| عماد مرمل |
كما كان متوقعاً، تخلّلت الجولة الأولى من الجلسة النيابية لمناقشة الحكومة، “اشتباكات” سياسية على خطوط التماس المجلسية، إنما من دون أن تخرج عن السيطرة، خصوصاً انّ الرئيس نبيه بري خبير وصاحب باع طويل في التعامل مع مثل هذه المواقف.
قبل أن تنطلق جلسة مناقشة الحكومة في مجلس النواب، أوحت كل المؤشرات والغيوم مسبقاً بأنّها لن تخلو من الصخب والتوتر، ربطاً بالاحتقان السياسي والشعبي المتفاقم خارج أسوار المجلس، وبالتالي لم يكن صعباً استشراف الطابع الصدامي والسجالي الذي ستتخذه المناقشة فوق الصفيح الداخلي الساخن، خصوصاً بين “حزب الله” وخصومه، وبين “التيار الوطني الحر” والحكومة.
وبهذا المعنى، بدا أنّ من وظائف الجلسة تنفيس الاحتقان تحت سقف المؤسسة التشريعية، حيث يظل في الإمكان ضبطه مهما ارتفعت حرارته، بدل أن ينفجر عشوائياً في الشارع وتتوزع أضراره في كل اتجاه.
وضمن هذا السياق، كان من الطبيعي أن تتحول الحكومة كيس ملاكمة، تأتيه اللكمات من جهات نيابية عدة، كانت تنتظر الفرصة المؤاتية لصبّ جام غضبها على سلام وتصفية الحسابات معه. وحتى المكونات الممثلة في مجلس الوزراء والمؤيّدة لقراراته وخياراته، مارست الضغط ايضاً على سلام، وإن يكن من نوع آخر، عندما دعته إلى ان يشمّر عن زنوده ويندفع أكثر في خياراته وينفّذ القرارات التي اتخذتها حكومته، ولا يكتفي بصدورها فقط.
أما معارضو الحكومة، سواء من داخلها او خارجها، فقد وجدوا الفرصة سانحة أمامهم للانقضاض عليها، و”بلّ” أيديهم بها، في اعتبار أنّ حلبة المناقشة هي رحبة، وقواعد الاشتباك المعتمدة فيها تسمح بتوسيع هامش المناورات الهجومية، وصولاً إلى توجيه ضربات سياسية تحت الحزام أحياناً، إذا اقتضت الحاجة او المصلحة.
وما يساعد معارضي الحكومة في تنفيذ عمليات الإنزال السياسي خلف خطوطها، مباشرة على الهواء، هو أنّ جسمها لبيس وخاصرتها رخوة، بفعل تواضع الإنجازات قياساً إلى حجم التحدّيات، وضعف الإنتاجية بالمقارنة مع متطلبات الناس، وليست ملفات الكهرباء والنزوح والتضخم والخدمات، سوى عينة من القصور او التقصير الحكومي الذي يسهّل على كثير من النواب محاسبتها وتوجيه السهام إليها.
من هنا، لن يكون مستغرباً او مفاجئاً أن تخرج الحكومة من يومي “المصارعة الحرّة” في المجلس النيابي مصابة بالرضوض ومثقلة بالكدمات، تحت وطأة الهجمات التي تعرّضت وستتعرّض لها من كل حدب وصوب.
وإذا كان تحديد موعد لمناقشة الحكومة هو شأن ديموقراطي لا لبس فيه، وحق دستوري لرئيس المجلس لا جدال حوله، إلّا أنّ التوقيت الذي اختاره بري، بناءً على مطالبات نيابية، ينطوي ضمناً على رسائل مبطنة في اتجاه الحكومة ورئيسها، تعكس عدم رضاه عنهما وشعوره بأنّ هناك ضرورة للتلويح لهما بعصا المحاسبة النيابية بغية محاولة تعديل سلوكهما.
وبناءً عليه، فإنّ هدف بري من إفساح المجال أمام التصويب على الحكومة في هذه اللحظة، هو تصويب مسارها وليس إسقاطها بالضربة القاضية، وهذا ما يفسّر كيف أنّه كان، في سياق إدارته للمناقشة، يشدّ الحبل تارة ويرخيه طوراً، ممسكاً العصا من الوسط، على قاعدة ترك النواب “يفشّون خلقهم” بالحكومة، ويرجمونها بكل أنواع الحجارة، إنما ليس إلى درجة تداعيها.
يعرف بري أنّ أوان سقوط الحكومة او إسقاطها لم يحن بعد، أولاً لأنّ هناك توازنات إقليمية ودولية تحميها، وثانياً لأنّ المرحلة الحالية لا تتحمّل ترحيلها قسراً، خشية من التداعيات على الاستقرار الداخلي، في وقت لا يزال لبنان يواجه حرباً إسرائيلية على جنوبه.
لكن، وتحت سقف هذه الضوابط، أراد بري للعبة الديموقراطية أن تأخذ حدّها الأقصى في مساءلة الحكومة ومحاسبتها، حتى لا تنام على حرير الدعم الإقليمي والدولي، ولكي ينقل الأزمة المتدحرجة من ضفاف الشارع المعبأ إلى داخل المؤسسات الدستورية، مع إصراره على ضبط الإيقاع كلما اختلط الحابل بالنابل.
وضمن سياق متصل، يؤكّد العارفون انّ مصير الحكومة لا يُبتّ في مجلس النواب، بل هي أتت على متن معادلات سياسية مركّبة، يملك الخارج النسبة الأكبر من أسهمها. وبالتالي، فإنّ سلام ووزراءه، لن يرحلوا سوى عندما تتبدّل تلك المعادلات، وهو أمر قد لا يكون مستبعداً على الأمد المتوسط، في ظل المخاض الذي تمرّ فيه المنطقة، بحيث أنّ بقاء الحكومة من عدمه سيتحدّد ربطاً بما سيفرزه هذا المخاض من توازنات.



