الاستهلاك إلى 78.5% من الإيرادات الضريبية، ترتفع الإيرادات المتوقعة من الضرائب على الرواتب والأجور بنسبة 66%، مقابل ارتفاع الضرائب على الأرباح بنسبة 22%. وفي المقابل، تتراجع حصة ضرائب الثروة من 9.2% إلى 7.3% من الإيرادات الضريبية.
أي أن العبء لا يتحرك فقط باتجاه المستهلك، بل يطال أيضاً الأجر نفسه.
وهنا يصبح ملف الحد الأدنى للأجور جزءاً لا يمكن فصله عن النقاش الضريبي. فإذا كان العامل يدفع ضريبة عند الاستهلاك، ويدفع ارتفاع كلفة النقل والطاقة والغذاء، ثم يجد أن دخله لا يتحرك بالسرعة نفسها، تصبح المسألة في جوهرها مسألة توزيع للخسائر: من يتحمل ارتفاع الكلفة، ومن يستطيع نقلها إلى غيره؟
في ملف بدل النقل، جرى أخيراً التوصل إلى آلية تربطه بسعر البنزين، بحيث يُحتسب بدل يعادل كلفة خمسة ليترات من البنزين عن كل يوم عمل، على أن يكون له سقف بين 500 و800 ألف ليرة شهرياً.
قد يبدو ذلك معالجة مباشرة لمشكلة كلفة انتقال العامل، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التشوه الذي أصاب مفهوم الأجر. فبدل أن يكون الأجر انعكاساً لكلفة المعيشة والعمل، يجري تفكيكه إلى راتب وبدل نقل وتعويضات ومساعدات، كل منها يعالج مشكلة منفصلة من دون معالجة أصل المشكلة: هل يكفي الأجر نفسه لتأمين حياة العامل؟
وزيادة بدل النقل لا تعني زيادة في الأجر. بل تعني، في جزء منها، الاعتراف بأن الأجر لم يعد قادراً على تحمّل كلفة الوصول إلى مكان العمل.
هذه ليست أسئلة تفصيلية. هي جوهر وظيفة لجنة المؤشر.
أين سياسة كلفة المعيشة؟
المشكلة الأوسع أن هذه الملفات ما زالت تُعامل كأنها جزر منفصلة، والحكومة لم تغير شيئاً في كل السياسات التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه، بل على العكس تفوّقت على ساباقتها بالقرارات المنفصلة عن الواقع، والتي تصب حصراً في مصلحة أصحاب رؤوس الأموال.
وزارة المالية تبحث عن الإيرادات. وزارة الاقتصاد تراقب الأسعار. وزارة العمل تناقش الأجور وبدل النقل. والجهات الاقتصادية تدافع عن كلفة المؤسسات وهوامشها. والاتحاد العمالي يطالب بتصحيح الأجور. فيما المواطن يقف في نهاية هذه السلسلة ويدفع النتيجة كاملة.
لكن لا يبدو أن هناك سياسة حكومية واحدة تقول بوضوح: ما هي كلفة المعيشة التي تعتبرها الدولة مقبولة؟ وما مستوى الأجر الذي يجب أن يوازيها؟ وما الضرائب التي يمكن فرضها من دون زيادة الضغط على الأسر؟ وما السلع التي يجب حمايتها؟ وما القطاعات التي تحتاج إلى منافسة أكبر؟ وكيف يمكن منع ارتفاع الكلفة من التحول تلقائياً إلى ارتفاع في الأسعار؟
حتى خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أمام مجلس النواب، عندما تحدث عن ارتفاع أسعار السلع والحاجات الأساسية والتضخم وكلفة المولدات، لم يتحول إلى سياسة حكومية متكاملة تجمع هذه الملفات في مسار واحد.
يعرف المواطن أن الأسعار ارتفعت. وتعرف الحكومة ذلك أيضاً. لكن السؤال الذي لم يحصل بعد على إجابة واضحة هو: ماذا ستفعل الحكومة حيال ذلك؟


