قد تبدأ الحكاية برسالة لا تثير أي شك، رابط لمجموعة جديدة، طلب مساعدة عاجل، أو حتى رسالة من صديق يقول إنّه أرسل إليك رمزًا بالخطأ. ثوانٍ قليلة قد تكون كافية لتتحول الرسالة العادية إلى باب يدخل منه المحتال إلى حسابك، ثم إلى حسابات الأشخاص المحيطين بك.
في لبنان، عادت التحذيرات من عمليات الاستيلاء على حسابات “واتساب” إلى الواجهة، بعدما رصدت قوى الأمن الداخلي حالات احتيال تعتمد على أسلوب بات معروفًا السيطرة على حساب أحد الأشخاص، ثم استخدامه للوصول إلى دائرة معارفه واستدراجهم إلى الخطوة نفسها.
بحسب قوى الأمن الداخلي، يعمد “الهاكر” الى اختراق حساب “واتساب” ثم التواصل مع أصدقاء صاحب الحساب وأقاربه، طالبين منه ارسال بطاقة تُشترى عبر تطبيق “ويش موني”، فيما بعد تُرسل روابط تدعو إلى الانضمام إلى مجموعات، فيما يُطلب من الضحية لاحقًا إدخال أو مشاركة رمز التحقق الذي يصل إلى هاتفه، وأحياناً يتم توليد تسجيل صوتي مولداً بالذكاء الاصطناعي لضمان مصداقية المرسل في عملية الاحتيال.
وهنا تقع المشكلة الأساسية. فالرمز الذي يصل عبر الرسائل النصية ليس رمزًا عاديًا يمكن مشاركته مع الآخرين، بل هو جزء من عملية تسجيل حساب “واتساب”. ومنحه لشخص آخر قد يعني تسليمه المفتاح الذي يسمح بالاستيلاء على الحساب.
عملية الاحتيال لا تتوقف عند سرقة حساب واحد
فبمجرد السيطرة عليه، يتحول الحساب المخترق إلى وسيلة لاستهداف أشخاص آخرين. رسالة من “صديق” أو “قريب” تكون كافية أحيانًا لإسقاط الضحية في الفخ، خصوصًا إذا كان الطلب مستعجلًا أو جاء بصيغة مألوفة بين الطرفين.
وفي تشرين الثاني 2025، أعلنت قوى الأمن الداخلي توقيف شخصين على خلفية قضية استيلاء على رموز تحقق والسيطرة على حسابات “واتساب”، قبل انتحال أصحابها والتواصل مع معارفهم وطلب تحويل أموال منهم. وأشارت التحقيقات حينها إلى وجود مشغّل أساسي خارج لبنان.
وفي قضية أخرى أعلنت عنها القوى الأمنية في حزيران 2026، وقعت سيدة ضحية عملية احتيال بعدما ادعى شخص أنّه يعمل لدى شركة لتحويل الأموال، وطلب منها رموز تحقق بحجة معالجة مشكلة في حسابها. النتيجة كانت اختفاء 5 آلاف دولار من أموالها، قبل أن تتمكن القوى الأمنية من تتبع الأموال وتجميدها واستعادتها بالكامل.
وفي آب الماضي، روت الباحثة في مجال الاتصال السياسي الأستاذة وفاء أبو شقرا تجربة تعرضها للاستيلاء على حسابها. بدأت القصة برسالة من قريب لها في الاغتراب، قال لها إنّه ينشئ مجموعة للعائلة وأرسل إليها رابطًا للدخول إليها. بعد الضغط على الرابط، فقدت السيطرة على حسابها.
وبحسب روايتها، بقي الحساب تحت سيطرة المخترق لأكثر من 16 ساعة، وخلال هذه الفترة أرسل رسائل إلى عشرات الأشخاص الموجودين في قائمة معارفها طالبًا منهم المال. بعضهم شكّ بالأمر واتصل بها، فيما تجاوب آخرون مع الرسائل، ووصل الأمر إلى إرسال بعضهم بيانات بطاقات مصرفية اعتقادًا منهم أنّهم يساعدونها.
كما سبق أن طالت عمليات مماثلة إعلاميين وشخصيات معروفة في لبنان، بينهم الصحافي راغب جابر، بعدما استُخدم حسابه المخترق للتواصل مع أصدقائه ومعارفه وطلب أموال منهم.
هذه الحالات تكشف نقطة أساسية في طريقة عمل هذا النوع من الاحتيال: القرصان لا يحتاج بالضرورة إلى إقناع الضحية بأنّه شخص مجهول. في أحيان كثيرة، يدخل إليها من باب شخص تعرفه أصلًا.
وبخلاف الصورة الشائعة عن “الاختراق”، لا يعني الاستيلاء على حساب “واتساب” بالضرورة أنّ الهاتف نفسه تعرض للقرصنة.
جزء كبير من هذه العمليات يعتمد على ما يعرف بالهندسة الاجتماعية، أي دفع المستخدم نفسه إلى تنفيذ الخطوة التي يحتاجها المحتال. رابط يبدو عاديًا، رسالة من حساب معروف، أو طلب للحصول على رمز تحقق، قد تكون كل الأدوات المطلوبة.
ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، بات من الأسهل إنتاج رسائل أكثر إقناعًا وأقل إثارة للشك، فيما لم تعد الأخطاء اللغوية أو الأسلوب الغريب وحدهما كافيين لكشف الرسالة الاحتيالية.
لذلك، فإن أخطر ما في هذه العمليات ليس بالضرورة وجود ثغرة تقنية في التطبيق، بل استغلال الثقة بين الناس.
في تحذيرها، شددت قوى الأمن الداخلي على مجموعة من الإجراءات، أبرزها عدم إعطاء رمز التحقق لأي شخص، وعدم الضغط على روابط غير موثوقة تصل عبر “واتساب”، حتى لو جاءت من حساب معروف، قبل التأكد من صاحبها بطريقة أخرى.
أما في حال وصول طلب لتحويل أموال من شخص معروف، فالنصيحة الأكثر مباشرة هي الاتصال به هاتفيًا والتأكد منه، بدل الاكتفاء بالمحادثة على التطبيق.
وتوصي القوى الأمنية كذلك بتفعيل خاصية التحقق بخطوتين في “واتساب”، والتي تضيف طبقة حماية أخرى للحساب.
أما في حال الاستيلاء على الحساب، فالمطلوب التحرك سريعًا لتنبيه جهات الاتصال إلى الاختراق، والعمل على استعادة الحساب، وإبلاغ الجهات المختصة، خصوصًا إذا استُخدم الحساب لطلب الأموال أو ارتكاب عملية احتيال.
في عالم يعتمد فيه اللبنانيون على “واتساب” للعمل، والعائلة، والتحويلات المالية وحتى التواصل مع المؤسسات، لم يعد اختراق الحساب مجرد خسارة لمحادثات أو صور.


